المعنى الجملي : بعد أن وبخ سبحانه هؤلاء المرائين الذين ينفقون أموالهم طلبا للشهرة، وحبا في الأحدوثة، وأنبهم على افتخارهم بما صنعوا مع خلو بواطنهم من حسن النية، وبين له أن أفضل ما يتمتعون به من البصر والنطق والعقل المميز بين الخير والشر، والنفع والضر هو منه سبحانه، وهو القادر على سلبه منهم- أردفه بيان أنه كان عليهم أن يشكروا تلك النعم، ويختاروا طريق الخير، ويرجحوا سبيل السعادة، فيفيضوا على الناس بشيء مما أفاض به عليهم، وأفضل ذلك أن يعينوا على تحرير الأرقاء من البشر، أو يواسوا الأيتام من أقاربهم حين العوز وعزة الطعام، أو يطعموا المساكين الذين لا وسيلة لهم إلى كسب ما يقيمون به أودهم لضعفهم وعجزهم، ثم هم مع ذلك يكونون صحيحي الإيمان، صبورين على أذى الناس، وعلى ما يصيبهم من المكاره في سبيل الدعوة إلى الحق، رحماء بعباده، مواسين لهم حين الشدائد.
هذه هي الطريق التي كان من حق العقل أن يرشد إليها، لكن الإنسان قد خدعه غروره فلم يقتحم هذه العقبة، ولم يسلك هذه السبيل القويمة، ولم يسر فيما يرشد إليه العقل السليم.
شرح المفردات : وفك الرقبة : عتقها أو المعاونة عليه
ثم أرشد إلى أن اقتحامها يكون بفعل صنوف من الخير منها :
( ١ ) فك رقبة أي عتق الرقبة أو الإعانة عليها، وقد ورد في الكتاب الكريم والسنة الترغيب في العتق والحث عليه.
روى البراء بن عازب رضي الله عنه قال :" جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول دلني على عمل يدخلني الجنة، قال :( عتق النسمة وفك الرقبة )، فقال : يا رسول الله أو ليسا واحدا ؟ قال لا :( عتق الرقبة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها ).
والكلام بتقدير مضاف : أي وما أدراك ما اقتحام العقبة، فك رقبة، لأن فك الرقبة ليس هو العقبة نفسها، وإنما هو اقتحامها لأنه سبب موصل إلى مجاوزة العقبة والوصول إلى عالم الأنوار.
تفسير المراغي
المراغي