إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات استثناء متصل من الإنسان لإخراجهم من حكم الرد، فإنهم لا يرددون إلى النار، ولا يصيرون إلى أخبث الأحوال فلهم أي للمؤمنين الصالحين أجر غير ممنون أي غير مقطوع أو لا يمن به عليهم، الفاء للسببية، والجملة في مقام التعليل للاستثناء مقرر له، وقيل : معنى الآية خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، أي أعدل صورة، أو أقوم حالة، بحيث تيسر له كل ما أراد به وبتسخير له الحيوانات كلها والبر والبحر ؛ بل الجن والشياطين أيضا، ثم رددناه في بعض الأفراد، أي صيرناه بالهرم وأرذل العمر أسفل سافلين، والسافلون هم الضعفاء والزمناء والأطفال، فإن الشيخ الكبير إذا زال عقله وضعف بدنه وغلب عليه العوارض والأمراض يصير أضعف من الضعفاء فعلى هذا قوله تعالى : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات استثناء منقطع بمعنى لكن الاستدراك، ودفع توهم نشأ وهو أن المؤمنين أيضا بعد الهرم وسوء الكبر يكونون أسوء حالا من الضعفاء، ووجودهم في هذه الحالة وبال عليهم، فقال الله : لكن الذين آمنوا وعملوا الصالحات قبل الهرم في حالة القوة والشباب فأجورهم غير مقطوعة، لا يزال يكتب حسناتهم على حسب ما كانوا يعملون. قال الضحاك : أجرا بغير عمل. أخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في هذه الآية قال : هم نفر ردوا إلى أرذل العمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل حين أسفت عقولهم فأنزل الله عذرهم أن لهم أجرهم الذي عملوا قبل أن تذهب عقولهم. قال البغوي : قال عكرمة : لا يضر هذا الشيخ كبره إذا ختم الله له بأحسن ما كان يعمل، وروى عاصم الأحوال عن عكرمة عن ابن عباس قال : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات قال : إلا الذين قرؤوا القرآن لم يردوا إلى أرذل العمر. وقال جلال الدين المحلى رحمه الله : إذا بلغ المؤمن من الكبر بالعجز عن العمل كتب له ما كان يعمل. وروى عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إذا ابتلى المسلم ببلاء في جسده قال للملك : اكتب له صالح عمله الذي كان يعمل ). وعن عبد الله بن عمرو نحوه. رواهما البغوي في شرح السنة، وروى البخاري عن أبي موسى نحوه في المريض والمسافر. فإن قيل : مقتضى البلاغة تأكيد الكلام على قدر إنكار المخاطب، وكون الإنسان مخلوقا على أحسن صورة ثم رده بالهرم إلى ضعف أمر بديهي لا ينكره أحد فكيف أورد الكلام بالقسم ولام التأكيد وكلمة قد على هذا التأويل ؟ قلنا : لما كان تحول الأحوال على الإنسان دليلا واضحا على جواز الإعادة والجزاء والكفار كانوا ينكرون الإعادة والجزاء كأنهم أنكروا التحول ؛ لأنه من أنكر المدلول فكأنه أنكر الدليل الواضح لاستلزم أحدهما الآخر.
التفسير المظهري
المظهري