سورة آل عمران — الآية ٣٦
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الرزاق- قال: لَمّا وُلِد عيسى عليه السلام أتَت الشياطينُ إبليسَ، فقالوا: أصبحت الأصنامُ قد نُكِسَتْ رؤوسُها. فقال: هذا حَدَثٌ، مكانَكم. فطار حتى جابَ خافِقَيِ الأرض، فلم يَجِدْ شيئًا، ثم جاء البحار فلم يقدِرْ على شيء، ثم طار أيضًا، فوجد عيسى عليه السلام قد وُلِد عند مِذْوَدِ حمار، وإذا الملائكة قد حفَّتْ حولَه، فرجَع إليهم، فقال: إن نبيًّا قد وُلِد البارحة، ما حملت أنثى قطُّ ولا وضَعَتْ إلا وأنا بحضرتها، إلا هذا؛ فَأْيسُوا أن تُعبد الأصنام بعد هذه الليلة، ولكن ائتُوا بني آدم من قِبَلِ الخِفَّةِ والعَجَلة
قراءة الأثر في موضعه
سورة آل عمران — الآية ٤٧
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق ابن بنته إدريس بن سنان- قال: لَمّا استقرَّ حَمْلُ مريم، وبشَّرَها جبريلُ؛ وثِقَت بكرامة الله واطمَأنّتْ، فطابتْ نَفْسًا، واشْتَدَّ أزْرُها، وكان معها في الـمُحَرَّرِين ابنُ خالٍ لها يُقال له: يوسف. وكان يخدمها مِن وراء الحجاب، ويُكلِّمها، ويُناوِلُـها الشيءَ مِن وراء الحجاب، وكان أوَّل مَنِ اطَّلع على حملها هو، واهتمَّ لذلك، وأحزنه، وخاف مِن البَلِيَّة التي لا قِبلَ له بها، ولم يشعر مِن أين أُتِيَت مريم، وشغله عن النَّظَر في أمر نفسه وعمله؛ لأنَه كان رجلًا مُتَعَبِّدًا حكيمًا، وكان مِن قبلِ أن تَضْرِب مريمُ الحجابَ على نفسها تكون معه، ونشأ معها. وكانت مريمُ إذا نفِدَ ماؤها وماءُ يوسف أخذا قُلَّتَيْهِما، ثُمَّ انطَلَقا إلى المفازة التي فيها الماء، فيَمْلَآنِ قُلَّتَيْهِما، ثُمَّ يرجعان إلى الكنيسة، والملائكةُ مُقْبِلَةٌ على مريم بالبشارة: ﴿يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك﴾. فكان يَعْجَبُ يوسفُ مِمّا يسمعُ، فلَمّا استبان ليوسفَ حملُ مريم وقع في نفسه مِن أمرها، حتى كاد أن يَفْتَتِنَ، فلما أراد أن يَتَّهِمَها في نفسه ذَكَرَ ما طهَّرها اللهُ واصطفاها، وما وعد اللهُ أُمَّها أنّه مُعيذُها وذُرِّيَّتَها من الشيطان الرجيم، وما سمع من قول الملائكة: ﴿يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك﴾. فذكر الفضائل التي فضّلها الله تعالى بها، وقال: إنّ زكريا قد أحْرَزَها في المحراب فلا يدخلُ عليها أحدٌ، وليس للشَّيطان عليها سبيل، فمِن أين هذا؟ فلمّا رأى مِن تغيُّر لونها، وظهورِ بطنها؛ عظُم ذلك عليه، فعرَّض لها، فقال: يا مريم، هل يكون زرعٌ مِن غير بَذْرٍ؟ قالت: نعم. قال: وكيف ذلك؟ قالت: إنّ اللهَ خَلَقَ البَذْرَ الأوَّلَ مِن غير نبات، وأنبت الزَّرعَ الأوَّل مِن غير بذر، ولعلَّك تقول: لم يقدر أن يخلق الزَّرع الأول إلّا بالبَذْرِ؟! ولعلّك تقول: لولا أنّه استعان عليه بالبذر لغلبه حتى لا يقدر على أن يَخْلُقَه ولا يُنبِتَه؟! قال يوسف: أعوذُ بالله أن أقول ذلك، قد صدَقْتِ، وقُلْتِ بالنور والحكمة، كما قَدَر أن يخلق الزَّرع الأوَّل وينبته من غير بَذْرٍ يقدِر على أن يجعل زَرْعًا من غير بَذْر. فأخبريني: هل ينبتُ الشجرُ مِن غير ماءٍ ولا مطر؟ قالت: ألم تعلم أنّ للبَذْرِ والزَّرْعِ والماءِ والمطرِ والشَّجَرِ خالِقًا واحدًا؟ فلعلّك تقول: لولا الماء والمطر لم يقدر على أن ينبت الشجر؟! قال: أعوذُ بالله أن أقول ذلك، قد صدقتِ. فأخبريني: هل يكون ولَدٌ وحَبَلٌ من غير ذَكَر؟ قالت: نعم. قال: وكيف ذلك؟ قالت: ألم تعلمْ أنّ الله خلق آدم وحواء امرأتَه مِن غير حَبَلٍ ولا أُنثى ولا ذَكَر؟ قال: بلى، فأخبريني خَبَرَكِ. قالتْ: بشَّرني اللهُ ﴿بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم﴾ إلى قوله: ﴿ومن الصالحين﴾. فعلم يوسفُ أنّ ذلك أمْرٌ مِن الله بسبب خيرٍ أراده بمريم، فسَكَتَ عنها. فلم تَزَلْ على ذلك حتى ضَرَبَها الطَّلْقُ، فنُودِيَت: أنِ اخرُجي مِن المحراب. فخَرَجَتْ
قراءة الأثر في موضعه
سورة آل عمران — الآية ٤٩
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن مَعْقِل- قال: لَمّا صار عيسى ابنَ اثنتي عشرة سنة أوْحى اللهُ إلى أُمِّه وهي بأرض مصر -وكانت هربتْ مِن قومها حين ولدتْهُ إلى أرض مصر-: أنِ اطْلُعِي به إلى الشّام. ففعلتْ، فلم تزل بالشّام حتى كان ابنَ ثلاثين سنة، وكانت نُبُوَّتُه ثلاث سنين، ثم رفعه الله إليه. وزعم وهْب: أنّه رُبَّما اجتمع على عيسى مِن المرضى في الجماعة الواحدة خمسون ألفًا، مَن أطاق منهم أن يَبْلُغَه بلَغه، ومَن لم يُطِقْ ذلك منهم أتاه عيسى يمشى إليه، وإنّما كان يداويهم بالدُّعاء إلى الله تعالى
قراءة الأثر في موضعه
سورة آل عمران — الآية ٤٩
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق عبد المنعم، عن أبيه- قال: كان دعاء عيسى الذي يدعو به للمرضى والزَّمْنى والعُمْيان والمجانين وغيرهم: اللَّهُمَّ، أنت إلهُ مَن في السماء، وإلهُ مَن في الأرض، لا إله فيهما غيرك، وأنت جبّارُ مَن في السماء، وجبّارُ مَن في الأرض، لا جبّار فيهما غيرك، وأنت مَلِكُ مَن في السماء، ومَلِكُ مَن في الأرض، لا مَلِك فيهما غيرُك، قُدرتُك في الأرض كقدرتِك في السماء، وسلطانُك في الأرض كسلطانك في السماء، أسألك باسمك الكريم، ووجهك المنير، ومُلْكِك القديم، إنّك على كُلِّ شيء قدير. قال وهْب: هذا للفَزِعِ والمجنون، يُقرأُ عليه، ويُكتب له، ويُسقى ماءَه -إن شاء الله تعالى-
قراءة الأثر في موضعه
سورة آل عمران — الآية ٥٠
عن وهْب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن مَعْقل-: أنّ عيسى كان على شريعة موسى عليهما السلام، وكان يَسْبِتُ، ويستقبلُ بيت المقدس، وقال لبني إسرائيل: إنِّي لَمْ أدْعُكم إلى خلافِ حرفٍ مِمّا في التوراة إلا لِأُحِلَّ لكم بعض الذي حُرِّم عليكم، وأضعَ عنكم مِن الآصار
قراءة الأثر في موضعه
سورة آل عمران — الآية ٥٤
قال وهب بن مُنَبِّه: طرقوا عيسى في بعض الليل، فأسروه، ونصبوا خشبة ليصلبوه، فلمّا أرادوا صَلْبَه أظْلَمَتِ الأرضُ، وأرسل اللهُ الملائكة، فحالوا بينهم وبينه، فصلبوا مكانه رجلًا يقال له: يهوذا، وهو الذي دلَّهم عليه، وذلك أنّ عيسى جمع الحواريين تلك الليلة وأوصاهم، ثم قال: ليكفرنّ أحدكم قبل أن يصيح الديك، ويبيعني بدراهم يسيرة. فخرجوا وتفرّقوا، وكانت اليهود تطلبه، فأتى أحد الحواريين إلى اليهود، فقال لهم: ماتجعلون لي إن دللتكم على المسيح؟ فجعلوا له ثلاثين درهمًا، فأخذها، ودلّهم عليه، فألقى اللهُ عليه شَبَه عيسى لَمّا دخل البيت، فرُفع عيسى، وأُخذ الذي دلَّهم عليه، فقال: أنا الذي دللتكم عليه. فلم يلتفتوا إلى قوله، وقتلوه، وصلبوه، وهم يظنّون أنّه عيسى. فلمّا صُلِب شَبَه عيسى جاءت أُم عيسى وامرأة كان عيسى دعا لها فأبرأها من الجنون تبكيان عند المصلوب، فجاءهما عيسى، فقال لهما: علامَ تبكيان؟ فقالتا: عليك. فقال: إنّ الله قد رفعني، ولم يُصِبني إلّا خير، وإنّ هذا شيء شُبِّه لهم. فلمّا كان بعد سبعة أيّام قال الله عز وجل لعيسى: اهبط على مريم في المحراب -موضع لأمّه في خبائها-، فإنّها لم يبكِ عليك أحد بكاها، ولم يحزن عليك أحد حزنها، ثم لتجمع لك الحواريين فبُثَّهم في الأرض دعاة إلى اللّه تعالى، فأهبطه اللّه عليها، فاشتعل الجبل حين هبط نورًا، فجمعت له الحواريين فبُثَّهم في الأرض دعاة ثم رفعه إليه. وتلك الليلة هي الليلة التي يدخن فيها النّصارى، فلمّا أصبح الحواريُّون حدَّث كلُّ واحد منهم بِلُغَة مَن أرسله عيسى إليهم، فذلك قوله: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾
قراءة الأثر في موضعه