وقوله تعالى : ووالد وما ولد٣ ، يمكن أن يكون إشارة إلى نعمة التوالد والتناسل، التي أنعم الله بها على كثير من خلقه، كما يمكن أن يكون إشارة خاصة إلى إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل، فالوالد هو إبراهيم، والولد هو إسماعيل، ولا يخفى ما في هذه الإشارة من التناسب والانسجام، مع نفس السياق في هذا المقام، فقد كان إبراهيم الخليل هو باني البيت الحرام، بمساعده ابنه إسماعيل عليهما السلام.
وأما الحقيقة المقسم عليها فهي أن الإنسان منذ أن يستقر جنينا في بطن أمه وطيلة حياته إلى حين وفاته، لا ينفك عن مكابدة المتاعب، ومواجهة الشدائد، وتحمل المشاق، من طور إلى طور، ومن مرحلة إلى أخرى، ولا يهون من ضغط هذه الحقيقة التي تفرض نفسها على كل إنسان أن تختلف طرق الكفاح باختلاف الناس، فلكل صنف منهم متاعبه الخاصة، وكفاحه الدائم، الذي لا ينتهي إلا بانطفاء جذوة الحياة في الجسم وحلول الأجل، والهدف المتوخى من تذكير الإنسان بهذه الحقيقة التي تستغرق كل حياته هو تنبيهه إلى أنه إذا كان ولا بد سيكابد متاعب الحياة الدنيا، لينتقل منها إلى مكابدة متاعب أشد هولا منها في الحياة الثانية، فإنه سيكون أخسر الخاسرين، ولذلك ينبغي له أن يعمل عملا صالحا في دنياه، حتى يلقى الله وعنده من الحسنات، ما يضع حدا نهائيا لمتاعبه المعتادة في حياته الأولى، وبذلك يستأنف حياة ثانية كلها نعيم مقيم، ورضوان من ربه الكريم، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : لقد خلقنا الإنسان في كبد٤ أيحسب أن لن يقدر عليه أحد٥ يقول أهلكت مالا لبدا٦ أيحسب أن لم يره أحد٧ ، وها هنا ينعى كتاب الله على البخلاء الإشحاح بخلهم وشحهم بالإنفاق في سبيل الله، إذ ينفقون أموالهم في غير وجهها المشروع، وكلما دعوا إلى الإنفاق في وجوه البر والإحسان تبجحوا بأنهم قد أنفقوا مالا كثيرا، مالا لبدا٦ ، وإن كان ما أنفقوه إنما صرفوه في الشهوات والملذات، وفي المعاصي لا في الطاعات، وينسون أن الله سائلهم عما استخلفهم فيه من المال، من أين اكتسبوه، وأين أنفقوه، وأنهم سيحاسبون عليه حسابا عسيرا.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري