ﮮﮯﮰ

أي: فى مشقة فهو يقاسى شدائد الدنيا والآخرة.
ويقال: خلقه في بطن أمه (منتصبا رأسه) فإذا أذن الله أن يخرج من بطن أمّه تنكّس رأسه عند خروجه، ثم في القماط وشدّ الرّباط... ثم إلى الصّراط هو في الهياط والمياط «١».
قوله جل ذكره: «أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ» أي: لقوّته وشجاعته عند نفسه يقول:
«يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً» «لُبَداً» كثيرا، فى عداوة محمد صلى الله عليه وسلم. «٢»
«أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ» أليس يعلم أنّ الله يراه، وأنه مطّلع عليه؟
قوله جل ذكره: «أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ؟» أي: ألم نخلقه سميعا بصيرا متكلّما.
«وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ» ألهمناه طريق الخير والشّر.
[سورة البلد (٩٠) : الآيات ١١ الى ٢٠]
فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ (١٥)
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)
أي: فهلّا اقتحم العقبة. «وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ؟ استفهام على التفخيم لشأنها.
ويقال: هى عقبة بين الجنة والنار يجاوزها من فعل ما قاله: وهو فكّ رقبة: أي: إعتاق مملوك، والفكّ الإزالة. وأطعم في يوم ذى مجاعة وقحط وشدّة يتيما ذا قرابة، أو «مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ»
: لا شىء له حتى كأنه قد التصق بالتراب من الجوع.

(١) يقال: هم في هياط ومياط أي في شر وجلبة، وقيل: فى دنو وتباعد (الوسيط).
(٢) يقال: نزلت في رجل من بنى جمح كان يقال له: أبو الأشدين، وكان من أشد أعداء النبي (ص).
(قاله الكلبي).

صفحة رقم 730

قوله جل ذكره: «ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ» أي: من الذين يرحم بعضهم بعضا.
«أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ» أي: أصحاب اليمن والبركة.
«وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ» هم المشائيم على أنفسهم، عليهم نار مطبقة يعنى أبواب النيران (عليهم مغلقة).
والعقبة التي يجب على الإنسان اقتحامها: نفسه وهواه، وما لم يجز تلك العقبة لا يفلح و «فَكُّ رَقَبَةٍ» هو إعتاق نفسه من رقّ الأغراض والأشخاص.
ويكون فك الرقبة بأن يهدى من يفكّه- من رق هواه ونفسه- إلى سلامته من شحّ نفسه، ويرجعه إليه، ويخرجه من ذلّه.
ويكون فكّ الرقبة بالتّحرّز من التدبير، والخروج من ظلمات الاختيار إلى سعة الرضاء.
ويقال: يطعم من كان في متربة ويكون هو في مسغبة.

«ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا » أي تكون خاتمته على ذلك «١».
(١) أي يبقى على ذلك حتى الوفاة.

صفحة رقم 731

تفسير القشيري

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري

تحقيق

إبراهيم البسيوني

الناشر الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر
سنة النشر 2000
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية