قال الله تعالى :
ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم [ التوبة : ٩٨ ].
وفيها مسألة واحدة، وهي :
[ ٩٣ ] إذا هلك الرهن فهل يبطل الدين.
قال ابن حزم :
( فإن مات الرهن، أو تلف، أو أبق، أو فسد، أو كانت أمة فحملت من سيدها، أو أعتقها، أو باع الرهن، أو وهبه، أو تصدق به، أو أصدقه : فكل ذلك نافذ، وقد بطل الرهن وبقي الدين كله بحسبه، ولا يكلف الراهن عوضا مكان شيء من ذلك، ولا يكلف المعتق ولا الحامل استسعاء، إلا أن يكون الراهن لا شيء له من أين ينصف غريمه غيره، فيبطل عتقه ؛ وصدقته، وهبته – ولا يبطل بيعه ولا إصداقه.
برهان ذلك : أن الدين قد ثبت فلا يبطله شيء إلا نص قرآن، أو سنة، فلا سبيل إلى وجود إبطاله فيهما. ولا يجوز تكليف عوض ولا استسعاء، لأنه لم يأمر الله تعالى بذلك ولا رسوله صلى الله عليه وسلم والذمم بريئة إلا بنص قرآن، أو سنة... وأما هلاك الرهن بغير فعل الراهن ولا المرتهن، فللناس فيه خمسة أقوال ).
وبعد أن ذكرها مع أدلتها ورد عليها، قال :
( قال أبو محمد : فإذ قد بطل كل ما موهوا به، فالواجب الرجوع إلى القرآن، والسنة، فوجدنا : ما حدثناه أحمد بن قاسم، نا ابي قاسم بن محمد بن قاسم، نا جدي قاسم بن أصبغ، حدثني محمد بن إبراهيم، حدثني يحيى بن أبي طالب الأنطاكي، وجماعة من أهل الثقة، نا نصر بن عاصم الأنطاكي(١)، نا شبابة، عن ورقاء(٢)، نا أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يغلق الرهن، الرهن لمن رهبن، له غنمه، وعليه غرمه " (٣).
فهذا مسند من أحسن ما روي في هذا الباب(٤)، وادعوا أن أبا عمر المطرز غلام ثعلب(٥) قال : أخطأ من قال : إن الغرم الهلاك.
قال أبو محمد : وقد صح في ذم قوم في القرآن قوله تعالى : ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما [ التوبة : ٩٨ ] أي : يراه هالكا بلا منفعة، فالقرآن أولى من رأي المطرز.
قال أبو محمد : ووجدنا النبي صلى الله عليه وسلم قد قال : " إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام فلم يحل لغريم المرتهن شيئا، ولا أن يضمن الرهن بغير نص في تضمينه إلا أن يتعدى فيه، أو بأن يضيعه فيضمنه حينئذ باعتداله في كلا الوجهين. وكذلك الدين قد وجب، فلا يسقطه ذهاب الرهن، فصح يقينا من هذين الأصلين الصحيحين بالقرآن، والإجماع، والسنة : أن هلاك الرهن من الراهن، ولا ضمان على المرتهن، وأن دين المرتهن باق بحسبه لازم للراهن. وبالله تعالى التوفيق(٦).
٢ رواه بهذا الإسناد الحاكم والدارقطني، وليس عندهما ورقاء، ولم يعد من شيوخه ابن أبي ذئب، لكن ذكره هكذا ابن حجر في التلخيص وعبد الحق..
٣ رجال الإسناد:
محمد بن إبراهيم ويحيى بن أبي طالب الأنطاكي لم أجد لهما ترجمة.
نصر بن عاصم الأنطاكي، لين الحديث من صغار العاشرة. (التقريب) [٧١٦٤].
شبابة بن سوار المدائني، أصله من خراسان، يقال: كان اسمه، مروان مولى بني فزارة، ثقة حافظ رمي بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس أست ومائتين. (التقريب) [٢٧٤٨].
ورقاء بن عمر اليشكري، أبو بشر الكوفي، نزيل المدائن، صدوق في حديثه عن منصور لين، من السابعة (التقريب) [٧٤٥٣].
ابن أبي ذئب/ محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي، العامري، أبو الحارث، المدني، ثقة فقيه فاضل، من السابعة، مات سنة ثمان وخمسين وقيل سنة تسع. (التقريب) [٦١٢٢].
تخريج الحديث:
هذا الحديث اختلف في وصله وإرساله اختلافا كثيرا: فروي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفواعا. رواه أبي ذئب عن الزهري.
كما عند ابن حزم، والدارقطني (٣/٣٣)، والحاكم (٢/٥١)، والبيهقي (٦/٣٩)، وابن عبد البر (١٢/٣٢٧-فتح البر)، وابن عدي (٤/٢٣١) لكن اختلف على ابن أبي ذئب في هذه الرواية، فوصلها إسماعيل بن عياش كما عند الدارقطني والحاكم والبيهقي، وكذا شبابة كما عند الحاكم والدارقطني وابن عبد البر وابن عدي،
وخالفهم الثوري، فرواه عن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد مرسلا.
كما عند البيهقي (٦/٣٩)، وعبد الرزاق (٨/٢٣٧).
ورواه موصولا:
سفيان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن الزهري، كما عند ابن حبان (١٣/٢٥٨)، والحاكم (٢/٥١)، والدارقطني (٣/٣٢)، وابن عبد البر في التمهيد (١٢/٣٢٥) والبيهقي (٦/٣٩).
وإسناده حسن. قال الدارقطني: (وهذا إسناد حسن متصل).
وقال الحاكم: وهذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه).
لكن أعلها ابن عبد البر كما في (التمهيد) (١٢/٣٢٧-فتح البر) بأن الثقات من أصحاب ابن عيينة رووه عنه لا يذكرون أبا هريرة.
ورواه موصولا:
إسماعيل بن عياش بن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهري به.
كما عند الدارقطني (٣/٣٣)، والحاكم (٢/٥١).
لكن أعلها ابن عبد البر بأن هذه الرواية هي رواية إسماعيل بن عياش، عن ابن أبي ذئب، وليست عن الزبيدي. انظر التمهيد (١٢/٣٢٦).
ورواه كذلك مالك عن الزهري به، كما عند الحاكم (٢/٥١)، وابن عبد البر في (التمهيد) (٢٢/٣٢٣-فتح البر) لكن رواه مالك في الموطأ ص ٧٢٨ مرسلا. وقال ابن عبد البر في (التمهيد) (١٢/٣٢٣).
هكذا رواه – أي مرسلا – كل من روى الموطأ عن مالك فيما علمت إلا معن عن عيسى، فإنه وصله، فجعله عن سعيد، عن أبي هريرة. ومعن ثقة إلا أني أخشى أن يكون الخطأ فيه من علي بن عبد الحميد الفضائري).
ورواه معمر عن الزهري موصولا أيضا.
كما عند الحاكم (٣/٥١-٥٢)، والدارقطني (٣/٣٣)، لكن رواه عنه عبد الرزاق مرسلا كما في المصنف (٨/٢٣٧).
ورواه سليمان بن داود الرقي، عن الزهري به، كما عند الدارقطني والحاكم وابن عدي (١/١٧٦) وسليمان بن داود لا يعرف. قاله ابن عدي.
وحاصل القول: أن هذه الطرق الموصولة على كثرتها لا يسلم منها شيء من جهة ضعف الرواة، اللهم إلا رواية سفيان، عن زياد بن سعد، وأما بقيتها فيخشى الخطأ من رواتها لضعفهم، ومخالفتهم.
ذلك أنه ما من راو روى عنه الوصل إلا وقد روى عنه الثقة الإرسال.
فمالك وابن أبي ذئب ومعمر كلهم روى عنهم الثقات الإرسال.
فالحاصل أن رواية الإرسال أقوى فهي المرجحة إذا.
قال الإمام ابن عبد البر في (التمهيد) (١٢/٣٢٧):
(وهذا الحديث عند أهل العلم بالنقل مرسل، وإن كان قد وصل من جهات كثيرة، فإنهم يعللونها)..
٤ قال الإمام الشافعي: (وفيه دليل على أن جميع ما كان رهنا غير مضمون على المرتهن، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: "الرهن من صاحبه الذي رهنه" فمن كان منه شيء فضمانه منه لا من غيره، ثم زاد، فأكد له، فقال: "له غنمه وعليه غرمه"، وغنمه سلامته زيادته. وغرمه عطبه ونقصه. فلا يجوز فيه ألا أن يكون ضمانه من مالكه لا من مرتهنه) الأم (٣/١٦٧).
وانظر: (معالم السنن) (٣/١٣٩-١٤٠)، (التمهيد) (١٢/٣٣٣). (الاستذكار)(٧/١٣٥)..
٥ هو أبو عمر محمد بن عبد الواحد بن أبي هاشم، البغدادي، الزاهد، المعروف بغلام ثعلب، لازم ثعلبا في العربية، فأكثر عنه إلى الغاية، قال الذهبي عنه: (وهو في عداد الشيوخ في الحديث لا الحفاظ، وإنما ذكرته لسعة حفظه للسان العرب، وصدقه، وعلو إسناده (مات سنة خمس وأربعين وثلاثمائة.
انظر ترجمته ومصادرها في: (السير) (١٥/٥٠٨)..
٦ (المحلى) (٦/٣٧٩)..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري