سورة الفجر — الآية ١٥

قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَأَمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَنِ وأَمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنِ﴾، قال: يقول: ﴿كلا﴾ ما أغنيتُ هذا الغني لكرامته، ولا أفقرتُ هذا الفقير لهوانه عليّ، ولكن كذلك أردتُ أنْ أُحسن إلى هذا الغني في الدنيا، وأهون على هذا الفقير حسابه يوم القيامة، ثم قال في سورة أخرى: ﴿فَإنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا إنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥-٦]. يقول: ليس من شدة إلا بعدها رخاء، ولا رخاء إلا بعده شدة

اختُلِف فيمن يستحق اسم الوليّ على ثلاثة أقوال: أولها: أنَّ الولِيَّ: مَن يُذْكَرُ الله لرؤيته، لما عليه مِن سيما الخير والإخبات. وثانيها: أنّ الأولياء قوم تحابُّوا في الله واجتمعوا في ذاتِه لم تجمعهم قرابة ولا مال يَتَعاطَوْنَه. وثالثها: أنّ الوليَّ هو المؤمن التقيّ، وهذا قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وذَهَبَ ابنُ جرير (١٢‏/‏٢١٢-٢١٣) إلى ما ذهب إليه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ استنادًا إلى السياق، فقال: «الصوابُ مِن القول في ذلك أن يُقال: الولي -أعني: ولي الله- هو مَن كان بالصِّفة التي وصفه الله بها، وهو الذي آمن واتقى، كما قال الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾». وكذلك قال ابنُ تيمية (٣‏/‏٤٨٦-٤٨٧). وقال ابنُ القيم (٢‏/‏٤٠-٤١): «أولياء الرحمن لا خوف عليهم ولاهم يحزنون، هم الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهم المذكورون في أول سورة البقرة إلى قوله: ﴿هم المفلحون﴾ [البقرة:١-٥]، وفي وسطها في قوله: ﴿ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر﴾ إلى قوله: ﴿أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون﴾ [البقرة:١٧٧]، وفي أول الأنفال إلى قوله: ﴿لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾ [الأنفال:١-٤]، وفي أول سورة المؤمنين إلى قوله: ﴿هم فيها خالدون﴾ [المؤمنون:١-١١]، وفي آخر سورة الفرقان، وفي قوله: ﴿إن المسلمين والمسلمات﴾ إلى آخر الآية [الأحزاب:٣٥]، وفي قوله: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾، وفي قوله: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون﴾ [النور:٥٢]، وفي قوله: ﴿إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون﴾ إلى قوله: ﴿في جنات مكرمون﴾ [المعارج:٢٢-٣٥]، وفي قوله: ﴿التائبون العابدون الحامدون﴾ إلى آخر الآية [التوبة:١١٢]. فأولياء الرحمن هم المخلصون لربهم، المحكمون لرسوله في الحرم والحِلِّ، الذين يخالفون غيره لسُنَّته ولا يخالفون سُنَّته لغيرها، فلا يبتدعون ولا يدعون إلى بِدْعَة، ولا يَتَحَيَّزون إلى فئةٍ غير الله ورسوله وأصحابه، ولا يتخذون دينهم لهوًا ولعبًا، فأولياء الرحمن المتلبسون بما يحبه وليهم، الداعون إليه، المحاربون لِمَن خرج عنه»

انتقد ابنُ تيمية في منهاج السنة النبوية (٧/ ٦٠ -٦٨) هذا الأثر مستندًا إلى الإجماع، وأحوال النزول، والأدلة العقلية، والتاريخية، فقال -بتصرف-: ""والجواب من وجوه:أحدها: المطالبة بصحته، وذلك أن القول بلا علم حرام بالنص والإجماع.... الثاني: أن هذا كذب باتفاق أهل العلم بالحديث.... الوجه الثالث: أنه مما يبين أنه كذب أن فيه ابن عباس شهد نزول سورة النجم حين انقض الكوكب في منزل علي، وسورة النجم باتفاق الناس من أول ما نزل بمكة، وابن عباس حين مات النبي ﷺ كان مراهقًا للبلوغ لم يحتلم بعد، هكذا ثبت عنه في الصحيحين. فعند نزول هذه الآية: إما أن ابن عباس لم يكن وُلد بعد، وإما أنه كان طفلًا لا يميز، فإن النبي ﷺ لما هاجر كان لابن عباس نحو خمس سنين، والأقرب أنه لم يكن وُلد عند نزول سورة النجم، فإنها من أوائل ما نزل من القرآن. الوجه الرابع: أنه لم ينقض قط كوكب إلى الأرض بمكة ولا بالمدينة ولا غيرهما، ولما بُعث النبي ﷺ كثر الرمي بالشهب، ومع هذا فلم ينزل كوكب إلى الأرض، وهذا ليس من الخوارق التي تعرف في العالم، بل هو من الخوارق التي لا يعرف مثلها في العالم، ولا يروي مثل هذا إلا مَن هو مِن أوقح الناس، وأجرؤهم على الكذب، وأقلهم حياء ودينًا، ولا يروج إلا على من هو مِن أجهل الناس وأحمقهم، وأقلهم معرفة وعلمًا. الوجه الخامس: أن نزول سورة النجم كان في أول الإسلام، وعلِيٌّ إذ ذاك كان صغيرًا، والأظهر أنه لم يكن احتلم ولا تزوج بفاطمة، ولا شُرع بعد فرائض الصلاة أربعًا وثلاثًا واثنين، ولا فرائض الزكاة، ولا حج البيت، ولا صوم رمضان، ولا عامة قواعد الإسلام. وأمر الوصية بالإمامة لو كان حقًّا إنما يكون في آخر الأمر كما ادعوه يوم غدير خم، فكيف يكون قد نزل في ذلك الوقت؟! الوجه السادس: أن أهل العلم بالتفسير متفقون على خلاف هذا، وأن النجم المقسم به: إما نجوم السماء، وإما نجوم القرآن، ونحو ذلك. ولم يقل أحد: إنه كوكب نزل في دار أحد بمكة. الوجه السابع: أن من قال لرسول الله ﷺ: «غويت» فهو كافر، والكفار لم يكن النبي ﷺ يأمرهم بالفروع قبل الشهادتين والدخول في الإسلام. الوجه الثامن: أن هذا النجم إن كان صاعقة فليس نزول الصاعقة في بيت شخص كرامة له، وإن كان من نجوم السماء فهذه لا تفارق الفلك، وإن كان مِن الشهب فهذه يُرمى بها رجومًا للشياطين، وهي لا تنزل إلى الأرض، ولو قُدِّر أن الشيطان الذي رمي بها وصل إلى بيت علِيٍّ حتى احترق بها فليس هذا كرامة له، مع أن هذا لم يقع قط""

سورة البقرة — الآية ٢٤٠

عن همام بن يحيى، قال: سألتُ قتادة عن قوله: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعًا إلى الحَوْلِ غَيْرَ إخْراجٍ﴾. فقال: كانت المرأةُ إذا تُوُفِّي عنها زوجُها كان لها السُّكْنى والنفقةُ حَوْلًا في مال زوجها ما لم تَخْرُجْ، ثم نُسِخَ ذلك بعدُ في سورة النساء، فجُعِل لها فريضةٌ معلومةٌ؛ الثمنُ إن كان له ولد، والربعُ إن لم يكن له ولد، وعِدَّتُها أربعة أشهر وعشرًا، فقال -تعالى ذكره-: ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ ويَذَرُونَ أزْواجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]. فنسخت هذه الآيةُ ما كان قبلَها مِن أمر الحَوْلِ

سورة الأنعام — الآية ١٣٠

قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالوا﴾ يعني: قالت الإنس والجن: ﴿شهدنا على أنفسنا﴾ بذلك أنّا كفرنا بما قالت الرسل في الدنيا، قال الله للنبي ﷺ: ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾ عن دينهم الإسلام، ويقول الله للنبي ﷺ: ﴿وشهدوا على أنفسهم﴾ في الآخرة ﴿أنهم كانوا كافرين﴾ في الدنيا، وذلك حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك والكفر في الدنيا، ثم قال الخازن في التقديم: ﴿النار مثواكم﴾ يعني: مأواكم ﴿خالدين فيها﴾ لا يموتون، ثم استثنى فقال: ﴿إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم﴾ [الأنعام:١٢٨] حكم عليهم حقًّا بذلك الهلاك، كفعله بالأمم الخالية في سورة أخرى

عن أُبي بن كعب، قال: دخلتُ المسجد فصلَّيت، فقرأت سورة النحل، ثم جاء رجلان، فقرآ خلاف قراءتنا، فأخذت بأيديهما، فأتيت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول الله، استقرِئ هذين. فقرأ أحدُهما، فقال: «أصبتَ». ثم استقرَأ الآخر، فقال: «أصبتَ». فدخل قلبي أشدُّ مما كان في الجاهلية من الشك والتكذيب، فضرب رسول الله ﷺ صدري، فقال: «أعاذك الله من الشك، وأَخْسَأَ عنك الشيطان». ففِضْتُ عَرَقًا، قال: «أتاني جبريل، فقال: اقرأ القرآن على حرف واحد. فقلت: إن أمتي لا تستطيع ذلك. حتى قال سبع مرات، فقال لي: اقرأ على سبعة أحرف، بكل رَدَّةٍ رُدِدْتَها مسألة»

سورة الحج — الآية ١٧

قال يحيى بن سلّام: قوله: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا﴾ اليهود، ﴿والصابئين﴾ هم قوم يعبدون الملائكة ويقرءون الزبور، ﴿والنصارى﴾ تَنَصَّروا، وإنما سموا: نصارى؛ لأنهم كانوا بقرية يُقال لها: ناصرة... ﴿والذين أشركوا﴾ عبدة الأوثان، ﴿إن الله يفصل بينهم يوم القيامة﴾ فيما اختلفوا فيه من الدنيا، فيدخل المؤمن الجنة، ويدخل جميع هؤلاء النار على ما أعد لكل قوم. وقد ذكرنا ذلك في هذه الآية في سورة الحجر [٤٤]: ﴿لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم﴾. قوله: ﴿إن الله على كل شيء شهيد﴾ شاهِد على كل شيء، وشاهد كل شيء

سورة الصافات — الآية ٥١

قال مقاتل بن سليمان: ﴿قالَ قائِلٌ مِنهُمْ إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ وذلك أنّ أخوين مِن بني إسرائيل -اسم أحدهما: فطرس، والآخر: سلخا- ورِث كلُّ واحدٍ منهما عن أبيه أربعة آلاف دينار، فأمّا أحدهما فأنفق ماله في طاعة الله عز وجل، والمشرك الآخر أنفق مالَه في معصية الله عز وجل ومعيشة الدنيا، وهما اللذان ذكرهما الله عز وجل في سورة الكهف، فلمّا صارا إلى الآخرة أُدخِل المؤمن الجنة، وأُدخل المشرك النار، فلما أُدخل الجنة المؤمن ذكر أخاه، فقال لإخوانه من أهل الجنة: ﴿إنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ يعني: صاحب، ﴿يَقُولُ أإنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ﴾ بالبعث

سورة القلم — الآية ٤٨

قال مقاتل بن سليمان: ثم قال للنبي ﷺ: ﴿فاصْبِرْ﴾ على الأذى ﴿لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ يعني: لقضاء ربّك والذي هو آتٍ عليك، ﴿ولا تَكُنْ كَصاحِبِ الحُوتِ﴾ يعني: يونس بن متّى مِن أهل نَيْنَوى عليه السلام. يقول: لا تَضْجر كما ضجر يونس، فإنه لم يصبر. يقول: لا تَعجَل كما عَجِل يونس، ولا تُغاضِب كما غاضب يونس بن متّى، فتُعاقَب كما عُوقب يونس ﴿إذْ نادى﴾ ربَّه في بطن الحوت، وكان نداؤه في سورة الأنبياء [٨٧]: ﴿لا إلَهَ إلّا أنْتَ سُبْحانَكَ إنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾، ﴿وهُوَ مَكْظُومٌ﴾ يعني: مكروب في بطن الحوت، يعني: السمكة

سورة التين — الآية ١

عن أنس بن مالك -من طريق الزُّهريّ- قال: لَمّا نزلت سورة ﴿والتِّينِ﴾ على رسول الله ﷺ فرِح بها فرحًا شديدًا، حتى تَبيّن لنا شدة فرحه، فسألنا ابنَ عباس عن تفسيرها، فقال: ﴿والتِّينِ﴾ بلاد الشام، ﴿والزَّيْتُونِ﴾ بلاد فلسطين، ﴿وطُورِ سِينِينَ﴾ الذي كلّم الله موسى عليه، ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ فِي أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ محمد ﷺ، ﴿ثُمَّ رَدَدْناهُ أسْفَلَ سافِلِينَ﴾ عبَدة اللّات والعُزّى، ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، ﴿فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ألَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الحاكِمِينَ﴾ إذ بعثك فيهم نبيًّا، وجمعك على التقوى، يا محمد