ﮩﮪﮫﮬ

قوله : وَمَا خَلَقَ . يجوز في «ما » أن تكون بمعنى «من » على ما تقدم في سورة «والشمس ».
قال الحسن : معناه، والذي خلق فيكون قد أقسم بنفسه تعالى١.
وقيل : مصدرية.
قال الزمخشري٢ :«والقادر : العظيم القدرة الذي قدر على خلق الذكر والأنثى من ماء واحد »، وقد تقدم هذا القول، والاعتراض عليه، والجواب عنه في السورة قبلها. وقرأ أبو الدرداء٣ :«والذكر والأنثى »، وقرأ عبد الله٤ :«والذي خلق » وقرأ الكسائي، ونقلها٥ ثعلبة عن بعض السلف : وَمَا خَلَقَ الذَّكَرِ بجر الذكر.
قال الزمخشري٦ :«على أنه بدل من محل ما خلق بمعنى وما خلقه الله، أي : ومخلوق الله الذكر والأنثى، وجاز إضمار اسم الله لأنه معلوم بالخلق، إذ لا خالق سواه ».
وقيل : المعنى، وما خلق من الذكر والأنثى، فتكون «من » مضمرة، ويكون القسم منه بأهل طاعته، من أنبيائه وأوليائه ويكون قسمه بهم تكريماً لهم وتشريفاً.
قال أبو حيان٧ : وقد يخرج على توهم المصدر، أي : وخلق الذكر ؛ كقوله :[ المتقارب ]
٥٢٢٤- تَطُوفُ العُفَاةُ بأبْوابِهِ *** كمَا طَافَ بالبَيْعَةِ الرَّاهبِ٨
بجر «الراهب » على توهم النطق بالمصدر، أي : كطوف الراهب انتهى.
والذي يظهر في تخريج البيت أن أصله : الراهبي - بياء النسب - ثم خفف، وهو قليل، كقولهم : أحمري، وداودي، وهذا التخريج بعينه في قول امرئ القيس :[ الطويل ]
٥٢٢٥-. . . *** فَقِلْ في مَقِيلٍ نَحسهُ مُتغيِّبِ٩
لما استشهد به الكوفيون على تقديم الفاعل.
وروي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان يقرأ : والنهار إِذَا تجلى والذكر والأنثى ويسقط وَمَا خَلَقَ .
وفي صحيح مسلم عن علقمة، قال : قدمنا «الشام »، فأتانا أبو الدرداء، فقال : فيكم أحد يقرأ عليّ قراءة عبد الله ؟ فقلت : نعم، أنا، قال : فكيف سمعت عبد الله يقرأ هذه الآية : والليل إِذَا يغشى ؟ قال : سمعته يقرأ «والليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، والذكر والأنثى » قال. وأنا والله هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها، ولكن هؤلاء يريدون أن أقرأ «ومَا خَلَقَ » فلا أتابعهم١٠.
وقال ابن الأنباري : حدثنا محمد بن يحيى المروزي بسنده إلى عبد الله، قال : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إنِّي أنَا الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المتينُ ».
قال ابن الأنباري : حدثنا محمد بن يحيى المروزي بسنده إلى عبد الله، قال : أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إني أنا الرزاق ذو القوة المتين " ١١
قال ابن الأنباري : كل من هذين الحديثين مردود بخلاف الإجماع له، وإن حمزة وعاصماً يرويان عن عبد الله بن مسعود فيما عليه جماعة من المسلمين، وموافقة الإجماع أولى من الأخذ بقول واحد يخالفه الإجماع.

فصل في المراد بالذكر والأنثى


قيل المراد بالذكر والأنثى، آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - قاله ابن عباس والحسن والكلبي١٢.
وقيل : جميع الذكور والإناث من جميع الحيوانات.
وقيل : كل ذكر وأنثى من الآدميين فقط لاختصاصهم بولاية الله تعالى وطاعته.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٦١٠)..
٢ الكشاف ٤/٧٦١..
٣ وزعم الزمخشري وغيره أنها قراءة النبي صلى الله عليه وسلم ينظر: الكشاف ٤/٧٦١، والمحرر الوجيز ٥/٤٩٠، والبحر المحيط ٨/٤٧٧ وقال أبو حيان: "وما ثبت في الحديث من قراءة "والذكر والأنثى" نقل آحاد، مخالف للسواد؛ فلا يعد قرآنا، وينظر: الدر المصون ٦/٥٣٤..
٤ ينظر: الدر المصون ٦/٥٣٤..
٥ ينظر: المحرر الوجيز ٥/٤٩٠، والبحر المحيط ٨/٤٧٧، والدر المصون ٦/٥٣٤..
٦ الكشاف ٤/٧٦٢..
٧ ينظر البحر المحيط ٨/٤٧٧..
٨ ويروى الشطر الثاني:
*** كطوف النصارى ببيت الوثن ***
ينظر ديوان الأعشى ص ٢٠٩، والبحر ٨/٤٧٧، والدر المصون ٦/٥٣٥..

٩ عجز بيت وصدره:
*** فظل لنا يوم لذيذ بنعمة ***
ينظر ديوان امرىء القيس ص (٣٧)، وشرح جمل الزجاجي لابن عصفور ١/١٦٠، والدر المصون ٦/٥٣٥..

١٠ أخرجه البخاري (٨/٥٧٧) كتاب التفسير، باب: والنهار إذا تجلى رقم (٤٩٤٣)، وأحمد (٦/٤٤٩) والترمذي (٥/١٧٥) رقم (٢٩٣٩) والنسائي في "الكبرى" (٦/٥١٦) والطبري في "تفسيره" (١٢/٦١٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٦٠٤) وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه..
١١ ذكره القرطبي في "تفسيره" (٢٠/٥٥) وعزاه إلى ابن الأنباري..
١٢ ينظر تفسير الماوردي (٦٢٨٧) والقرطبي (٢٠/٥٦)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية