ثم يعطينا الحق سبحانه وتعالى صورة أخرى عن الحلف الكذب الذي كان يفعله المنافقون، فيقول سبحانه :
يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله، من فضله فإن يتوبوا يك خير لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير( ٧٤ ) .
وفي هذه الآية الكريمة يبين لنا الحق سبحانه وتعالى حلقات الحلف بالكذب للمنافقين، فهم يحلفون أنهم ما قالوا، ويجعلون الله عرضة لإيمانهم، مع أنهم قاتلوا كلمة الكفر، كفروا بعد أن أعلنوا الإسلام بلسانهم، وإسلامهم إسلام مدعي.
ولهذه الآية الكريمة قصة وقعت أحداثها في غزوة تبوك التي حارب المسلمون فيها الروم، كانت أول قتال بين المسلمين وغير العرب، حيث دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغزوة في فقترة شديدة الحرارة، وكان كل واحد في هذه الفترة يفضل الجلوس في الأخياف(١)، أي الحدائق الصغيرة، ويجلسون تحت النخيل والشجر في جو رطب ولا يرغبون في القيام من الظل.
وعندما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم للجهاد في سبيل الله، والذهاب إلى قتال الروم، تلمس المنافقون الأعذار الكاذبة حتى لا يذهبوا للجهاد، فظل القرآن ينزل في هؤلاء الذين تخلفوا عن هذه الغزوة شهرين كاملين، فقال رجل اسمه الجلاس بن سويد : والله إن كان ما يقوله محمد عن الذين تخلفوا عن القتال صدقا فنحن شر من الحمير. وهنا قال عامر بن قيس الأنصاري : لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم شر من الحمير. وأنت يا جلاس شر من الحمار. هنا قام عدد من المنافقين ليفتكوا بعامر بن القيس الأنصاري، لأن الجلاس بن سويد كان من سادة قومه. وذهب عامر بن قيس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بما حدث، فاستدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن سويد وسأله عن الخبر، فحلف بالله أن كل ما قاله عامر بن قيس لم يحدث. وتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن حلف بالله. وهنا رفع عامر بن قيس يده إلى السماء، وقال : اللهم إني أسألك أن تنزل على عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم تصديق الصادق وتكذيب الكاذب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلكم " آمين " (٢). ولم ينتهوا من الدعاء حتى نزل الوحي بقول الحق جل جلاله :
يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا
وهكذا حسمت هذه الآية الكريمة الموقف. أظهرت من هو الصادق ومن هو الكاذب، فيما رواه عامر بن قيس وأنكره الجلاس.
ولكن الآية الكريمة تجاوزت ما عرف من الحادثة إلى ما لم يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه : وهموا بما لم ينالوا ذلك أن الله تبارك وتعالى أراد أن يعلم المنافقين أن سبحانه يخبر نبيه بما يخفيه المنافقون عنه، ولو نزلت الآية فقط في حادثة الحلف الكذب، لقال المنافقون : ما عرف محمد –عليه الصلاة والسلام- إلا ما قاله عامر، ولكن هناك أشياء لم يسمعها عامر، وهم قالوها، ذلك أن المنافقين كانوا قد تآمروا على حياة النبي صلى الله عليه وسلم واتفقوا على قتله عند عبوره العقبة، والعقبة هذه هي مجموعة من الصخور العالية التي تعترض الطريق، فيتحايلون على اجتياز هذه العقبة بأن يعبروها أحيانا من أنفاق منخفضة وأحيانا يعبرونها بأن يصعدوا فوقها ثم ينزلوا.
ودبر المنافقون(٣) أن يدفعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعلى الصخور، فيسقط في الوادي، ولكن حذيفة بن اليمان الذي كان يسير خلف ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنبه للمؤامرة، فهرب المنافقون، وهكذا لم ينالوا ما يريدونه، مثلما لم ينالوا ما أرادوه عندما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهاجرا إلى المدينة، فقد كانوا يعدون العدة ليجعلوا عبد الله بن أبي ملكا عليهم، ولكن مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمكنهم من ذلك.
وقيل : إنهم تآمروا على قتل عامر بن قيس، لأنه أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قاله الجلاس بن سويد، ولكنهم لم يتمكنوا. وقول الحق سبحانه وتعالى : وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله و نقموا تعني : كرهوا، والغنى-كما نعلم- أمر لا يكره، ولكن وروده هنا دليل على فساد طبعهم وعدم الإنصاف في حكمهم، لأن الغني والأمن الذي أصابهم ليس عيبا ولا يولد كراهة. بل كان من الطبيعي أن يولد حبا وتفانيا في الإيمان.
والحق سبحانه وتعالى يوضح لهم : ماذا تعيبون على محمد ؟ وماذا تكرهون ؟ هل تكرهونه وقد جاءكم بالعزة والغنى ؟.
وقبل أن يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان كرهوا مجيء الرسول إلى المدينة فقراء لا يملكون شيئا، ولكنهم لما نافقوا ودخلوا في الإسلام، أخذوا من الغنائم، وأغناهم الله(٤)، بل إن الجلاس بن سويد لما قتل له غلام دفع له رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشرة ألف درهم دية. إذن : فقد جاء على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنى للجميع، فهل هذا أمر تكرهونه ؟ طبعا لا. ولكنه دليل على فساد طباعكم وعدم إنصافكم في الحكم، وما دام الله سبحانه وتعالى قد أغناكم بمجيء رسوله، ما كان يصح أن يعاب ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان يجب أن يمدح به، وأن تتفانوا في الإيمان به ونصرته.
وقول الحق سبحانه وتعالى : من فضله يلفتنا إلى أسلوب القرآن الكريم. ولقد قال الحق سبحانه وتعالى : الله ورسوله وكان قياس كلام البشر أن يقال " الله ورسوله من فضلهما "، ولكنه قال : من فضله لأن الله لا يثنى مع أحد، لو مكان محمد بن عبد الله.
وذلك عندما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا يخطب ويقول : من أطاع الله ورسوله فقد نجا، ومن عصاهما فقد هلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بئس خطيب القوم أنت، لأن الخطيب جمع تثنية بين الله ورسوله.
وهنا توقف الخطيب وقال : فماذا أقول يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قل ومن يعص الله ورسوله فقد هلك(٥)، ولا يقل : عصاهما، لا تجمع مع الله أحدا ولا تثن مع الله أحدا، ولذلك نجد القرآن الكريم لم يقل " أغناهم الله ورسوله من فضلهما "، ولكنه قال : من فضله لأن الفضل واحد. فإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فضل، فهو من فضل الله. وعلى أية حال فالله لا يثنى معه أحد، ولذلك نجد في القرآن الكريم :
يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين( ٦٢ ) ( التوبة )
وهنا نرى أيضا لأن الحق سبحانه قد استخدم صيغة المفرد في الرضا، لأن رضا الله سبحانه وتعالى ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم يتحدان، لأنه إذا جاء اسم الله فلا تثني معه أحد.
وبعد أن فضح الحق سبحانه وتعالى المنافقين وبين ما في قلوبهم، لم تتخل رحمته عنهم، لأنه سبحانه وتعالى رحيم بعباده، ولذلك فتح لهم باب التوبة فقال : فإن يتوبوا يك خيرا لهم ، وفتح باب التوبة رحمة لحركة الحياة كلها ؛ فلو أغلق الله باب التوبة لأصبح كل من ارتكب ذنبا مصيره للعذاب مهما فعل، فلا بد أنت يستشري في الذنب، ويزداد في الإثم، ما دام لا فرق بين ذنب واحد وذنوب متعددة ولكن حين يعلم أي إنسان يخطئ بأن باب التوبة مفتوح ؛ فهو لا يستشري في الإثم، ثم إن الذي يعاني من الشرور والآثام حقيقة هو المجتمع ككل، فإذا وجد لص خطير مثلا، فالذي يعاني من سرقاته هو المجتمع. وإذا وجد قاتل محترف فالذي يعاني من جرائمه هم الذين سيقتلهم من أفراد المجتمع.
إذن : ففتح باب التوبة رحمة للمجتمع، لأنها لا تدفع المجرم إلى الإستشراء في إجرامه. وإذا نظرت إلى الآية الكريمة، فالله سبحانه وتعالى بعد أن أظهر الحق، وبين للرسول صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أشياء كان المنافقون يخفونها، فتح المنافقون باب التوبة، وحينئذ قال الجلاس بن سويد زعيم المنافقين : يا رسول الله. لقد عرض الله علي التوبة. والله قد قلت ما قاله عامر، وإن عامرا لصادق فيما قاله عني. وتاب الجلاس وحسن إسلامه(٦).
أما الذين تعرض عليهم التوبة ولا يتوبون إلى الله، فقد قال سبحانه :
وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير إذن : فجزاء من يرفض التوبة ولا يعترف بخطئه هو العذاب الأليم، لا في الآخرة فقط، ولكن في الدنيا والآخرة. وعذاب الدنيا إما بالقتل وإما بالفصيحة، وعذاب الآخرة في الدرك الأسفل من النار.
ولكن قول الحق سبحانه وتعالى : وما لهم في الأرض من لي ولا نصير قد يفهمه بعض الناس فهما خاطئا، بأن العذاب في الدنيا فقط. ولمن هناك أرض الدنيا، وأرض في الآخرة هي أرض المعاد(٧)، مصدقا لقوله تعالى :
يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات.... ٤٨ ( إبراهيم )
إذن : فكلمة الأرض تعطينا صورتين في الدنيا وفي الآخرة.
وقوله تعالى : وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير يوضح لنا أن الولي هو القريب منك الذي تفزع إليه عند الشدائد، ولا تفزع عند الشدائد إلا لمن تطمع أن ينصرك، أو لمن هو منك، أما النصير فهو من تطلب منه النصرة. وقد يكون بين البعيدين عنك ولا ترتبط به ولاية، إذن : فلا الولي القريب منك، ولا الغريب الذي قد تفزع إليه لينصرك يستطيعان أن يفعلا لك شيئا، فلا نجاة من عذاب الله لمن كفر أو نافق.
٢ انظر تفسير ابن كثير(٢/٣٧١-٣٧٣).
٣ كانوا اثني عشر رجلا ماتوا محاربين لله ورسوله عن حذيفة بن اليمان قال: كنت آخذ بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به، وعمار يسوقه، حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكبا، قد اعترضوه فيها، فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، فصرخ بهم فولوا مدبرين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل عرفتم القوم؟ قلنا: لا يا رسول الله، كانوا متلثمين، ولكنا قد عرفنا الركاب. قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة، هل تدرون ما أرادوا؟ قلنا لا. قال: أرادوا أن يزحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة، فيلقوه منها. قلنا: يا رسول الله أو لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: لا، أكره أن تحدث العرب بينها أن محمدا قاتل بقوم، حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم بقتلهم، ثم قال: اللهم أرمهم بالدبيلة. قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك" أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٥/٢٦٠، ٢٦١) وفيه عنعنة ابن إسحاق..
٤ قال الكلبي: كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ظنك من العيش، لا يركبون الخيل ولا يحزون الغنيمة، فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم" ذكره القرطبي في تفسيره(٤/٣١٣٢)..
٥ عن عدي بن حاتم أن رجلا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد. ومن يعصهما فقد غوى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بئس الخطيب أنت. قل: من يعص الله ورسوله فقد غوى) أخرجه مسلم في صحيحه (٨٧٠) وأحمد في مسنده (٤/٢٥٦، ٣٧٩) وأبو داود في سننه(١٠٩٩)..
٦ انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لإبن حجر العسقلاني (ترجمة١١٧٢)..
٧ قال أبو يحيى الأنصاري في فتح الرحمان(ص١٧٠):" لما كانوا لا يعتقدون الوحدانية، ولا يصدقون بالآخرة، كان اعتقادهم وجد الولي والنصير مقصودا عن الدنيا، فعبر عنها في الأرض أو: أراد بالأرض أرض الدنيا والآخرة"..
تفسير الشعراوي
الشعراوي