إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات هذا الاستثناء على القول الأوّل منقطع، أي لكن الذين آمنوا الخ، ووجهه أن الهرم والردّ إلى أرذل العمر يصاب به المؤمن كما يصاب به الكافر فلا يكون لاستثناء المؤمنين على وجه الاتصال معنى. وعلى القول الثاني يكون الاستثناء متصلاً من ضمير رددناه ، فإنه في معنى الجمع : أي رددنا الإنسان أسفل سافلين من النار إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات [ العصر : ٣ ] فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ أي غير مقطوع : أي فلهم ثواب دائم غير منقطع على طاعاتهم ؛ فهذه الجملة على القول الأوّل مبينة لكيفية حال المؤمنين، وعلى القول الثاني مقرّرة لما يفيده الاستثناء من خروج المؤمنين عن حكم الردّ، وقال : أسفل سافلين على الجمع، لأن الإنسان في معنى الجمع، ولو قال : أسفل سافل لجاز، لأن الإنسان باعتبار اللفظ واحد. وقيل : معنى «رددناه أسفل سافلين » : رددناه إلى الضلال، كما قال : إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات [ العصر : ٢، ٣ ] : أي إلاّ هؤلاء، فلا يردّون إلى ذلك.
وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال : من قرأ القرآن لم يردّ إلى أرذل العمر، وذلك قوله : ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين * إِلاَّ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات قال : لا يكون حتى لا يعلم من بعد علم شيئًا. وأخرج ابن أبي حاتم عنه ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين يقول : إلى الكبر وضعفه، فإذا كبر وضعف عن العمل كتب له مثل أجر ما كان يعمل في شبيبته. وأخرج أحمد والبخاري وغيرهما عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له من الأجر مثل ما كان يعمل صحيحاً مقيماً». وأخرج الترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً :«من قرأ والتين والزيتون فقرأ : أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين فليقل : بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين». وأخرج ابن مردويه عن جابر مرفوعاً :«إذا قرأت والتين والزيتون فقرأت : أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين فقل بلى». وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ : أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين قال : سبحانك اللَّهم فبلى ا هـ
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني