ﮩﮪﮫﮬ

وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ١ ( ١ ) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى٢ ( ٢ ) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ( ٣ ) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى٣ ( ٤ ) فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى ( ٥ ) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى٤ ( ٦ ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى٥ ( ٧ ) وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى٦ ( ٨ ) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى( ٩ ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى٧ ( ١٠ ) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى٨ ( ١١ ) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى( ١٢ ) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى( ١٣ ) [ ١- ١٣ ].
الخطاب في الآيات موجه إلى السامعين بأسلوب مطلق وتقريري. وقد تضمنت :

١-
قسما ربانيا بالليل إذا خيم والنهار إذا انجلى، وما خلق الله من ذكر وأنثى عن الناس في سلوكهم وأعمالهم أنواع. منهم المؤمن بالله والمتصدق بماله والمصدق بوعود الله الحسنى في الدنيا والآخرة. وهذا ييسره الله في السبيل اليسرى التي فيها النجاة والسعادة. ومنهم البخيل الذي يستشعر الغنى عن غيره وربه، البخيل بماله الجاحد لوعود الله الحسنى في الدنيا والآخرة. وهذا ييسره الله في السبيل العسرى التي فيها الهلاك والخسران، ولن يغني عنه ماله ويقيه السقوط والتردي في ذلك المصير الرهيب.

٢ -
وتقريراً ربانياً بأن ما للناس على الله أن يبين لهم طريق الهدى والخير ويدلهم عليه ويحذرهم من طريق الضلال والشر، وبأن أمر الدنيا والآخرة في يده وهو المتصرف فيهما تصرفاً مطلقاً.
والآيات كما هو ظاهر بسبيل الدعوة العامة للناس. ليس فيها مواقف ومشاهد حجاجية وتكذيبية. وفيها مبادئ هذه الدعوة بإيجاز بليغ وهي الإيمان بالله وتصديق وعود الله والعمل الصالح ونفع الغير ومساعدتهم وعدم البخل بالمال بسبيل ذلك مع التنبيه على أن المال لن يغني عنه شيئا إذا لم يستجب للدعوة ويلتزم بمبادئها. فمن فعل ذلك فهو ناج سعيد، ومن فعل العكس فهو خاسر شقي.
وقد انطوى فيها حكمة إرسال الله الرسل للناس ليبين لهم بلسانهم معالم الهدى. كما انطوى فيها تقرير كون الناس موكولين بعد ذلك إلى اختيارهم للطريق التي يسيرون فيها ومستحقين للنتائج التي تترتب على هذا الاختيار في الدنيا والآخرة معا. وكل هذا مما تكرر تقريره بحيث يعد من المبادئ القرآنية المحكمة.
ولقد روى الشيخان والترمذي في سياق هذه الآيات حديثا عن علي بن أبي طالب قال :" كنّا مع النبي صلى الله عليه وسلم في بقيع الغَرَقد في جنازة فقال : ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة. قالوا : يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل ؟ قال : اعملوا فكل ميَسرٌ لما خلق له. أما من كان من أهل السعادة فييسّرُ لعمل أهل السعادة. وأما من كان من أهل الشقاء فييسّرُ لعمل أهل الشقاء ثم قرأ { فأما من أعطى واتقى ( ٥ ) وصدق بالحسنى( ٦ ) فسنيسره لليسرى( ٧ ) الليل :[ ٥- ٧ ] " ١. والحديث ينطوي على إيذان بعلم الله عز وجل الأزلي بمصير كل إنسان في الآخرة وليس في كون الله عز وجل قد قدر على الناس مصائرهم الأخروية بقطع النظر عن أعمالهم التي يستحقون هذه المصائر بسببها كما هو المتبادر. وهذا ما ينطوي في الآيات أيضا حين إمعان النظر فيها ؛ حيث يربط الآيات والحديث السعادة والشقاء بالعمل فمن عَمِل عَمَلَ أهل السعادة سعد ومن عمِلَ عَمَلَ أهل الشقاء شقي.
وهذا الموضوع متصل بناحية ما بموضوع القدر الذي سوف نبحثه بحثاً وافياً في مناسبة أكثر ملاءمة.
وما خلق الذكر والأنثى
وجملة وما خلق الذكر والأنثى التي جمع فيها من الذكر والأنثى في القسم قرينة على نظرة الله تعالى المتساوية لهما وتسوغ القول : إن ما جاء بعدها من الإشارة إلى أعمال الناس من خير وشر وتيسير الله لهم وفقها يشمل الذكر والأنثى معا. وإن صح استنتاجنا ونرجو أن يكون صحيحا فيكون أول تقرير قرآني لمبدأ تكليف الذكر والأنثى على السواء تكليفاً متساوياً بكل ما يتصل بشؤون الدين والدنيا ولمبدأ ترتيب نتائج سعي كل منهما وفقا لما يكون من نوع هذا السعي من خير وشر ونفع وضر وهدى وضلال. وأول تقرير قرآني لتساوي الذكر والأنثى في القابليات التي يختار كل منهما عمله وطريقه بها. ولقد تكرر تقرير كل ذلك كثيراً وبأساليب متنوعة وفي القرآن المكي والمدني معا.
ومن ذلك آيتان مهمتان في بابهما في سورة الأحزاب وهما : إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا( ٧٢ ) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا( ٧٣ ) . وجمهور المؤولين والمفسرين على أن كلمة " الأمانة " تعني هنا : التكليف أي ما رسمه الله للإنسان من واجبات ونهاه عنه من محظورات. والإنسان في الآية الأولى مطلق أريد به الإنسان الذي يمثله الذكر والأنثى معاً بدليل الآية الثانية التي احتوت إنذاراً للمنافقات والمشركات اللاتي ينحرفن عن التكليف أسوة بالمنافقين والمشركين وبُشرى للمؤمنات اللاتي يلتزمن حدود الله المرسومة أسوة بالمؤمنين على قدم المساواة، وفي ذلك ما فيه من روعة وجلال.

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير