ﭭﭮﭯ

الذي كذّب الرسول صلى الله عليه وسلم وتولّى عن الإيمان باعتبار بعض أفراده، وليس الاحتراز بل لأن العادة مقتضى الإيمان أن لا يكون المؤمن شقيا إذ الإيمان يقتضي التقوى والسعادة والكافر المكذب هو الذي يكون شقيا عاصيا غالبا فبقيد الشقى بوصف التكذيب والتولي خرج مخرج العادة كما في قوله تعالى : وربائبكم اللاتي في حجوركم ١ أو المراد بالتكذيب أعم من التكذيب صريحا وهو الكفر أو دلالة وهو ارتكاب المحرمات مع الإيمان بتحريمها أو أعم مما هو صادر عن اللسان والقلب فيكون كفرا نفاقا ومما هو صادر عن النفس الأمارة بالسوء حال كون قلبه مطمئنة بالإيمان ولسانه ما خلقنا به فيكون إيمانا مجازيا عاما، وقيل : الأشقى بمعناه للتفضيل والمراد به الكافر فإني أشقى من الفاسق لكي يصلى ههنا ليس على إطلاقه بل المراد سنة المقيد اللزوم والشدة قال البيضاوي لا يصلاها لا يلزمها مقاسيا شدتهما إلا الأشقى أي الكافر فإن الفاسق وإن دخلها إن لم يغفره لا يلؤها فلا نقض في الحصر، وقيل لا حاجة إلى هذا التكليف بل الضمير في لا يصلاها عائد إلى نارا تلظى ولا يصلى نارا تتلظى وتتلهب إلا الكافر وأما الفاسق فأدخل جهنم لا يصلى نارا تتلهب بل نارا ضعيفة بالنسبة إلى الكافر وهي الطبقة العليا من النار وعندي أن المراد بالأشقى هو الكافر كما هو الظاهر النار أيضا على عمومها فإن التلهب توصف بها النار الدنيا أيضا ونار جهنم وإن كانت ضعيفة فهي أشد من نار الدنيا البتة لكن الحصر في الآية إضافي بالنسبة إلى المؤمنين الموجودين في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فالآية تدل على عدم دخول أحد من الصحابة في النار كيف وقد انعقد الإجماع على أن الصحابة كلهم عدول وقد قال الله تعالى : وكُلاًّ وعد الله الحسنى ٢ وقال : كنتم خير أمة أُخرجت للناس ٣ وقال : محمد رسول الله والذين معه ٤ الآية وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( لا تمس النار مسلما رآني أو رأى من رآني )٥ رواه الترمذي عن جابر وقال :( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم واهتديتم ) رواه رزين عن عمر بن الخطاب فمن صدر منه معصية فهم على سبيل الندرة وفق غالبا للتوبة فإن ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له )٦ رواه ابن ماجه عن ابن مسعود مرفوعا، أو أدركته الرحمة ببركة صحبة النبي صلى الله عليه وسلم كيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق الصلحاء من أمته ( هم قوم لا يشقى جليسهم )٧ ولا يخاب أنيسهم في حديث في الصحيحين والترمذي عن أبي هريرة فما ظنك فيمن جالس سيد المرسلين في حين من الدهر والله تعالى أعلم. ولما كان الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منحصرين في فريقين إما مؤمن تقي أتقى الناس ممن سواهم أو كافر فلذلك ترى كلام الله مشحونا من ذكر هذين الفريقين وقلما يستفاد حال عصاة المؤمنين من القرآن لأن الكلام غالبا يبحث عن أحوال الموجودين والله تعالى أعلم فلا يجوز بهذه الآية استدلال المرجئة على أن المؤمن إن كان فاسقا لا يدخل النار وأن السيئات من الكبائر والصغائر مطلقا لا يضر مع الإيمان، لأن الحسنات مطلقا لا تنقع مع الكفر وبه قال الروافض شيعة علي ولا استدلال المعتزلة على أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار وليس بمؤمن وجه استدلالهم أن ارتكاب الكبيرة موجب لدخول النار بالإجماع وإن خالف المرجئة فلو كان مرتكب الكبيرة مؤمنا لم يكن أشقى الناس فلا يصلاها بهذه الآية وأهل السنة يؤولون هذه الآية بما ذكرنا من التأويلات جمعا بين النصوص وجريا على ما انعقد عليه الإجماع من أن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء سواء تاب أو لم يتب وقال الله تعالى : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ٨ وقال : يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ٩ وقال : فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ٧ ١٠ فلا يجوز في حق المؤمن الخلود في النار وإن كان فاسقا غير مغفور وقد تواتر قوله صلى الله عليه وسلم :( من قال لا إله إلا الله دخل الجنة )١١ وقال الله تعالى : ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ٨ ١٢ يعني إن شاء الله أن يعذبه ولم يغفره يرى جزاء السيئة في النار ولولا مقتضى إتيان المحرمات وترك الواجبات دخول النار كما قالت المرجئة لصارت الشريعة الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر كلها سفسطة ولا يقولها إلا كاهن أو مجنون.

١ سورة النساء، الآية: ٢٣..
٢ سورة النساء، الآية: ٩٥..
٣ سورة آل عمران، الآية: ١١٠..
٤ سورة الفتح، الآية: ٢٩..
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: المناقب، باب: ما جاء في فضل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه (٣٨٦٧)..
٦ أخرجه، ابن ماجه في كتاب: الزهد، باب: ذكر التوبة (٤٢٥٠)..
٧ أخرجه البخاري في كتاب: الدعوات، باب: فضل ذكر الله عز وجل (٦٤٠٨)، وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة، باب: فضل مجالس الذكر (٢٦٨٩)، وأخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما جاء أن لله ملائكة سياحين في الأرض (٣٦٠٠)..
٨ سورة الزمر، الآية: ٥٣..
٩ سورة آل عمران، الآية: ١٢٩..
١٠ سورة الزلزلة، الآية: ٧..
١١ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا (٢٦)..
١٢ سورة الزلزلة، الآية: ٨..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير