ذكر ابنُ عطية (٧/٦٦٠-٦٦١) ما أفاده قول مجاهد من أن «يَتِرَ» معناه: يُنقص ويذهب. ثم علَّق بقوله: «ومنه قوله عليه السلام: «من ترك صلاة العصر فكأنما وُتر أهله وماله». أي: ذُهب بجميع ذلك على جهة التغلّب والقهر، والمعنى: لن يتركم ثواب أعمالكم وجزاء أعمالكم، واللفظة مأخوذة من الوِتْر الذي هو الذّحْل [أي: الثأر]». ونقل أنّ فرقة ذهبت إلى أنه مأخوذ من الوِتْر الذي هو الفرْد، وأن المعنى: لن يفردكم من ثواب أعمالكم، ثم رجَّح أنها من النقص، فقال: «والأول أصح». ولم يذكر مستندًا
بيَّن ابنُ جرير (٤/٥٢٣) عمومَ معنى الإنفاق، واستدلَّ عليه بقولِ ابن جُرَيْج، ولم يذكر سواه. وعَلَّق ابنُ عطية (٢/٢١) على أثر ابنِ جُرَيْجٍ بقوله: «وهذا كلام صحيح؛ فالزكاة واجبة، والتَّطَوُّعُ مندوبٌ إليه». غير أنه رَجَّح مستندًا إلى السياق: أنّ هذا الندب في الإنفاق إنما هو في الجهاد، فقال: «وظاهر هذه الآية أنّها مرادٌ بها جميعُ وجوه البِرِّ من سبيلِ خيرٍ، وصِلَةِ رَحِمٍ، ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال، وأَنَّ الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين؛ يترجح منه أنّ هذا الندب إنّما هو في سبيل الله، ويُقَوِّي ذلك قولُه في آخر الآية: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾، أي: فكافحوهم بالقتال بالأنفس، وإنفاق الأموال»
عن قيس بن سعد -من طريق شِبل- قال: سألتُ عن الحكمين، قال: ابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، فما حكم الحكمان من شيء فهو جائز؛ يقول الله تبارك وتعالى: ﴿إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما﴾. قال: يخلو حَكَمُ الرجل بالزوج، وحَكَمُ المرأةِ بالمرأة، فيقول كل واحد منهما لصاحبه: اصدقني ما في نفسك. فإذا صدق كلُّ واحد منهما صاحبَه اجتمع الحَكَمان، وأخذ كلُّ واحدٍ منهما على صاحبه ميثاقًا لَتَصْدُقَنِّي الذي قال لك صاحِبُك، ولأَصْدُقَنَّك الذي قال لي صاحبي. فذاك حين أرادا الإصلاح ﴿يوفق الله بينهما﴾، فإذا فعلا ذلك اطَّلع كلُّ واحدٍ منهما على ما أفضى به صاحبُه إليه، فيعرفان عند ذلك مَن الظالم والناشِز منهما، فأتيا عليه، فحكما عليه، فإن كانت المرأةُ قالا: أنت الظالمة العاصية؛ لا ينفِق عليك حتى ترجعي إلى الحقِّ، وتطيعي الله فيه. وإن كان الرجل هو الظالم قالا: أنت الظالم المُضارُّ‹ لا تدخل لها بيتًا حتى تُنفِق عليها، وترجع إلى الحق والعدل. فإن كانت هي الظالمة العاصية أخذ منها مالها، وهو له حلال طيب، وإن كان هو الظالم المسيء إليها المضار لها طلَّقها، ولم يَحِلَّ له مِن مالها شيء، فإن أمسكها أمسكها بما أمر الله، وأنفق عليها، وأحسن إليها
رجَّح ابنُ جرير (٥/٨٢-٨٣) مستندًا إلى لغة العرب أنّ المراد بالسفيه: الجاهل بالإملاء. وانتقد ابنُ عطية (٢/١١٤) استنادًا إلى الدلالات العقلية تفسيرَه: بالصبي الصغير. وعلَّلَ ابنُ جرير ذلك بكون السفه في كلام العرب: الجهل، وبأنّ الصبي لا تجوز مداينته، وبأنّ الله استثنى من الذين أمرهم بإملال كتاب الدَّيْن ثلاثة أصناف متباينة ليس الصبي منهم، فأحدها: السفيه ذو القوة على الإملال لجهله بمواضع الصواب من الخطأ. وثانيها: الضعيف العاجز عن الإملال لعِيِّ لسانه أو خرَسٍ به. وثالثها: الممنوع من الإملال لكونه محبوسًا، أو غائبًا عن موضع الإملال. وانتقد ابنُ جرير (٥/٨٤) مستندًا إلى دلالة العقل، وظاهر الآية قول مَن فسَّر السفيه بالصغير في هذا الموضع، والضعيف بالكبير الأحمق؛ لكون ذلك يوجب أن يكون المراد من قوله تعالى: ﴿أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ﴾ العاجز عن الإملال من الرجال العقلاء؛ لعجز في لسانه، أو لِغَيْبَة، وذلك مُبْطِلٌ لمعنى قوله تعالى: ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾؛ لأنّ العاقل الرشيد لا يولّى عليه في ماله، وإن كان أخرس أو غائبًا، ولا يجوز حكم أحدٍ في ماله إلا بأمره
عن قتادة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أيها الناس، ابتاعوا أنفسكم من ربكم، ألا إنَّه ليس لامرئ شيء، ألا لا أعْرِفَنَّ امرءًا بَخِلَ بَحَقِّ الله عليه، حتى إذا حضَره الموت أخَذ يُدَعْدِع مالَه ههنا وههنا»، ثم يقول قتادة: ويلك، يا ابن آدم، كنتَ بخيلًا مُمسكًا، حتى إذا حضرك الموتُ أخذت تُدَعْدِعُ مالك وتُفَرِّقه، يا ابن آدم، اتقِ الله، ولا تجمع إساءتين في مالك؛ إساءة في الحياة، وإساءة عند الموت، انظر إلى قرابتك الذين يحتاجون ولا يرِثون؛ فأوصِ لهم من مالك بالمعروف
عن عكرمة بن خالد، قال: اختُصِم إلى عبد الملك بن مروان وأنا حاضر، في رجلٍ تَرَكَتْ له امرأتُه صَداقَها، ثُمَّ طلَّقها، فقال قائِلٌ عنده: قد قال الله تعالى: ﴿فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾. فقال عبد الملك: أوَليس قد قال الله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ [النساء:٢٠]؟! فتلاها. قال: فردَّ إليها مالَها. قال: وقال بعضهم: إن كان حين استوهبها يريدُ الطلاقَ، واعترف بذلك؛ فإنّه يَرُدُّ إليها صَداقها
عن جابر بن عبد الله، قال: جاءت امرأةُ سعدِ بن الربيع إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتِل أبوهما معك في أحد شهيدًا، وإنّ عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالًا، ولا يُنكَحان إلا ولهما مال. فقال: «يقضي الله في ذلك». فنزلت آية الميراث: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ الآية، فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمِّهما فقال: «أعْطِ ابنتَي سعد الثلثين، وأمَّهُما الثُّمُنَ، وما بقي فهو لك»
قال يحيى بن سلَّام: قوله: ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال﴾، يعني: قوله: ﴿إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون﴾، وقولهم: ﴿أساطير الأولين اكتتبها﴾، ﴿مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق﴾، وقولهم: ساحر، شاعر، ومجنون، وكاهن، ﴿لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا* أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها﴾. قال الله: ﴿انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا﴾ يعني: مخرجًا مِن الأمثال التي ضربوا لك، في تفسير مجاهد. وقال بعضهم: إلى الخير
عن الحسن البصري، في قوله: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾، قال: كان الرجل يأتي المدينة مُهاجِرًا، فإن صحَّ جسمه، وتتابعت عليه الصدقة، وولدت امرأته غلامًا، وأنتجت فرسه مهرًا؛ قال: واللهِ، لَنِعْمَ الدينُ وجدتُ دينَ محمد ﷺ هذا؛ ما زِلْتُ أعرف الزيادة في جسدي وولدي. وإن سقم بها جسمُه، واحتبست عليه الصدقة، وأزلقت فرسه، وأصابته الحاجة، وولدت امرأته الجارية؛ قال: واللهِ، لَبِئْس الدينُ دينُ محمد هذا؛ واللهِ، ما زلت أعرف النقصان في جسدي وأهلي وولدي ومالي
عن أم عبد الله أخت شداد بن أوس: أنها بَعَثَت إلى النبي ﷺ بقَدَح لَبَن عند فِطْره وهو صائم، فرَدَّ إليها رسولَها: «أنّى لكِ هذا اللبن؟». قالت: مِن شاة لي. فرد إليها رسولها: «أنّى لكِ الشاة؟». فقالت: اشتريتُها مِن مالي. فشرب منه، فلما كان مِن الغد أتته أمُّ عبد الله، فقالت: يا رسول الله، بعثت إليك بلبن فرددت إلَيَّ الرسول فيه؟! فقال لها: «بذلك أُمِرَت الرسلُ قبلي؛ ألا تأكل إلا طيبًا، ولا تعمل إلا صالِحًا»