ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜ

ومن الأعراب من يتخذ أي : يعدُ ما ينفقُ من الزكاة وغيرها في سبيل الله، مَغرَماً أي : غرامة وخسراناً ؛ إذ لا يحتسبه عند الله، ولا يرجو عليه ثواباً، وإنما ينفقه لرياء أو تقية، فيثقل عليه ثقل المغرم الذي ليس بحق، ويتربصُ بكم الدوائرَ أي : دوائر الزمان ونُوبه، أو ينتظر بكم مصائب الزمان، لينقلب الأمر عليكم ؛ فيتخلص من الإنفاق الذي كلف به.
قال تعالى : عليهم دائرةُ السَّوْءِ ، وهو دعاء عليهم بنحو ما يتربصونه أي : عليهم يدور من الدهر ما يَسُوؤهم أو جعل الله دائرة السوء نازلة بهم. قال ابن عطية : كل ما كان بلفظ دعاء من جهة الله عز وجل فإنما هو بمعنى إيجاب الشيء ؛ لأن الله تعالى لا يدعو على مخلوقاته وهي في قَبضته، ومن هذا قوله : ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ [ الهمزة : ١ ]، وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ [ المطففين : ١ ]، وهي كلها أحكام تامة تضمنها خبره تعالى. ه. أو إخبار عن وقوع ما يتربصونه عليهم. قال البيضاوي : الدوائر في الأصل : مصدر أضيف إليه السوء ؛ للمبالغة، كقولك : رَجلُ صدق. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو :" السُّوء " هنا، وفي الفتح١ بضم السين. ه. والله سميعٌ لما يقولونه عند الإنفاق عليم بما يضمرونه من الرياء وغيره.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : قد ورد الترغيب في سكنى المدن ؛ لأنها محل العلم وسماع الوعظ، وفيها من يستعان بهم على الدين، وورد الترغيب أيضاً في سكنى الجبال والفرار بالدين من الفتن، وخصوصاً في آخر الزمان. ولهذا اختار كثير من الصحابة والتابعين سكنى البوادي ؛ كأبي ذر ؛ وسلمة بن الأكوع، وغيرهما ـ رضي الله عنهم ـ.
والتحرير في المسألة : أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص والمقاصد، فمن كان مراده تحقيق الشريعة، وتحرير مسائل العلم الظاهر، والقيام بوظائف الدين، ولم يجد في البادية من يعينه على ذلك ؛ فسكنى المدن أفضل له، ومن كان مراده تصفية قلبه وتحقيق علم الطريقة، وتهيئة القلب لإشراق أنوار الحقيقة، فالاعتزال في البوادي، وقرون الجبال، أوفق له، إن وجد من يستعين بهم على ذلك ؛ لأن شواغل المدن، وعوائدها كثيرة، وقد كثرت فيها الحظوظ والأهوية ؛ فلا يجد فيها إلا من هو مفتون بدنيا أو مبتلى بهوى، بخلاف أهل البادية، هذه العوائد فيهم قليلة، وجُلّ أهلها على الفطرة.
وأيضاً : هم مفتقرون إلى من يسوسهم بالعلم أكثر من غيرهم، فمن تصدى لتعليمهم وتذكيرهم لا يعلم قدره إلا الله. قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه : أرحم الناس بالناس من يرحم من لا يرحم نفسه. أي : من يرحم الجاهل الذي لا يرحم نفسه ؛ بأن يعلمه ما ينفع به نفسه ويرحمها. وقال الغزالي في الإحياء : يجب على العلماء أن يبعثوا من يعلم الناس في البوادي ؛ فإن أخلوا بذلك الأمر عاقبهم الله، فمن تعرض لتعليمهم قام بهذا الواجب. والله تعالى أعلم. وأما ما يذكر حديثاً :" أمتي في المدن، وقليل في البادية " فلم يصح، بل قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ للرجل الذي أراد أن ينتقل إلى المدينة :" اعبد الله حيثما كنت، فإن الله لن يترك من أعمالك شيئاً ". وكذلك قوله : إذا أراد الله بعبد خيراً نقله من البادية إلى الحاضرة ؛ لم أقف عليه حديثاً. وبالله التوفيق.



١ انظر الآية ٦ من سورة الفتح..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير