ﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐ

ويحتمل -أيضًا-: الأمر بالمجاهدة الكفار، يجاهدهم بالسيف، ويغلظ القول ويشدده على المنافقين، ويقيم عليهم الحدود.
فإن كان على مجاهدة الفريقين جميعًا بالسيف، فهو - واللَّه أعلم - في المنافقين الذين انفصلوا من المؤمنين، وخرجوا من بين أظهرهم، وأظهروا الخلاف للمؤمنين بعد ما أظهروا الموافقة لهم، فأمثال هَؤُلَاءِ يجاهدون بالسيف ويقاتلون به، وهو كقوله: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ)، إلى قوله: (مَلْعُونِينَ) الآية، أخبر أنهم يؤخذون ويقتلون أينما وجدوا، فيشبه أن تكون الآية في الأمر بالجهاد في هَؤُلَاءِ المنافقين.
ويحتمل وجهًا آخر: وهو أن المنافقين كانوا يطعنون في رسول اللَّه ويعيبون عليه، فأطلع اللَّه رسوله على ذلك، وهم قد علموا أن اللَّه أطلعه على ما يطعنون فيه ويذكرونه بسوء، فيقول - واللَّه أعلم -: جاهدهم إذا طعنوا فيك وذكروك بسوء بعد ذلك.
وإن كان الأمر على المجاهدة مجاهدة بالحجج، فهو - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - قد حاج الفريقين جميعًا بالحجج، وخاصة سورة براءة إنما أنزلت في محاجة المنافقين.
ويحتمل الأمر بالجهاد في الكفار خاصة، وفي المنافقين تغليظ القول والتشديد، وإقامة الحدود التي ذكرنا، والتعزير إذا ارتكبوا شيئًا مما يجب فيه الحد أو التعزير - واللَّه أعلم بذلك - لما أقاموا بين أظهر المؤمنين مظهرين لهم الموافقة.
وقوله: (وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) هذا في المنافقين الذين ماتوا على النفاق.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٧٤)

صفحة رقم 429

قال بعض أهل التأويل: الآية نزلت في شأن رجل منافق قال يومًا: واللَّه، لئن كان ما يقول مُحَمَّد حقا لنحن شر من الحمير. فسمع ذلك غلام وهو ربيب ذلك القائل، فقال له: تُبْ إلى اللَّه. وجاء الغلام إلى النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فأخبره، فأرسل إليه النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، فأتاه، فجعل يحلف: ما قال ذلك؛ فنزلت الآية فيه: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا...).
لكن غير هذا كان أشبه؛ لأن الآية: (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) وقول الرجل: لئن كان ما يقول مُحَمَّد حقا لنحن شر من الحمير - هذا القول نفسه ليس هو كلام كفر؛ إنما كلامُ ذم، ذمَّ به نفسه في الآية (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ) وفهو قول جماعة.
وقيل: نزل في شأن عبد اللَّه بن أبي، قال أصحابه: فواللَّه، ما مثلنا ومثل مُحَمَّد إلا كما قال القائل: " سمّنْ كلبك يأكلك "، وقال: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)، فأخبر النبي بذلك، فدعاه فسأله فجعل يحلف باللَّه ما قاله.
ولكن يشبه أن تكون الآية صلة قوله: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ...) الآية. كانوا يستهزءون باللَّه وبآياته وبرسوله، والاستهزاء بذلك كفر، أو أن قالوا قول كفر لم يبين اللَّه لنا ذلك فلا أنهم قالوا كذا؛ لما ليس لنا إلى معرفة ذلك القول الذي قالوه حاجة.
وقوله: (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ):
يحتمل: كفروا بعد ما أسلموا إسلام تَقِيَّة.
ويحتمل قوله بعد ما أظهروا الإسلام، أي: رجعوا عما أظهروا من الإسلام.
وفي الآية دلالة أن الإسلام والإيمان واحد؛ لأنه قال: (وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ) وقال في آية أخرى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)، ثم قال: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ)، وقال في آية أخرى: (كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا)؛ فدل أن الإسلام والإيمان واحد.
وقوله: (وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا).

صفحة رقم 430

قيل: هموا بقتل رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - والمكر به، فلم ينالوا ما هموا به.
وفيه دلالة إثبات الرسالة؛ لأنهم أسروا ما هموا به، ثم أخبر عن ذلك وهو غيب، دل أنه باللَّه علم ذلك.
وقوله: (وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ).
قال بعض أهل التأويل: إن الرجل الذي قال ذلك تاب عن ذلك، فقبل منه ذلك، وكان له قتيل في الإسلام فوداه رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فأعطاه ديته، فاستغنى بذلك.
وقال ابن عَبَّاسٍ: (وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ): كان رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يعطي المنافقين من الغنائم والصدقات، يقول: ما نقموا ما أعطاهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من الغنيمة والصدقة.
وقوله: (نَقَمُوا)، قال بعض أهل الأدب - أبو معاذ وغيره -: نقموا، أي: طعنوا، فيه لغتان: نقِموا - بالخفض - ونقَموا - بالنصب - يقال: نقِم ينقَم، ونقَم ينقِم - بكسر القاف - فهو - واللَّه أعلم - يقول: ما طعنوا مني رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وما ذكروه بسوء إلا أن أغناهم اللَّه؛ لأنهم لو كانوا أهل فقر وحاجة ما اجترءوا على الطعن على رسول اللَّه وما ذكروه بسوء، ولكن طعنوا فيه لما أغناهم اللَّه.
ويحتمل قوله: (وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ): ما عاملهم رسول اللَّه معاملة الكرام وتبسط إليهم حتى قالوا: إنه أذن يقبل العذر، فذلك الذي حملهم على الطعن.
وقوله: (فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ) فيه أن المنافق تقبل منه التوبة. (وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) بما ذكرنا في الدنيا: الأمر بالجهاد والقتل والخوف، هذا التعذيب في الدنيا، والتعذيب في الآخرة.
وقوله: (وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) قد ذكرنا هذا في غير موضع.
* * *
قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)

صفحة رقم 431

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية