ﮥﮦﮧ

وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فهدى معطوف على المضارع المنفيّ. وقيل : هو معطوف على ما يقتضيه الكلام الذي قبله كما ذكرنا : أي قد وجدك يتيماً فآوى، ووجدك ضالاً فهدى، والضلال هنا بمعنى الغفلة، كما في قوله : لاَّ يَضِلُّ رَبّي وَلاَ يَنسَى [ طه : ٥٢ ] وكما في قوله : وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافلين [ يوسف : ٣ ] والمعنى : أنه وجدك غافلاً عما يراد بك من أمر النبوّة، واختار هذا الزجاج. وقيل معنى ضالاً : لم تكن تدري القرآن ولا الشرائع فهداك لذلك. وقال الكلبي والسديّ والفراء : وجدك في قوم ضلال فهداهم الله لك. وقيل : وجدك طالباً للقبلة فهداك إليها كما في قوله : قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السماء فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا [ البقرة : ١٤٤ ]. ويكون الضلال بمعنى الطلب. وقيل : وجدك ضائعاً في قومك فهداك إليه، ويكون الضلال بمعنى الضياع.
وقيل : وجدك محباً للهداية فهداك إليها، ويكون الضلال بمعنى المحبة، ومنه قول الشاعر :

عجباً لعزة في اختيار قطيعتي بعد الضلال فحبلها قد أخلقا
وقيل : وجدك ضالاً في شعاب مكة فهداك : أي ردّك إلى جدّك عبد المطلب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس : والليل إِذَا سجى قال : إذا أقبل. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عنه : إِذَا سجى قال : إذا ذهب مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ قال : ما تركك وَمَا قلى قال : ما أبغضك. وأخرج الطبراني في الأوسط، والبيهقي في الدلائل عنه أيضاً قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«عرض عليّ ما هو مفتوح لأمتي بعدي» فأنزل الله : وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأولى . وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي وأبو نعيم عنه أيضاً قال :«عرض على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو مفتوح على أمته من بعده فسرّ بذلك، فأنزل الله : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى فأعطاه في الجنة ألف قصر من لؤلؤ ترابه المسك في كل قصر ما ينبغي له من الأزواج والخدم». وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى قال : رضاه أن يدخل أمته كلهم الجنة. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في الآية قال : من رضا محمد أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار. وأخرج الخطيب في التلخيص من وجه آخر عنه أيضاً في الآية قال : لا يرضى محمد وأحد من أمته في النار، ويدلّ على هذا ما أخرجه مسلم عن ابن عمرو :«أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تلا قول الله في إبراهيم : فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنّى [ إبراهيم : ٣٦ ] وقول عيسى : إِن تُعَذّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ [ المائدة : ١١٨ ] الآية، فرفع يديه، وقال : اللَّهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله : يا جبريل اذهب إلى محمد فقل له : إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوؤك». وأخرج ابن المنذر وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية من طريق حرب بن شريح قال : قلت لأبي جعفر محمد بن عليّ بن الحسين أرأيت هذه الشفاعة التي يتحدّث بها أهل العراق أحقّ هي ؟ قال : إي والله.
حدّثني محمد بن الحنفية عن عليّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«أشفع لأمتي حتى يناديني ربي أرضيت يا محمد ؟ فأقول : نعم يا رب رضيت ثم أقبل علَيَّ فقال : إنكم تقولون يا معشر أهل العراق إن أرجى آية في كتاب الله يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً [ الزمر : ٥٣ ]. قلت : إنا لنقول ذلك، قال : فكنا أهل البيت نقول : إن أرجى آية في كتاب الله : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى وهي الشفاعة». وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إنا أهل البيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا» وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى . وأخرج العسكري في المواعظ وابن مردويه وابن النجار عن جابر بن عبد الله قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة وهي تطحن بالرّحى، وعليها كساء من جلد الإبل، فلما نظر إليها قال :«يا فاطمة تعجلي مرارة الدنيا بنعيم الآخرة» فأنزل الله : وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى . وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي، وأبو نعيم وابن عساكر عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«سألت ربي مسألة وددت أني لم أكن سألته، قلت : قد كانت قبلي أنبياء منهم من سخرت له الريح، ومنهم من كان يحيي الموتى، فقال تعالى : يا محمد ألم أجدك يتيماً فآويتك ؟ ألم أجدك ضالاً فهديتك ؟ ألم أجدك عائلاً فأغنيتك ؟ ألم أشرح لك صدرك ؟ ألم أضع عنك وزرك ؟ ألم أرفع لك ذكرك ؟ قلت بلى يا ربّ». وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : لما نزلت : والضحى على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يمن عليّ ربي وأهل أن يمنّ ربي» وأخرج ابن مردويه عنه في قوله : وَوَجَدَكَ ضّالاً فهدى قال : وجدك بين الضالين فاستنقذك من ضلالتهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن عليّ في قوله : وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبّكَ فَحَدّثْ قال : ما علمت من الخير. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في الآية قال : إذا أصبت خيراً فحدّث إخوانك. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند والبيهقي في الشعب، والخطيب في المتفق، قال السيوطي بسند ضعيف عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر :«من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدّث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة».
وأخرج أبو داود والترمذي وحسنه أبو يعلى وابن حبان والبيهقي والضياء عن جابر بن عبد الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال :«من أبلى بلاء فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره». وأخرج البخاري في الأدب وأبو داود والضياء عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من أعطي عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلَّى بما لم يعط فإنه كلابس ثوب زور». وأخرج أحمد والطبراني في الأوسط والبيهقي عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من أولي معروفاً فليكافئ به، فإن لم يستطع فليذكره، فإن من ذكره، فقد شكره».

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية