عن عبدِ الرحمنِ بنِ غَنمٍ: أنّ اليهودَ أتَوا النَّبيَّ ﷺ، فقالوا: إن كنتَ نبيًّا فالحَقْ بالشام؛ فإنّ الشامَ أرضُ المحشَرِ، وأرضُ الأنبياءِ. فصدَّق رسول الله ﷺ ما قالوا، فغزا غزوةَ تبوكَ لا يُريدُ إلا الشامَ، فلما بلَغ تبوكَ أنزَل الله عليه آيات من سورةِ بني إسرائيلَ بعدَ ما خُتِمت السورةُ: ﴿وإن كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرضِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿تَحوِيلًا﴾، فأمَره بالرُّجوعِ إلى المدينةِ، وقال: فيها مَحْياك ومماتُك، ومنها تُبعَثُ. وقال له جبريلُ: سلْ ربَّك، فإن لكلِّ نبيٍّ مسألةً. فقال: «ما تأمرُني أن أسأل؟». قال: قل ﴿رَّبِ أدخِلْنِي مُدخَلَ صِدقٍ وأَخرِجنِي مُخرَجَ صِدقٍ واجعَل لِي مِن لَّدُنكَ سُلطانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:٨٠]. فهؤلاء نزَلن عليه في رَجْعتِه مِن تبوكَ
اختُلِف في المشار إليه بـ﴿ذلك﴾ على ثلاثة أقوال: أولها: أنّه متوجه إلى القتل؛ لأنه أقرب مذكور. وهذا قول عطاء. وثانيها: أنه متوجه إلى أكل المال بالباطل، وقتل النفس بغير حقٍّ؛ لأن النهي عنهما جاء متَّسقًا مسرودًا، ثم ورد الوعيد حسب النهي. وثالثها: أنه متوجه إلى كلِّ ما نهى عنه من القضايا من أول السورة، إلى قوله تعالى: ﴿ومن يفعل ذلك﴾. وذَهَبَ ابنُ جرير (٦/٦٣٩) مستندًا إلى دلالة العقل، والسياق إلى أنّه متوجه إلى ما نهى عنه من آخر وعيد؛ وذلك قوله تعالى: ﴿لا َيحِلُّ لَكُمْ أن تَرِثُواْ النِّساءَ كَرْهًا﴾؛ لأنّ كل ما نهي عنه من أول السورة قُرِن به وعيد إلا من قوله: ﴿لا َيحِلُّ لَكُمْ أن تَرِثُواْ النِّساءَ كَرْهًا﴾، فإنّه والنواهي بعده لا وعيد معها إلا قوله: ﴿ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما﴾
اختُلف في المشار إليه بـ﴿هذا﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: أُشير به إلى الآيات التي في ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلى﴾. الثاني: إلى قصة هذه السورة. الثالث: إنّ هذا الذي قضى الله في هذه السورة لفي الصُّحف الأولى. الرابع: أن قوله: ﴿والآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقى﴾ في الصُّحف الأولى. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٣٢٥) -مستندًا إلى الأظهر لغة- أنّ «قوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا والآخِرَةُ خَيْرٌ وأَبْقى﴾، لفي الصحف الأولى، صحف إبراهيم خليل الرحمن، وصحف موسى بن عمران». وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ ﴿هذا﴾ إشارةٌ إلى حاضرٍ، فلأَن يكون إشارة إلى ما قَرُب منها أولى من أن يكون إشارة إلى غيره». ونحوه قال ابنُ عطية (٨/٥٩٤). وكذا ابنُ كثير (١٤/٣٢٨) فقال: «وهذا اختيار حسن قوي»
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- قال: أولَ ما نزل جبريلُ على محمد قال: يا محمد، استعذ؛ قل: أستعيذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم. ثم قال: قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. قال عبد الله: وهي أول سورة أنزلها الله على محمد بلسان جبريل، فأمره أن يتعوذ بالله دون خلقه
عن عبد الله بن عباس، قال: أتى ناس من حِمْيَر إلى رسول الله ﷺ، فسألوه عن أشياء، فقال له رجل: إنِّي أُحِبُّ النساءَ، وأُحِبُّ أن آتي امرأتي مُجَبِّيَةً، فكيف ترى في ذلك؟ فأنزل الله في سورة البقرة بيان ما سألوا عنه، وأنزل فيما سأل عنه الرجلُ: ﴿نساؤكم حرث لكم﴾ الآية. فقال رسول الله ﷺ: «ائْتِها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً إذا كان ذلك في الفَرْج»
عن سعد بن أبي وقاص، قال: لما كان يوم بدر قُتِل أخي عُمير، وقَتَلْتُ سعيد بن العاصي، وأخذت سيفه، وكان يُسمى: ذا الكَتِيفَةِ، فأتيتُ به النبي ﷺ، فقال: «اذهب فاطرحه في القَبَضِ». فرجَعتُ وبي ما لا يعلمه إلا الله مِن قتل أخي وأخذِ سَلَبي، فما جاوزتُ إلا يسيرًا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال لي رسول الله ﷺ: «اذهب فخذ سيفك»
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا﴾، قال: نزلت هذه الآية فتَوارَث المسلمون بالهجرة، فكان لا يَرِثُ الأعرابيُّ المسلمُ من المهاجرِ المسلمِ شيئًا، ثم نُسِخ ذلك بعدُ في سورة الأحزاب [٦]: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين﴾، فخلَط اللهُ بعضَهم ببعض، وصارت المواريثُ بالمِلَلِ
عن أبي حرب بن أبي الأسود، قال: أرسَل الحجاج إلى يحيى بن يَعمَرَ، فقال: بلَغني: أنّك تزعُمُ أنّ الحسن والحسين من ذُرِّيَّة النبي ﷺ، تجدُه في كتاب الله، وقد قرَأتُه من أوَّله إلى آخره فلم أجِدْه! قال: أليس تقرأُ سورة الأنعام: ﴿ومن ذريته داود وسليمان﴾ حتى بلَغ: ﴿ويحيى وعيسى﴾؟ قال: بلى. قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال: صَدقْتَ
قال يحيى بن سلّام: فجاءت بأُمِّه، فقبِل ثديَها. وقال في سورة ﴿طسم﴾ القصص [١٢-١٣]: ﴿وحرمنا عليه المراضع من قبل﴾، فكان كلما جِيء به إلى امرأة لم يقبل ثديَها، ﴿فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون (١٢) فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن﴾. وقال في هذه الآية: ﴿فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن﴾
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿فلو أن لنا كرة﴾ يعني: رجعة إلى الدنيا؛ ﴿فنكون من المؤمنين﴾ يعني: من المصدقين بالتوحيد، ﴿إن في ذلك لآية﴾ يعني: إن في هلاك قوم إبراهيم لعبرة لمن بعدهم، ﴿وما كان أكثرهم مؤمنين﴾ يقول: لو كان أكثرهم مؤمنين لم يُعَذَّبوا في الدنيا، ﴿وإن ربك لهو العزيز﴾ في نقمته، ﴿الرحيم﴾ بالمؤمنين. هلك قوم إبراهيم بالصيحة، تفسيره في سورة العنكبوت