عن ابن عمر مرفوعًا: «إنّ لله عبادًا ليسوا بأنبياءَ ولا شهداء، يَغْبِطُهم النبيُّون والشهداء يومَ القيامة بقُرْبِهم ومجلسهم منه». فجثا أعرابيٌّ على رُكْبَتَيْه، فقال: يا رسولَ الله، صِفْهم لنا، حَلِّهم لنا. قال: «قومٌ مِن أفْناء الناس مِن نُزّاع القبائل تَصادقوا في الله، وتحابُّوا في الله، يضعُ اللهُ لهم يوم القيامة منابرَ من نور فيُجلِسُهم، يخافُ الناسُ ولا يخافون، هم أولياءُ الله الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يغشاه موج﴾ فوق الماء، ثم يذهب عنه ذلك الموج، ثم يغشاه موج آخر مكان الموج الأول، فذلك قوله عز وجل: ﴿يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات﴾، فهي ظلمة الموج، وظلمة الليل، وظلمة البحر والسحاب، يقول: وهذه ظلمات ﴿بعضها فوق بعض﴾، فهكذا الكافر قلبُه مظلم، في صدر مُظلم، في جسد مُظلم، لا يُبصِر نور الإيمان، كما أنّ صاحب البحر ﴿إذا أخرج يده لم يكد يراها﴾
عن الحسن البصري، وأبي قلابة -من طريق أبان- قالا: قال رجل: يا رسول الله، هل في الجنة مِن ليل؟ قال: «وما هيَّجك على هذا؟». قال: سمعتُ الله يذكر في الكتاب: ﴿ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا﴾؛ فقلتُ: الليلُ مِن البكرة والعشي. فقال رسول الله ﷺ: «ليس هناك ليل، وإنما هو ضوء نور، يَرُدُّ الغُدوَّ على الرَّواح، والرَّواح على الغُدُوِّ، وتأتيهم طرف الهدايا مِن الله لمواقيت الصلوات التي كانوا يُصَلُّون فيها في الدنيا، وتُسَلِّم عليهم الملائكة»
عن عبد الله بن مسعود -من طريق مُرَّة- قال: يَرِد الناسُ الصراطَ جميعًا، ووُرُودُهم قيامُهم حول النار، ثم يصدرون عن الصراط بأعمالهم؛ فمِنهم مَن يَمُرُّ مثل البرق، ومنهم مَن يَمُرُّ مثل الريح، ومنهم مَن يَمُرُّ مثل الطير، ومنهم مَن يَمُرُّ كأجود الخيل، ومنهم مَن يَمُرُّ كأجود الإبل، ومنهم مَن يَمُرُّ كعَدْوِ الرجل، حتى إنّ آخرهم مرًّا رَجُلٌ نُورُه على موضع إبهام قدميه، يمر مُتَكَفِّئًا به الصراط
رَجَّح ابنُ جرير (٥/٣٢٧) مستندًا إلى السياق قولَ محمد بن جعفر بن الزبير: بأنّ الله أمر النبي ﷺ أن يقول هذا القولَ لنصارى نَجْران، حيث إنّه لم يَجْرِ ذِكْرٌ لغيرهم في هذه السورة، فـ«ما قَبْلَ هذه الآية مِن مُبْتَدأ هذه السورة وما بعدها خبرٌ عنهم، واحتجاجٌ مِن الله لنبيِّه محمد ﷺ، ودليلٌ على بُطولِ قولهم في المسيح، فالواجبُ أن تكون هي أيضًا مصروفةَ المعنى إلى نحو ما قبلها، ومعنى ما بعدها». ثُمَّ انتَقَدَ (٥/٣٢٦) قولَ الحسن لعدم الخبر الدّالِّ على صِحَّته، فقال: «وأما ما روى الحسنُ في ذلك مِمّا قد ذكرناه؛ فلا خبر به عندنا يصحُّ، فيجوز أن يُقال: إنّ ذلك كذلك، وإن لم يكن في السورة دلالة على أنه كما قال». غير أنّه ذَكَرَ لقول الحسن وِجْهَةً يمكن أن يُحْمَل عليها، فقال: «إلا أن يكون الحسنُ أراد بالقوم الذين ذَكَر أنهم قالوا ذلك على عهد رسول الله ﷺ وفْدَ نَجْران مِن النصارى، فيكون ذلك مِن قوله نظيرَ إخبارنا». وزاد ابنُ عطية (٢/١٩٦) احتمالًا آخر، وهو: «أن تكون الآيةُ عامَّةً لأهل الكتاب اليهود والنصارى؛ لأنهم كانوا يدَّعون أنهم يحبُّون الله ويحبُّهم، ألا ترى أنّ جميعهم قالوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأَحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨]»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- قوله: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ إلى قوله: ﴿قالوا بلى شهدنا﴾، قال ابن عباس: إنّ الله لَمّا خلق آدم مَسَح ظهرَه، وأخرج ذريته كلهم كهيئة الذر، فأنطقهم، فتكلموا، وأشهدهم على أنفسهم، وجعل مع بعضهم النور، وإنّه قال لآدم: هؤلاء ذريتك، آخذ عليهم الميثاق أنِّي أنا ربهم، لِئلّا يشركوا بي شيئًا، وعَلَيَّ رزقهم. قال آدم: فمَن هذا الذي معه النور؟ قال: هو داود. قال: يا ربِّ، كم كتبتَ له من الأجل؟ قال: ستين سنة. قال: كم كتبتَ لي؟ قال: ألف سنة، وقد كتبتُ لكل إنسان منهم كم يعمر وكم يلبث. قال: يا ربِّ، زِدْهُ. قال: هذا الكتاب موضوع، فأَعْطِه إن شئتَ مِن عُمُرِك. قال: نعم. وقد جَفَّ القلمُ عن أجَلِ سائر بني آدم، فكُتِب له مِن أجل آدم أربعين سنة، فصار أجلُه مائة سنة. فلما عُمِّر تسع مائة سنة وستين سنة جاءه مَلَكُ الموت، فلمّا رآه آدمُ قال: ما لك؟ قال له: قد استوفيتَ أجلَك. قال له آدم: إنّما عُمِّرْتُ تسع مائة وستين سنة، وبقي أربعون سنة. قال: فلمّا قال ذلك للمَلَك قال المَلَكُ: قد أخبرني بها ربي. قال: فارجع إلى ربك، فاسأله. فرجع المَلَكُ إلى ربه، فقال: ما لك؟ قال: يا ربِّ، رجعتُ إليك لِما كنتُ أعلمُ مِن تكرمتك إيّاه. قال الله: ارجع، فأخبره أنّه قد أعطى ابنه داود أربعين سنة
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: قال المشركون: إن كان محمدٌ كما يزعم نبيًّا فَلِمَ يُعَذِّبه ربُّه، ألا ينزل عليه القرآن جملةً واحدةً؟ ينزل عليه الآية والآيتين والسورة! فأنزل الله على نبيِّه جوابَ ما قالوا: ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة﴾ إلى: ﴿وأضل سبيلا﴾
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿لا تُلْهِكُمْ أمْوالُكُمْ ولا أوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى آخر السورة: هو الرجل المؤمن نَزل به الموت، وله مال كثير لم يزُكّه، ولم يحجّ منه، ولم يُعط منه حقّ الله؛ يسأل الرَّجعة عند الموت فيُزكي ماله، قال الله: ﴿ولَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾
عن ابن عباس -من طريق يزيد الفارسي- قال: قلتُ لعثمان بن عفان: ما حمَلكم أن عَمَدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المِئِين، فقَرَنتم بينَهما، ولم تَكْتُبوا سطرَ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، ووضَعتُمُوها في السَّبعِ الطُّوَلِ، ما حمَلكم على ذلك؟ فقال عثمانُ: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمانُ وهو يَنزِلُ عليه السُّوَرُ ذواتُ العَدَد، فكان إذا نزَل عليه الشيءُ دعا بعضَ مَن كان يَكْتُبُ، فيقولُ: «ضَعُوا هؤلاء الآياتِ في السورة ِالتي يُذْكَرُ فيها كذا وكذا». وكانت الأنفال من أوائل ما نزَل بالمدينة، وكانت براءة مِن آخِر القرآن نزولًا، وكانت قصَّتُها شبيهةً بقصَّتِها، فظَنَنتُ أنها منها، فقُبِض رسول الله ﷺ ولم يُبَيِّن لنا أنها منها، فمِن أجلِ ذلك قَرَنتُ بينَهما، ولم أكْتُبْ بينَهما سطر: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، ووضَعتهُما في السَّبع الطَّوَل
عن سعيد بن جبير -من طريق عبد الله بن كثير- قال: كان لا يرث إلا الرجل الذي قد بلغ أن يقوم في المال ويعمل فيه، ولا يرث الصغير ولا المرأة شيئًا، فلما نزلت المواريث في سورة النساء شقَّ ذلك على الناس، وقالوا: أيرث الصغير الذي لا يقوم في المال، والمرأة التي هي كذلك، فيرثان كما يرث الرجل؟! فرجوا أن يأتي في ذلك حَدَث من السماء، فانتظروا، فلمّا رأوا أنه لا يأتي حدث قالوا: لئن تَمَّ هذا إنّه لواجب ما منه بُدٌّ. ثم قالوا: سلوا. فسألوا النبي ﷺ؛ فأنزل الله: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب﴾ في أول السورة ﴿في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن﴾. وكان الولي إذا كانت المرأة ذات جمال ومال رغب فيها، ونكحها، واستأثر بها، وإذا لم تكن ذات جمال ومال أنكَحها، ولم يَنكِحها