عن علي بن أبي طالب، قال: لَمّا نزلت هذه السورة على النبيِّ ﷺ: ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ قال رسول الله ﷺ لجبريل: «ما هذه النَّحِيرة التي أمرني بها ربي؟». قال: إنها ليست بنَحِيرة، ولكن يأمرك إذا تحرّمتَ للصلاة أن ترفع يديك إذا كبَّرتَ، وإذا ركعتَ، وإذا رفعتَ رأسك من الركوع، فإنها صلاتنا وصلاة الملائكة الذين هم في السماوات السبع، وإنّ لكل شيء زينة، وزينة الصلاة رفْع اليدين عند كلّ تكبيرة. قال النبيُّ ﷺ: «رفْع اليدين مِن الاستكانة التي قال الله: ﴿فَما اسْتَكانُوا لِرَبِّهِمْ وما يَتَضَرَّعُونَ﴾» [المؤمنون:٧٦]
عن أبي سعيد الخدريّ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لما نزلت هذه السورة: ﴿إذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والفَتْحُ ورَأَيْتَ النّاسَ﴾ قال: قرأها رسول الله ﷺ حتى خَتمها. وقال: «الناس حيِّز، وأنا وأصحابي حيِّز». وقال: «لا هجرة بعد الفتْح، ولكن جهاد ونية». فقال له مروان: كذبتَ. وعنده رافع بن خديج، وزيد بن ثابت، وهما قاعدان معه على السرير، فقال أبو سعيد: لو شاء هذان لحدّثاك، ولكن هذا يخاف أن تَنزعه عن عرافة قومه، وهذا يخشى أن تَنزعه عن الصدقة؛ فسكتا. فرفع مروان عليه الدّرة ليضربه، فلما رأيا ذلك قالا: صدق
انتقد ابنُ عطية (٦/١٤٦) مستندًا إلى دلالة التاريخ أن يكون هذا الحديث سبب نزول الآية، فقال: «وهذا مُعتَرَضٌ أن يكون سببًا؛ لأن السورة مكية، والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي ﷺ؛ لأنّه مات ودرعه مرهونة بهذه القصة التي ذكرت». ثم رجَّح مستندًا إلى السياق تناسق الآية مع ما قبلها: «وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها، وذلك أنّ الله تعالى وبَّخهم على ترك الاعتبار بالأمم السابقة، ثم تَوَعَّدهم بالعذاب المُؤَجَّل، ثم أمَرَ نبيَّه ﷺ بالاحتقار لشأنهم، والصبر على أقوالهم، والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم مِن الدنيا، إذ ذلك مُنصَرِمٌ عنهم، صائرٌ بهم إلى خِزْيٍ»
قال ابنُ عطية (٨/٥١٠): «قوله تعالى: ﴿كلوا وتمتعوا﴾ مخاطبة لقريش، على معنى: قل لهم، يا محمد. وهذه صيغة أمر معناها التهديد والوعيد، وقد بيّن ذلك قوله: ﴿قليلا﴾، ثم بيّن تعالى لهم الإجرام الموجب لتعذيبهم. وقال مَن جعل السورة كلّها مكّية: إنّ هذه الآية في كفار قريش، وقال مَن جعل هذه الآية منها مدنية:»إن هذه الآية نزلت في المنافقين«. وقال مقاتل:»نزلت في ثقيف؛ لأنهم قالوا للنبي ﷺ: حُطَّ عنّا الصلاة؛ فإنّا لا ننحَني؛ لأنها مَسَبَّة، فأبى رسول الله ﷺ، وقال: «لا خير في دين لا صلاة فيه»""
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ يقول: طُبّقت الأبواب، ثم شُدّتْ بأوتاد من حديد مِن نار؛ حتى يرجع عليهم غمّها وحرّها، فلا يُفتح عليهم باب، ولا يدخل عليهم روح، ولا يخرج منها غمٌّ آخر الأبد، ... ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ وذلك أنّ الشقي إذا دخل النار طاف به المَلك في أبوابها في ألوان العذاب، وفُتح له باب الحُطَمة، وهي باب من أبواب جهنم، وهي نار تأكل النار مِن شدة حرّها، وما خمدتْ مِن يوم خَلَقها الله عز وجل إلى يوم يدخلها، فإذا فتح ذلك الباب وقعت النار عليه فأحرقته، فتحرق الجلد واللحم والعصب والعظم، ولا تحرق القلب ولا العين وهو ما يعقل به ويبصر، فذلك قوله تعالى: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلى الأَفْئِدَةِ﴾، ثم تلا: ﴿ويَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم:١٧] يقول: ليس في جسده موضع شعرة إلا والموت يأتيه من ذلك المكان، ثم قال: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ وذلك أنه إذا خرج المُوحِّدون من الباب الأعلى وهي جهنم قال أهل تلك السبعة الأبواب -وهي أسفل درك من النار- لأهل الباب السادس: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢] يقول: ما أدخلكم في سقر، ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ولَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ... ﴾ [المدثر:٤٣-٤٤] إلى آخر الآيات، ثم يقولون: تعالوا حتى نجزع. فيجزعون حُقبًا من الدَّهر، فلا ينفعهم شيئًا، ثم يقولون: تعالوا حتى نصرخ. فيصرخون حُقبًا من الدَّهر، فلا يغني عنهم شيئًا، ثم يقولون: تعالوا حتى نصبر، فلعلّ الله عز وجل إذا صبرنا وسكتنا أن يرحمنا. فيصبرون حُقبًا من الدَّهر، فلا يغني عنهم شيئًا، فيقولون: ﴿سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١]، ثم ينادون: ﴿أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧]، فينادى ربّ العِزّة من فوق العرش: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، فتصمّ آذانهم، ويُختم على قلوبهم، وتُغلق عليهم أبوابها، فيُطبق كلّ واحدة على صاحبه بمسامير من حديد من نار كأمثال الجبال، فلا يَلج فيها روح، ولا يخرج منها حرّ النار، ويأكلون من النار، ولا يسمع فيها إلا الزَّفير والشَّهيق. نسأل الله المعافاة منها بفضله وجُوده ورحمته
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: وكان هارونُ قد خَطَبَهم، فقال: إنّكم خرجتم من مصر وعندكم ودائعُ لقوم فرعون، وعواري، ولكم فيهم مثلُ ذلك، وإني أرى أن تحبسوا ما لهم عندكم، ولا أُحِلُّ لكم وديعةً اسْتُودِعْتُموها، أو عاريةً؛ فلسنا برادِّي شيئًا من ذلك إليهم، ولا مُمْسِكيه لأنفسنا، فحفر حفيرًا، فأمر كلَّ قوم عندهم شيءٌ من ذلك مِن متاع أو حِلْيَةٍ أن يقذفوه في تلك الحفرة، ثم أوقد عليه النار فحرقه، فقال: لا يكون لنا ولا لهم. وكان السامريُّ رجلًا من قوم يعبدون البقر؛ جيرانٍ لهم، ليس من بني إسرائيل، فاحتمل مع بني إسرائيل حين احتملوا، فقضى له أنّه رأى أثرًا، فأخذ منه قبضة، فمَرَّ بهارون، فقال له هارون: يا سامريُّ، ألا تُلْقِي ما في يدك! وهو قابِضٌ عليه لا يراه أحدٌ طوال ذلك، فقال: هذه قبضة من أثر الرسول الذي جاوز بكم البحر، فلا ألقيها لشيء، إلا أن تدعوا الله إذا ألقيتها أن تكون ما أريد. قال: فألقِها. ودعا له هارونُ، فقال: أريد أن يكون عِجْلًا. فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع ونحاس أو حلي أو حديد فصار عجلًا أجوفَ، ليس فيه روحٌ، وله خُوار
عن عبد الله بن عباس، قال: لما أراد رسولُ الله ﷺ أن يهاجر إلى المدينة قال لأصحابه: «تفرَّقوا عني، فمَن كانت به قوة فليتأخر إلى آخر الليل، ومَن لم تكن به قوة فليذهب في أول الليل، فإذا سمعتم بي قد استقرَّت بي الأرض فالحقوا بي». فأصبح بلالٌ المؤذن، وخبّاب، وعمّار، وجارية من قريش كانت أسلمت؛ فأصبحوا بمكة، فأخذهم المشركون وأبو جهل، فعرضوا على بلال أن يكفر، فأبى، فجعلوا يضعون دِرعًا مِن حديد في الشمس، ثم يُلبسونها إياه، فإذا ألبسوها إياه قال: أحد، أحد. وأَمّا خبّاب فجعلوا يَجُرُّونه في الشَّوْك، وأمّا عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم تَقِيَّةً، وأما الجارية فوَتَّدَ لها أبو جهل أربعة أوتاد، ثم مَدَّها، فأدخل الحربة في قُبُلِها حتى قتلها، ثم خَلَّوا عن بلال وخباب وعمار، فلَحِقوا برسول الله ﷺ، فأخبروه بالذي كان من أمرهم، واشتد على عمار الذي كان تكلَّم به، فقال له رسول الله ﷺ: «كيف كان قلبك حين قلت الذي قلت، أكان منشرحًا بالذي قلت أم لا؟». قال: لا. قال: فأنزل الله: ﴿إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان﴾
عن أبي العالية الرِّياحِيِّ، قال: كان النبيُّ ﷺ وأصحابُه بمكة نحوًا مِن عشر سنين، يدعون إلى الله وحده، وعبادته وحده لا شريك له، سِرًّا وهم خائفون، لا يُؤمَرون بالقتال، حتى أُمِروا بالهجرة إلى المدينة، فقَدِموا المدينة، فأمرهم الله بالقتال، وكانوا بها خائفين، يُمْسون في السلاح، ويُصْبِحون في السلاح، فَغَبَروا بذلك ما شاء الله، ثم إنّ رجلًا مِن أصحابه قال: يا رسول الله، أبَدَ الدهر نحن خائفون هكذا! أما يأتي علينا يومٌ نأمن فيه، ونضع فيه السلاح؟ فقال رسول الله ﷺ: «لن تغبروا إلا يسيرًا حتى يجلس الرجلُ منكم في الملأ العظيم مُحْتَبِيًا ليست فيهم حديدة». فأنزل الله: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض﴾ إلى آخر الآية، فأظهر الله نبيَّه على جزيرة العرب، فأمِنوا، ووضعوا السلاح، ثمَّ إنّ الله قبض نبيه، فكانوا كذلك آمنين في إمارة أبي بكر وعمر وعثمان، حتى وقعوا فيما وقعوا، وكفروا النِّعمة، فأدخل الله عليهم الخوفَ الذي كان رُفِع عنهم، واتخذوا الحُجَر والشُّرَط، وغيَّروا؛ فغُيِّر ما بهم
عن جابر بن عبد الله، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنّ ابن آدم لفي غفلة عمّا خُلِق له؛ إنّ الله إذا أراد خلْقه قال للمَلك: اكتب رِزْقه، اكتب أثره، اكتب أجَله، اكتب شقيًّا أم سعيدًا. ثم يرتفع ذلك المَلك، ويبعث الله مَلَكًا فيحفظه حتى يُدرك، ثم يرتفع ذلك المَلك، ثم يوكّل الله به مَلكين يكتبان حسناته وسيئاته، فإذا حضره الموتُ ارتفع ذلك المَلكان، وجاء مَلك الموت ليقبض روحه، فإذا أُدخل قبره رُدَّ الروحُ في جسده، وجاءه ملكا القبر فامتحناه، ثم يرتفعان، فإذا قامت الساعة انحطّ عليه مَلك الحسنات ومَلك السيئات، فانتَشَطا كتابًا معقودًا في عُنقه، ثم حضرا معه واحد سائق وآخر شهيد». ثم قال الله تعالى: ﴿لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد﴾، قال رسول الله ﷺ: «وقول الله عز وجل: ﴿لتركبن طبقًا عن طبق﴾ [الانشقاق:١٩]، قال: حال بعد حال». ثم قال رسول الله ﷺ: «إنّ قُدّامَكم لأمرًا عظيمًا لا تَقْدُرونه؛ فاستعينوا بالله العظيم»
وجَّه ابنُ جرير (٢١/٤٣٤) قول ابن زيد بقوله: «وعلى هذا التأويل الذي قاله ابن زيد يجب أن يكون هذا الكلام خطابًا من الله لرسوله ﷺ أنه كان في غفلة في الجاهلية مِن هذا الدين الذي بعثه به، فكشف عنه غطاءَه الذي كان عليه في الجاهلية، فنفذ بصره بالإيمان وتبيَّنه حتى تقرر ذلك عنده، فصار حادّ البصر به». وبنحوه قال ابنُ عطية (٨/٤٤)، وكذا قال ابنُ كثير (١٣/١٩٠). وانتقده ابنُ عطية مستندًا للسياق، وظاهر الآية، فقال: «وهذا التأويل يضعف من وجوه: أحدها: أنّ الغفلة إنما تُنسب أبدًا إلى مقصّر، ومحمد ﷺ لا تقصير له قبل بعثه ولا بعده. وثانيها: أن قوله تعالى -بعد هذا-: ﴿وقال قرينه﴾ يقتضي أن الضمير إنما يعود على أقرب مذكور، وهو الذي يقال له: ﴿فبصرك اليوم حديد﴾ -وإن جعلناه عائدًا على ذي النفْس في الآية المتقدمة- جاء هذا الاعتراض لمحمد ﷺ بين الكلامين غير متمكن. فتأمله. وثالثها: أن معنى توقيف الكافر وتوبيخه على حاله في الدنيا يسقط، وهو أحرى بالآية وأولى بالرصف». وانتقده كذلك ابنُ كثير (١٣/١٩٠) مستندًا للسياق