عن عبد الله بن عمر -من طريق عبد الله بن دينار، وصدقة بن يسار- قال: هذه السورة نزلت على النبيِّ ﷺ أوسط أيام التشريق بمِنى وهو في حجّة الوداع: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ﴾ حتى ختمها، فعرف رسول الله ﷺ أنه الوداع
ذكر ابنُ عطية (٨/٦٣٩) احتمالين في معنى الآية: الأول: «أن يريد الدارين؛ الدنيا والآخرة. وهذا تأويل ابن إسحاق وغيره». والثاني: «أن يريد حالَيْه في الدنيا؛ قبل نزول السورة وبعدها». ثم وجَّهه بقوله: «فوعده الله تعالى -على هذا التأويل- بالنصر والظهور»
عن همام، عن كعب [الأحبار]، قال: إنّا نجد أنّ الله تعالى يقول: أنا الله لا إله إلا أنا، خالق الخلق، أنا الملك العظيم، ديّان الدين، ورب الملوك، قلوبهم بيدي، فلا تَشاغلوا بذكرهم عن ذكري ودعائي، والتوبة إلَيَّ، حتى أعطفهم عليكم بالرحمة، فأجعلهم رحمة، وإلا جعلتهم نقمة. ثم قال: ارجعوا رحمكم الله تعالى، وموتوا من قريب، فإن الله يقول: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾. قال: ثم قال: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله﴾ [الحديد:١٦]. قال كعب: فهل ترون الله تعالى يعاتب إلا المؤمنين
اختُلِف في معنى: ﴿زُبُرًا﴾ في هذه الآية على ثلاثة أقوال بناءً على اختلافهم في قراءتها؛ فمن قرأها: ﴿زُبُرًا﴾ بضم الزاي والباء اختلفوا على معنيين: الأول: فتَفَرَّقوا دينهم بينهم كتبًا، فدان كلُّ فريق منهم بكتاب غير الكتاب الذي دان به الفريق الآخر. الثاني: فتَفَرَّقوا دينهم بينهم كُتُبًا أحدثوها، يَحْتَجُّون فيها لمذاهبهم. ومَن قرأها: (زُبَرًا) بضم الزاي وفتح الباء، ذهبوا إلى أن المعنى: فتفرقوا بينهم قطعًا كزُبَرِ الحديد. ورجَّح ابنُ جرير (١٧/٦٣) مستندًا إلى الإجماع قراءة: ﴿زُبُرًا﴾ بضم الزاي والباء، وأنّ المراد بالزُّبُر: الكتب، وأن المعنى: «فَتَفَرَّق الذين أمرهم الله بلزوم دينه من الأمم دينَهم بينَهم كُتُبًا»
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾، قال: اللَّغْوُ في هذا: الحلف بالله ما كان بالألسن، فجعله لغوًا، وهو أن يقول: هو كافر بالله، وهو إذًا يشرك بالله، وهو يدعو مع الله إلهًا. فهذا اللغو الذي قال الله في سورة البقرة
عن سعيد بن جبير، ﴿لا یُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إلّا وُسۡعَهاۚ لَها ما كَسَبَتۡ وعَلَیۡها ما ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنا لا تُؤاخِذۡناۤ إن نَّسِیناۤ أوۡ أخۡطَأۡناۚ﴾ قال: يقول: قد فعلتُ، ﴿رَبَّنا ولا تَحۡمِلۡ عَلَیۡناۤ إصۡرࣰا كَما حَمَلۡتَهُۥ عَلى ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِناۚ﴾ قال: ويقول: قد فعلتُ. فأُعْطِيَت هذه الأمةُ خواتيمَ سورة البقرة، ولم تُعْطَها الأممُ قبلها
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة﴾ الآية، قال: كان هذا بدءَ عُقُوبةِ الزِّنا، كانتِ المرأةُ تُحبَس، ويُؤْذَيان جميعًا، ويُعَيَّرانِ بالقول وبالسَّبِّ. ثُمَّ إنّ الله أنزل بعد ذلك في سورة النور جعل الله لهن سبيلًا، فصارتِ السُّنَّةُ فيمن أُحصن الرَّجمُ بالحجارة، وفيمن لم يُحْصَن جلد مائة ونَفْي سنة
عن عطاء الخراساني -من طريق ابنه عثمان- قال: ﴿لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ الآيتين إلى قوله: ﴿يترددون﴾: فنُسِخَت في سورة النور: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله﴾ إلى ﴿إن الله غفور رحيم﴾ [النور:٦٢]، فجُعِل رسول الله ﷺ بأعلى النَّظَرَيْن؛ مَن غزا غزا في فضيلةٍ، ومَن قعَد قعَد في غير حَرَجٍ
قال قتادة بن دعامة، في قوله: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾: كان أُنزِل في سورة بني إسرائيل: ﴿وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ [الإسراء:٢٣]، ثم أنزل في هذه الآية: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا﴾ الآية، فلا ينبغي للمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مُشْرِكَيْن، ولا أن يقول: ربِّ، ارحمهما
عن عبد الله بن عمرو: أنّ امرأةً سرقت على عهد رسول الله ﷺ، فقُطِعتْ يدها اليمنى، فقالت: هل لي من توبة، يا رسول الله؟ قال: «نعم، أنتِ اليومَ من خطيئتِك كيومِ ولَدتْكِ أمُّكِ». فأنزَل الله في سورة المائدة: ﴿فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم﴾