نقل ابنُ عطية (٤/٦١٩) عن أبي عبيدة أنّ قول لوط عليه السلام: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكُمْ﴾: إنّما كان مُدافَعةً، ولم يُرِد إمضاءه، ثم انتقده مستندًا إلى الدلالة العقلية، فقال: «وهو ضعيف، وهذا كما يُقال لِمَن ينهى عن مال الغير: الخنزير أحلُّ لك مِن هذا. وهذا التَّنَطُّع ليس مِن كلام الأنبياء -صلى الله عليهم وسلم-»
عن أبي الأحوص [عوف بن مالك بن نضلة الجشمي]، عن أبيه، قال: أتيتُ رسول الله - ﷺ - في خُلقانٍ مِن الثياب، فقال لي: «هل لك مِن مالٍ؟». قلتُ: نعم. قال: «مِن أيِّ المال؟». قلتُ: مِن كلِّ المال؛ مِن الإبلِ، والغنمِ، والخيلِ، والرقيقِ. قال: «فإذا آتاك اللهُ مالًا فليُرَ عليك». ثم قال: «تُنتَجُ إبلك وافيةً آذانُها؟». قلتُ: نعم، وهل تُنتَجُ الإبلُ إلا كذلك. قال: «فلعلك تأخُذُ موسى، فتقطَعَ آذانَ طائفةٍ منها، وتقول: هذه بُحُرٌ. وتشُقَّ آذانَ طائفةِ منها، وتقول: هذه صُرُمٌ؟». قلتُ: نعم. قال: «فلا تفعل، إنّ كلَّ ما آتاك اللهُ لك حِلٌّ». ثم قال: ﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام﴾، قال أبو الأحوص: أمّا البحيرةُ: فهي التي يَجدَعون آذانَها، فلا تنتفِعُ امرأتُه ولا بناتُه ولا أحدٌ من أهل بيتِه بصوفِها، ولا أوبارِها، ولا أشعارِها، ولا ألبانِها، فإذا ماتت اشترَكوا فيها. وأَمّا السائبةُ: فهي التي يُسيِّبون لآلهتِهم. وأَما الوصيلةُ: فالشاةُ تَلِدُ ستةَ أبطُن، وتَلِد السابعَ جَدْيًا، وعَناقًا، فيقولون: قد وصَلَت. فلا يَذبحونها، ولا تُضرَبُ، ولا تُمنَعُ مهما ورَدَت على حوض، وإذا ماتت كانوا فيها سواءً. والحامِ مِن الإبلِ: إذا أدرَك له عشرةٌ مِن صُلبه، كلُّها تضرب، حُمِيَ ظَهرُه، فسُمِّي: الحام، فلا يُنتفَعُ له بوَبَرٍ، ولا يُنحَرُ، ولا يُركَبُ له ظهر، فإذا مات كانوا فيه سواءً
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾، وذلك أنّ كفارَ مكة أخذوا عمارًا وبلالًا وخَبّابًا وصُهَيْبًا، فعذبوهم لإسلامهم، حتى يشتموا النبي ﷺ، فأمّا صُهَيْب بن سِنان مَوْلى عبد الله بن جَدْعان القُرَشِيّ -وكان شخصًا ضعيفًا- فقال لأهل مكة: لا تُعَذِّبوني، هل لكم إلى خير؟ قالوا: وما هو؟ قال: أنا شيخ كبير، لا يَضُرُّكم إن كنت معكم أو مع غيركم، لَئِن كنتُ معكم لا أنفعكم، ولَئِن كنتُ مع غيركم لا أضُرُّكم، وإنّ لي عليكم لَحَقًّا لِخدمتي وجواري إيّاكم، فقد علمتُ أنّكم إنَّما تريدون مالي، وما تريدون نفسي، فخذوا مالي، واتركوني وديني، غَيْرَ راحلةٍ، فإنْ أردتُ أن ألحق بالمدينة فلا تمنعوني. فقال بعضهم لبعض: صَدَقَ، خذوا ماله؛ فتَعاوَنُوا به على عدوِّكم. ففعلوا ذلك، فاشترى نفسه بماله كله غَيْرَ راحلة، واشترط ألا يُمْنَع عن صلاة ولا هجرة، فأقام بين أظهرهم ما شاء الله، ثُمَّ ركب راحلته نهارًا حَتّى أتى المدينة مهاجرًا، فلقيه أبو بكر الصديق، فقال: رَبِح البيعُ، يا صُهَيْب. فقال: وبيعك لا يخسر. فقال أبو بكر: قد أنزل الله فيك: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ واللَّهُ رَؤُفٌ بِالعِبادِ﴾. يعني: للفعل؛ فعل الروميِّ صُهَيْب بن سنان، مولى عبد الله بن جدعان...
عن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار -من طريق الزهري-: أنّ السُّنَّة في هاتين الآيتيناللتين ذكر الله فيهما نشوزَ المرء، وإعراضَه عن امرأته، في قوله: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا﴾ إلى تمام الآيتين؛ أنّ المرء إذا نَشَز عن امرأته، وآثر عليها، فإنّ من الحق أن يعرض عليها أن يطلقها، أو تستقر عنده على ما كانت مِن أثَرَةٍ في القسم مِن ماله ونفسه، فإن استقرت عنده على ذلك، وكرهت أن يطلقها، فلا حرج عليه فيما آثر عليها من ذلك، فإن لم يعرض عليها الطلاق، وصالحها على أن يعطيها من ماله ما ترضاه وتَقَرَّ عنده على الأَثَرَةِ في القسم من ماله ونفسه صلح له ذلك، وجاز صلحها عليه. كذلك ذكر سعيد بن المسيب وسليمان الصلح الذي قال الله - عز وجل -: ﴿فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير﴾، وقد ذكر لي: أنّ رافع بن خديج الأنصاري -وكان من أصحاب النبي - ﷺ --كانت عنده امرأة، حتى إذا كبرت تزوَّج عليها فتاة شابة، وآثر عليها الشابة، فناشدته الطلاق، فطلقها تطليقة، ثم أمهلها، حتى إذا كادت تحل راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها، فناشدته الطلاق، فطلقها تطليقة أخرى، ثم أمهلها، حتى إذا كادت تحل راجعها، ثم عاد فآثر الشابة عليها، فناشدته الطلاق، فقال لها: ما شئت، إنما بقيت لك تطليقة واحدة، فإن شئت استقررت على ما ترين مِن الأَثَرَة، وإن شئت فارقتك. فقالت: لا، بل أسْتَقِرُّ على الأَثَرَة. فأمسكها على ذلك، فكان ذلك صلحهما، ولم ير رافع عليه إثمًا حين رضيت أن تستقر عنده على الأَثَرَة فيما أثر به عليها
اختُلِف في المال الذي أُمِرَ أن يُعْطى منه الذي ذهبت زوجته إلى المشركين، على ثلاثة أقوال: الأول: يُعطى مِن صداق مَن أسلمن منهنّ عن زوج كافر. وهو قول الزُّهريّ. والثاني: يُعطى من أموال غنائمهم لاستحقاقها عليهم. وهو قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. والثالث: يُعطى مِن أي وجوه الفيء أمكن. وهو قول ثانٍ للزهري ذكره ابن عطية (٨/٢٨٥). وعلَّقَ ابن عطية (٨/٢٨٥) على القول الأول بقوله: «هذا قول صحيح، يقتضيه قوله تعالى: ﴿فعاقبتم﴾». وعلَّقَ على القول الثاني بقوله (٨/٢٨٥): «قال هؤلاء: المعاقبة: هي الغزو والمغنم. وتأوَّلوا اللفظة بهذا المعنى». وذهَبَ ابنُ جرير (٢٢/٥٩٣) إلى جواز كلِّ تلك الأقوال استنادًا إلى العموم، فقال: «أولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يُقال: أمر الله عز وجل في هذه الآية المؤمنين أن يُعْطُوا مَن فرَّت زوجته من المؤمنين إلى أهل الكفر -إذا هم كانت لهم على أهل الكفر عقبى: إما بغنيمة يصيبونها منهم، أو بلحاق نساء بعضهم بهم- مثلَ الذي أنفقوا على الفارَّة منهم إليهم، ولم يَخْصُص إيتاءهم ذلك مِن مالٍ دون مالٍ، فعليهم أن يُعطوهم ذلك مِن كلِّ الأموال التي ذكرناها». وعَلق ابنُ كثير (١٣/٥٢٥) على القولين الأول والثاني، فقال: «هذا لا ينافي الأول؛ لأنه إنْ أمكن الأول فهو أولى، وإلا فمن الغنائم اللاتي تؤخذ من أيدي الكفار، وهذا أوسع وهو اختيار ابن جرير»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورسولهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهُمْ راكِعُونَ﴾، وذلك أنّ عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبي ﷺ عند صلاة الأولى: إنّ اليهود أظهروا لنا العداوة من أجل الإسلام، ولا يكلموننا، ولا يخالطوننا في شيء، ومنازلنا فيهم، ولا نجد مُتَحَدّثًا دون هذا المسجد. فنزلت هذه الآية، فقرأها النبي ﷺ، فقالوا: قد رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء. وجعل الناس يصلون تطوُّعًا بعد المكتوبة، وذلك في صلاة الأولى، وخرج النبي ﷺ إلى باب المسجد، فإذا هو بمسكين قد خرج من المسجد وهو يحمد الله عز وجل، فدعاه النبي ﷺ، فقال: «هل أعطاك أحد شيئًا؟». قال: نعم، يا نبي الله. قال: «مَن أعطاك؟». قال: الرجل القائم أعطاني خاتمه. يعني: علي بن أبي طالب -رضوان الله عليه-. فقال النبي ﷺ: «على أيِّ حال أعطاكه؟». قال: أعطاني وهو راكع. فكبَّر النبي ﷺ، وقال: «الحمد لله الذي خصَّ عليًّا بهذه الكرامة». فأنزل الله عز وجل: ﴿والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾
عن ابن عمر، قال: كُنّا عند رسول الله ﷺ، فأتاه رجل جَيِّد الثياب، طَيِّب الريح، حسن الوجه، فقال: السلام عليك يا رسول الله. فقال: «وعليك السلام». قال: أدنو منك؟ قال: «نعم». فدنا حتى ألْزَق رُكْبَته برُكْبَة رسول الله ﷺ، وقال: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قال: «تُقِيم الصلاة، وتُؤْتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، وتغتسل من الجنابة». قال: صدقت. فقلنا: ما رأينا كاليوم قطُّ رجلًا -والله- لَكَأَنَّه يُعَلِّم رسول الله ﷺ
عن مقاتل بن سليمان، قال: أقسم الله: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾، يعني: الصراط، وذلك أنّ جسر جهنم عليه سبع قناطر، على كلّ قنطرة ملائكة قيام، وجوههم مثل الجمر، وأعينهم مثل البَرق، يسألون الناس في أول قنطرة عن الإيمان، وفي الثانية يسألونهم عن الصلوات الخمس، وفي الثالثة يسألونهم عن الزكاة، وفي الرابعة يسألونهم عن شهر رمضان، وفي الخامسة يسألونهم على الحج، وفي السادسة يسألونهم عن العمرة، وفي السابعة يسألونهم عن المظالم، فمَن أتى بما سُئل عنه كما أُمِر جاز على الصراط، وإلا حُبِس، فذلك قوله: ﴿إنَّ رَبَّكَ لَبِالمِرْصادِ﴾
عن سعيد بن جبير -من طريق أبي معاوية-، وعن محمد بن كعب القرظي -من طريق أبي صخر- في هذه الآية: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا﴾، قالا: إن أخاف المسلمين فاقتطع المال ولم يسفك قُطِع، وإذا سفك دمًا قُتِل وصُلِب، وإن جمعهما فاقتطع مالًا وسَفَك دمًا قُطِع ثم قُتِل ثم صُلِب، كأنّ الصَّلْب مُثْلَة، وكأنّ القطع﴿السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ [المائدة: ٣٨]، وكأن القتل ﴿النفس بالنفس﴾ [المائدة: ٤٥]، وإن امتنع فإنّ من الحق على الإمام وعلى المسلمين أن يطلبوه حتى يأخذوه فيقيموا عليه حكم كتاب الله
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- قوله: ﴿فخلف من بعدهم خلف﴾ إلى قوله: ﴿ودرسوا ما فيه﴾، قال: كانت بنو إسرائيل لا يَسْتَقْضُون قاضيًا إلا ارْتَشى في الحُكْم، وإنّ خيارهم اجتمعوا، فأخذ بعضُهم على بعضٍ العهودَ أن لا يفعلوا ولا يرتشوا، فجعل الرجلُ منهم إذا اسْتُقْضِيَ ارْتَشى، فيُقال له: ما شأنك ترتشي في الحُكْم؟ فيقول: سيغفر لي. فيطعن عليه البَقِيَّةُ الآخرون مِن بني إسرائيل فيما صنع، فإذا مات أو نُزِع وجُعِل مكانَه رجلٌ مِمَّن كان يطعن عليه فيرتشي، يقول: وإن يأتِ الآخرين عَرَضُ الدنيا يأخذوه. وأمّا عرض الأدنى: فعَرَضُ الدنيا من المال