جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنّ وَالأذَىَ كَالّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخر فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاّ يَقْدِرُونَ عَلَىَ شَيْءٍ مّمّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾
يعني تعالى ذكره بذلك :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا﴾ صدّقوا الله ورسوله، ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ﴾، يقول : لا تبطلوا أجور صدقاتكم بالمنّ والأذى، كما أبطل كفر الذي ينفق ماله ﴿رِئَاءَ النّاسِ﴾، وهو مراءاته إياهم بعمله¹ وذلك أن ينفق ماله فيما يرى الناس في الظاهر أنه يريد الله تعالى ذكره فيحمدونه عليه وهو مريد به غير الله ولا طالب منه الثواب وإنما ينفقه كذلك ظاهرا ليحمده الناس عليه فيقولوا : هو سخيّ كريم، وهو رجل صالح، فيحسنوا عليه به الثناء وهم لا يعلمون ما هو مستبطن من النية في إنفاقه ما أنفق، فلا يدرون ما هو عليه من التكذيب بالله تعالى ذكره واليوم الاَخر.
وأما قوله :﴿وَلاَ يُوءْمِنُ بِاللّهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ﴾ فإن معناه : ولا يصدّق بوحدانية الله وربوبيته، ولا بأنه مبعوث بعد مماته فمجازي على عمله، فيجعل عمله لوجه الله وطلب ثوابه وما عنده في معاده. وهذه صفة المنافق¹ وإنما قلنا إنه منافق، لأن المظهر كفره والمعلن شركه معلوم أنه لا يكون بشيء من أعماله مرائيا، لأن المرائي هو الذي يرائي الناس بالعمل الذي هو في الظاهر لله وفي الباطن عامله مراده به حمد الناس عليه، والكافر لا يخيل على أحد أمره أن أفعاله كلها إنما هي للشيطان إذا كان معلنا كفره لا لله، ومن كان كذلك فغير كائن مرائيا بأعماله.
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال أبو هانىء الخولاني، عن عمرو بن حريث، قال : إن الرجل يغزو، لا يسرق ولا يزني، ولا يغلّ، لا يرجع بالكفاف ! فقيل له : لم ذاك ؟ قال : فإن الرجل ليخرج فإذا أصابه من بلاء الله الذي قد حكم عليه سبّ ولعن إمامه، ولعن ساعة غزا، وقال : لا أعود لغزوة معه أبدا ! فهذا عليه، وليس له مثل النفقة في سبيل الله يتبعها منّ وأذى، فقد ضرب الله مثلها في القرآن :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمَنّ والأذَى﴾ حتى ختم الآية.
( القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأصَابَهُ وَابِل فَتَرَكَهُ صَلْدا لاَ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا وَاللّه لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾.
يعني تعالى ذكره بذلك : فمثل هذا الذي ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله واليوم الاَخر. والهاء في قوله :﴿فَمَثَلُهُ﴾ عائدة على «الذي ». ﴿كمثَل صَفْوَانٍ﴾ والصفوان واحد وجمع، فمن جعله جمعا فالواحدة صفوانة بمنزلة تمرة وتمر ونخلة ونخل، ومن جعله واحدا جمعه صفوان وصِفِيّ وصُفِيّ، كما قال الشاعر :
***مَوَاقِعُ الطّيْرِ على الصّفِيّ ***
والصفوان هو الصفا، وهي الحجارة الملس. وقوله :﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ يعني على الصفوان تراب، ﴿فأصَابَهُ﴾ يعني أصاب الصفوان، ﴿وَابِلٌ﴾ : وهو المطر الشديد العظيم، كما قال امرؤ القيس :
| ساعَةً ثم انْتحاها وابلٌ | ساقِطُ الأكْنافِ واهٍ مُنْهَمِرْ |
وقوله :﴿فَتَرَكَهُ صَلْدا﴾ يقول : فترك الوابل الصفوان صلدا والصلد من الحجارة : الصلب الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره، وهو من الأرضين ما لا ينبت فيه شيء، وكذلك من الرءوس، كما قال رؤبة :
| لما رأتْنِي خَلَقَ المُمَوّهِ | بَرّاقَ أصْلادِ الجبين الأجلة |
| وَلَسْتُ بِجِلْبٍ جِلْبِ لَيْلٍ وقِرّةٍ | ولا بصفَا صَلْدٍ عن الخير مَعْزِلِ |
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالمَنّ والأذَى﴾ فقرأ حتى بلغ :﴿عَلَى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ فهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة يقول : لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذٍ، كما ترك هذا المطر الصفاةَ الحجرَ ليس عليه شيء أنقى ما كان.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع :﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمَنّ﴾ إلى قوله :﴿وَاللّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ هذا مثل ضربه الله لأعمال الكافرين يوم القيامة، يقول : لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذٍ، كما ترك هذا المطر الصفا نقيا لا شيء عليه.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمَنّ وَالأذَى﴾ إلى قوله :﴿عَلَى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ أما الصفوان الذي عليه تراب فأصابه المطر، فذهب ترابه فتركه صلدا، فكذا هذا الذي ينفق ماله رياء الناس ذهب الرياء بنفقته، كما ذهب هذا المطر بتراب هذا الصفا فتركه نقيا، فكذلك تركه الرياء لا يقدر على شيء مما قدم¹ فقال للمؤمنين :﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمنّ والأذَى﴾ فتبطل كما بطلت صدقة الرياء.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال : أن لا ينفق الرجل ماله، خير من أن ينفقه ثم يتبعه منّا وأذى. فضرب الله مثله كمثل كافر أنفق ماله لا يؤمن بالله ولا باليوم الاَخر، فضرب الله مثلهما جميعا ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدا﴾ فكذلك من أنفق ماله ثم أتبعه منّا وأذى.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمَنّ والأذَى﴾ إلى :﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فأصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدا﴾ ليس عليه شيء، وكذلك المنافق يوم القيامة لا يقدر على شيء مما كسب.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج في قوله :﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمَنّ والأذَى﴾ قال : يمنّ بصدقته ويؤذيه فيها حتى يبطلها.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله :﴿ثُمّ لاَ يُتْبِعُون ما أنْفَقُوا مَنّا وَلا أذًى﴾ فقرأ :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمَنّ والأذَى﴾ حتى بلغ :﴿لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ ثم قال : أترى الوابل يدع من التراب على الصفوان شيئا ؟ فكذلك منّك وأذاك لم يدع مما أنفقت شيئا. وقرأ قوله :﴿يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بالمَنّ وَالأذَى﴾ وقرأ :﴿وَمَا أنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾. فقرأ حتى بلغ :﴿وأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿صَفْوَانٍ﴾ قد بينا معنى الصفوان بما فيه الكفاية، غير أنا أردنا ذكر من قال مثل قولنا في ذلك من أهل التأويل.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله :﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ كمثل الصفاة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك :﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ﴾ والصفوان : الصفا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : أما صفوان، فهو الحجر الذي يسمى الصفاة.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، مثله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله :﴿صفوان﴾ يعني الحجر.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فأصَابَهُ وَابِلٌ﴾.
قد مضى البيان عنه، وهذا ذكر من قال قولنا فيه :
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : أما وابل : فمطر شديد.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك :﴿فأصَابَهُ وَابِلٌ﴾ والوابل : المطر الشديد.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، مثله.
حدثت عن عمار، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿فَتَرَكَهُ صَلْدا﴾.
ذكر من قال نحو ما قلنا في ذلك :
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي :﴿فَتَرَكَهُ صَلْدا﴾ يقول نقيا.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس :﴿فَتَرَكَهُ صَلْدا﴾ قال : تركها نقية ليس عليها شيء.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، قال : قال ابن جريج، قال ابن عباس قوله :﴿فَتَرَكَهُ صَلْدا﴾ قال : ليس عليه شيء.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك :﴿صَلْدا﴾ فتركه جردا.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة :{ فَتَرَكَهُ ص
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
* * *
وأما قوله: (غنيّ حليم) فإنه يعني:"والله غني" عما يتصدقون به = (حليم)، حين لا يعجل بالعقوبة على من يَمنُّ بصدقته منكم، ويؤذي فيها من يتصدق بها عليه. (١).
وروي عن ابن عباس في ذلك، ما: -
٦٠٣٨ - حدثنا به المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (الغني)، الذي كمل في غناه، و (الحليم)، الذي قد كمل في حلمه.
* * *
القول في تأويل قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: (يا أيها الذين آمنوا)، صدّقوا الله ورسوله = (لا تبطلوا صدقاتكم)، يقول: لا تبطلوا أجورَ صدَقاتكم بالمنّ والأذى، كما أبطل كفر الذي ينفق ماله = (رئاء الناس)، وهو مراءاته إياهم بعمله، وذلك أن ينفق ماله فيما يرى الناسُ في الظاهر أنه يريد الله تعالى ذكره فيحمدونه عليه، وهو غيرُ مريدٍ به الله ولا طالب منه الثواب، (٢). وإنما ينفقه كذلك ظاهرًا
(٢) في المخطوطة والمطبوعة: "وهو مريد به غير الله"، وهو سهو من الناسخ، والسياق يقتضي أن تقدم"غير"، وهو نص المعنى.
* * *
وأما قوله: (ولا يؤمن بالله واليوم الآخر)، فإن معناه: ولا يصدق بوحدانية الله ورُبوبيته، ولا بأنه مبعوث بعد مماته فمجازي على عمله، فيجعل عمله لوجه الله وطلب ثوابه وما عنده في معاده. وهذه صفة المنافق; وإنما قلنا إنه منافق، لأن المظهرَ كفرَه والمعلنَ شركه، معلوم أنه لا يكون بشيء من أعماله مرائيًا. لأن المرائي هو الذي يرائي الناس بالعمل الذي هو في الظاهر لله، وفي الباطن مريبة سريرةُ عامله، مرادٌه به حمد الناس عليه. (١). والكافر لا يُخِيلُ على أحدٍ أمرُه أن أفعاله كلها إنما هي للشيطان (٢) - إذا كان معلنًا كفرَه - لا لله. ومن كان كذلك، فغير كائن مرائيًا بأعماله.
* * *
وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٦٠٣٩ - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال أبو هانئ الخولاني، عن عمرو بن حريث، قال: إن الرجل يغزو، لا يسرق ولا يزني ولا يَغُلّ، لا يرجع بالكفاف! فقيل له: لم ذاك؟ قال: إن الرجل ليخرج، (٣). فإذا أصابه من
(٢) أخال عليه الأمر يخيل: أشكل عليه واستبهم. وسياق الجملة بعد ذلك: "إنما هي للشيطان لا لله".
(٣) في المطبوعة: "قال: فإن الرجل"، وفي المخطوطة: "فإن إن الرجل" تصحيف والصواب ما أثبت.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: فمثل هذا الذي ينفق ماله رئاء الناس، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر = و"الهاء" في قوله: (فمثله) عائدة على"الذي" = (كمثل صفوان)، و"الصفوان" واحدٌ وجمعٌ، فمن جعله جمعًا فالواحدة"صفوانة"، (٢). بمنزلة"تمرة وتمر" و"نخلة ونخل". ومن جعله واحدًا، جمعه"صِفْوان، وصُفِيّ، وصِفِيّ"، (٣). كما قال الشاعر: (٤).
* مَوَاقعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ * (٥)
(٢) في المطبوعة: "واحد وجمع، فمن جعله جمعا"، وأثبت ما في المخطوطة.
(٣) انظر ما سلف في تفسير"الصفا" ٣: ٢٢٤، ٢٢٥، وقوله: جمعه صفوان" يعنى: بكسر الصاد وسكون الفاء، وهو قول الكسائي، وقد تعقبوه وخطئوه في شاذ مذهبه. انظر القرطبي ٣: ٣١٣، وتفسير أبي حيان ٢: ٣٠٢، ومن أجل ذلك أسقطه أصحاب اللغة من كتبهم.
(٤) هو الأخيل الطائي.
(٥) سلف شرح هذا البيت وتخريجه ٣: ٢٢٤، وسقط ذكر هذا الموضع في التخريج السالف فأثبته هناك.
* * *
وقوله: (عليه تراب)، يعني: على الصفوان ترابٌ = (فأصابه) يعني: أصاب الصفوان = (وابل)، وهو المطر الشديد العظيم، كما قال أمرؤ القيس:
| سَاعَةً ثُمَّ انْتَحَاهَا وَابِلٌ | سَاقِطُ الأكْنَافِ وَاهٍ مُنْهَمِرُ (١) |
* * *
وقوله: (فتركه صلدًا) يقول: فترك الوابلُ الصفوانَ صَلدًا.
و"الصلد" من الحجارة: الصلب الذي لا شيء عليه من نبات ولا غيره، وهو من الأرَضين ما لا ينبت فيه شيء، وكذلك من الرؤوس، (٢). كما قال رؤبة:
| لَمَّا رَأَتْنِي خَلَقَ المُمَوَّهِ | بَرَّاقَ أَصْلادِ الجَبِينِ الأجْلَهِ (٣) |
| دِيَمةٌ هَطْلاَءُ فِيهَا وَطَفٌ | طَبَقَ الأَرْضِ تَحَرَّي، وَتَدِرّْ |
(٢) هذا البيان عن معاني"صلد"، لا تصيبه في كثير من كتب اللغة.
(٣) ديوانه: ١٦٥ من قصيدة مضى الاستشهاد بأبيات منها في ١: ١٢٣، ٣٠٩، ٣١٠ /٢: ٢٢٢، والضمير في"رأتني" إلى صحابته التي ذكرها في أول الشعر و"خلق": بال. و"المموه" يقال:: وجه مموه" أي مزين بماء الشباب، ترقرق شبابه وحسنه. وقوله"خلق المموه"، بحذف"الوجه" الموصوف بذلك. يقول: قد بلي شبابي وأخلق. "أصلاد الجبين"، يعني أن جبينه قد زال شعره، فهو يبرق كأنه صفاة ملساء لا نبات عليها. و"الأجلة". الأنزع الذي انحسر شعره عن جانبي جبهته ومقدم جبينه، وذلك كله بعد أن كان كما وصف نفسه: * بَعْدَ غُدَانِيِّ الشَّبَابِ الأَبْلَهِ *
فاستنكرته صاحبته، بعد ما كان بينه وبينها في شبابه ما كان، وليت شعري ماذا كان يبغي رؤبة منها، وقد صار إلى المصير الذي وصف نفسه! !.
| وَلَسْتُ بِجِلْبٍ جِلْبِ رَعْدٍ وَقِرَّةٍ | وَلا بِصَفًا صَلْدٍ عَنِ الخَيْرِ أعْزَلِ (١) |
ثم رجع تعالى ذكره إلى ذكر المنافقين الذين ضرب المثلَ لأعمالهم، فقال: فكذلك أعمالهم بمنزلة الصَّفوان الذي كان عليه تراب، (٢). فأصابه الوابلُ من المطر، فذهب بما عليه من التراب، فتركه نقيًّا لا تراب عليه ولا شيء = يراهُم المسلمون في الظاهر أنّ لهم أعمالا - كما يُرى التراب على هذا الصفوان - بما يراؤونهم به، فإذا كان يوم القيامة وصاروا إلى الله، اضمحلّ ذلك كله، لأنه لم يكن لله،
| وَلَسْتُ بِجِلْبٍ جِلْبِ رِيحٍ وَقِرَّةٍ | وَلاَ بِصَفًا صَلْدٍ عَنِ الخَيْرِ مَعْزِلِ |
الجلب (بكسر الجيم أو ضمها وسكون اللام) : هو السحاب المعترض تراه كأنه جبل، ويقال أيضًا: هو السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه. ورواية الطبري في المخطوطة تقتضي المعنى الأول: والقرة (بكسر القاف) والقر (بضمها) : البرد الشديد، يقول: لست امرءًا خاليا من الخير، بل مطيفًا بالأذى، كهذا السحاب المخيل المتراكم، مخيف برعده، ويلدغ ببرده، ولا غيث معه. أما رواية اللسان وغيره، فشرحها على معنى السحاب الرقيق جيد. وقوله: "أعزل" من"عزل الشيء يعزله" إذا نحاه جانبًا وأبعده، كما سموا الزمل المنقطع المنفرد المنعزل"أعزل"، فهو من صميم مادة اللغة، وإن لم يأتوا عليه في كتب اللغة بشاهد. وهذا شاهده بلا شك. أما قوله في الرواية الأخرى"معزل" فهو بمعنى ذلك أيضًا: معتزل عن الخير، أو معزول عنه. وهو مصدر ميمي من ذلك، جاء صفة، كما قالوا: "رجل عدل"، وكما قالوا"فلان شاهد مقنع" أي رضا يقنع به، مصدر ميمي من"قنع"، وهذا بيان لا تجده في كتب اللغة فقيده واحفظه.
(٢) في المخطوطة: "عليه ثواب"، وهو تصحيف غث، ولكنه دليل على شدة إهمال الناسخ وعجلته.
= فذلك قوله: (لا يقدرون)، يعني به: الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس، ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، يقول: لا يقدرون يوم القيامة على ثواب شيء مما كسبوا في الدنيا، لأنهم لم يعملوا لمعادهم، ولا لطلب ما عند الله في الآخرة، ولكنهم عملوه رئاء الناس وطلبَ حمدهم. وإنما حظهم من أعمالهم، ما أرادوه وطلبوه بها.
* * *
ثم أخبر تعالى ذكره أنه (لا يهدي القوم الكافرين)، يقول: لا يسدّدهم لإصابة الحق في نفقاتهم وغيرها، فيوفقهم لها، وهم للباطل عليها مؤثرون، ولكنه يتركهم في ضلالتهم يعمهون (١).
فقال تعالى ذكره للمؤمنين: لا تكونوا كالمنافقين الذين هذا المثل صفةُ أعمالهم، فتبطلوا أجور صدقاتكم بمنِّكم على من تصدقتم بها عليه وأذاكم لهم، كما أبطل أجر نفقة المنافق الذي أنفق ماله رئاء الناس، وهو غير مؤمن بالله واليوم الآخر، عند الله. (٢).
* * *
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٦٠٤٠ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) فقرأ حتى بلغ: (على شيء مما كسبوا)، فهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة يقول: لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ، كما ترك هذا المطر الصفاةَ الحجرَ ليس
(٢) في المخطوطة: "واليوم عند الله" سقط منه "الآخر"، وهو دليل على ما أسلفت من عجلته.
٦٠٤١ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن) إلى قوله: (والله لا يهدي القوم الكافرين)، هذا مثل ضربه الله لأعمال الكافرين يوم القيامة، يقول: لا يقدرون على شيء مما كسبوا يومئذ، كما ترك هذا المطر الصفا نقيًّا لا شيء عليه.
٦٠٤٢ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) إلى قوله: (على شيء مما كسبوا) أما الصفوان الذي عليه تراب، فأصابه المطر فذهب ترابه فتركه صلدًا. فكذلك هذا الذي ينفق ماله رياء الناس، (٢). ذهب الرياءُ بنفقته، كما ذهب هذا المطر بتراب هذا الصفا فتركه نقيًّا، فكذلك تركه الرياء لا يقدر على شيء مما قدم. فقال للمؤمنين: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمنّ والأذى) فتبطل كما بطلت صَدقة الرياء.
٦٠٤٣ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك، قال: أن لا ينفق الرجل ماله، خير من أن ينفقه ثم يتبعه منًّا وأذى. فضرب الله مثله كمثل كافر أنفق ماله لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فضرب الله مثلهما جميعًا: (كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدًا) فكذلك من أنفق ماله ثم أتبعه منًّا وأذى.
٦٠٤٤ - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) إلى (كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدًا) ليس عليه شيء، وكذلك المنافق يوم القيامة لا يقدر على شيء مما كسب.
٦٠٤٥ - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، قال:
أي: أنقى ما كان عليه من النقاء.
(٢) في المطبوعة: "فكذا هذا الذي ينفق"، لا أدرى لم غير ما في المخطوطة.
٦٠٤٦ - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: (ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى)، فقرأ: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى) حتى بلغ: (لا يقدرون على شيء مما كسبوا) ثم قال: أترى الوابل يدع من التراب على الصفوان شيئًا؟ فكذلك منُّك وأذاك لم يدع مما أنفقت شيئًا. وقرأ قوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى)، وقرأ: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ)، فقرأ حتى بلغ: (وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ). [البقرة: ٢٧٠-٢٧٢]. (١).
* * *
القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿صَفْوَانٍ﴾
قد بينا معنى"الصفوان" بما فيه الكفاية، (٢). غير أنا أردنا ذكر من قال مثل قولنا في ذلك من أهل التأويل.
٦٠٤٧ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (كمثل صفوان) كمثل الصفاة.
٦٠٤٨ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: (كمثل صفوان) والصفوان: الصفا.
٦٠٤٩ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
(٢) انظر ما سلف قريبًا ص: ٥٢٣، ٥٢٤ والمراجع في التعليق عليه.
٦٠٥١ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، مثله.
٦٠٥٢ - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس قوله: (صفوان) يعني الحجر.
* * *
القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾
قد مضى البيان عنه. (١). وهذا ذكر من قال قولنا فيه:
٦٠٥٣ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: أما وابل: فمطر شديد.
٦٠٥٤ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: (فأصابه وابل) والوابل: المطر الشديد.
٦٠٥٥ - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة، مثله.
٦٠٥٦ - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
* * *
القول في تأويل قوله عز وجل: ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾
* ذكر من قال نحو ما قلنا في ذلك:
٦٠٥٧ - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن
٦٠٥٨ - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: (فتركه صلدًا) قال: تركها نقية ليس عليها شيء.
٦٠٥٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، قال: قال ابن جريج، قال ابن عباس قوله: (فتركه صلدًا) قال: ليس عليه شيء.
٦٠٦٠ - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق، قال حدثنا، أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك: (صلدًا) فتركه جردًا.
٦٠٦١ - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال: خبرنا معمر، عن قتادة: (، فتركه صلدًا) ليس عليه شيء.
٦٠٦٢ - حدثني المثنى قال: حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: (فتركه صلدًا) ليس عليه شيء.
* * *