قال مقاتل بن سليمان: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ نزلت في نصارى نجران الماريعقوبيين، منهم: السيد، والعاقب، وغيرهما، قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، ﴿وقالَ المَسِيحُ يا بَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ يعني: وحِّدوا الله ربي وربكم، ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ فيقول: إن الله هو المسيح ابن مريم، فيموت على الشرك ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ومَأْواهُ النّارُ وما لِلظّالِمِينَ﴾ يعني: وما للمشركين ﴿مِن أنْصارٍ﴾ يعني: من مانع يمنعهم من النار
عن عبد الله بن عباس -من طريق مقسم- قال: جاء العاقب والسيد، وكانا رأسي النصارى بنجران، فتكلّما بين يدي النبيِّ ﷺ بكلام شديد في القَدَر، والنبيُّ ﷺ ساكت ما يجيبهما بشيء حتى انصرفا، فأنزل الله: ﴿أكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِن أُولَئِكُمْ﴾ الذين كفروا وكذبوا بالله من قبلكم، ﴿أمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ الأول، في أول الكتاب، إلى قوله: ﴿ولَقَدْ أهْلَكْنا أشْياعَكُمْ﴾ الذين كفروا وكذّبوا بالقَدَر قبلكم، ﴿وكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ الأول، في أُمّ الكتاب، ﴿وكُلُّ صَغِيرٍ وكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ يعني: مكتوب. إلى آخر السورة
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جريج- في قوله: ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا﴾، قال: نزلت هذه الآية في النبي ﷺ، وفي أبي بكر رضوان الله عليه، وفي فِنحاص اليهودي سيد بني قينقاع، قال: بعث النبي ﷺ أبا بكر الصديق رحمه الله إلى فِنحاص يستمده، وكتب إليه بكتاب، وقال لأبي بكر: «لا تَفْتاتَنَّ عليَّ بشيء حتى ترجع». فجاء أبو بكر وهو مُتَوَشِّح بالسيف، فأعطاه الكتاب، فلما قرأه قال: قد احتاج ربكم أن نمده. فهَمَّ أبو بكر أن يضربه بالسيف، ثم ذكر قول النبي ﷺ: «لا تَفْتاتَنَّ عَلَيَّ بشيء حتى ترجع»، فكفَّ؛ ونزلت: ﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم﴾، وما بين الآيتين إلى قوله: ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم﴾. نزلت هذه الآيات في بني قينقاع، إلى قوله: ﴿فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك﴾
عن جابر بن عبد الله، قال: قدم على النبي ﷺ العاقِب والسَّيِّد، فدعاهما إلى الإسلام، فقالا: أسلَمنا، يا محمد. قال: «كذبتما، إن شئتما أخبرتُكما بما يمنعكما من الإسلام؟». قالا: فهات. قال: «حُبُّ الصليب، وشرب الخمر، وأكل لحم الخنزير». قال جابر: فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه على الغد، فغدا رسولُ الله ﷺ، وأخذ بيد عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيباه، وأقرّا له، فقال: «والذي بعثني بالحقِّ، لو فعلا لأمطر الوادي عليهما نارًا». قال جابر: فيهم نزلت: ﴿تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم﴾ الآية
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن أبي مُلَيْكة- قال: لَمّا همَّت به تَزَيَّنَتْ، ثُمَّ اسْتَلْقَتْ على فراشها، وهَمَّ بها، وجلس بين رِجْلَيها يَحُلُّ ثيابه، فنُودِيَ مِن السماء: يا ابن يعقوب، لا تكُن كطائِرٍ نُتِف ريشَه، فبَقِيَ لا ريش له. فلم يَتَّعِظْ على النِّداء شيئًا، حتى رأى برهان ربه؛ جبريل عليه السلام في صورة يعقوب، عاضًّا على إصبعَيه، ففَزِع، فخرَجت شهوتُه مِن أنامله، فوثَب إلى الباب، فوَجَدَه مُغْلَقًا، فرفع يوسفُ رجلَه، فضرب بها البابَ الأَدْنى، فانفَرَج له، واتَّبَعَته، فأَدْرَكَتْه، فوَضَعَتْ يديها في قميصه، فشقَّته حتى بلغت عَضَلَة ساقِه، فألفيا سيدها لدى الباب
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح-: مِن أنّ وفْد نجران مِن النصارى قدموا على رسول الله ﷺ، وهم أربعة عشر رجلًا مِن أشرافهم، منهم السيد وهو الكبير، والعاقب وهو الذي يكون بعده وصاحِبُ رأيِهم، فقال رسول الله ﷺ لهما: «أسْلِما». قالا: أسلَمنا. قال: «ما أسلمتما». قالا: بلى، قد أسلَمنا قبلك. قال: «كذبتما، يمنعكم من الإسلام ثلاثٌ فيكما: عبادتُكما الصليب، وأكلُكما الخنزير، وزعمُكما أنّ لله ولدًا». ونزل ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب﴾ الآية، فلما قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول. ونزل: ﴿فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم﴾ [آل عمران:٦١]
عن موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، قال: كنتُ عند مَسلمة بن مَخْلَد وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فتمثَّل مَسلمة ببيت مِن شعر أبي طالب، فقال: لو أنّ أبا طالب رأى ما نحن فيه اليوم مِن نعمة الله وكرامته لعلم أنّ ابن أخيه سيِّدٌ قد جاء بخير كثير. فقال عبد الله: ويومئذ قد كان سيِّدًا كريمًا قد جاء بخير كثير. فقال مَسلمة: ألم يقل الله: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى ووَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى﴾؟ فقال عبد الله: أمّا اليتيم فقد كان يتيمًا من أبويه، وأما العِيلة فكلّ ما كان بأيدي العرب إلى القِلة
بَيَّن ابنُ جرير (٦/٦٦٣) معنى الآية مستندًا إلى لغة العرب، وأقوال السلف، فقال: «ولكلكم أيها الناس جعلنا موالي. يقول: ورثة من بني عمه، وإخوته، وسائر عصبته غيرهم. والعرب تسمي ابن العم: المولى». واختار ابنُ عطية (٢/٥٣٧) معنى الورثة؛ لأنّه أعمّ في المعنى، فقال: «المولى في كلام العرب لفظةٌ يشترك فيها القريب القرابة، والصديق، والحليف، والمعتِق، والمعتَق، والوارث، والعبد فيما حكى ابن سيده، ويحسن هنا من هذا الاشتراك الورثة؛ لأنها تصلح على تأويل: ولكل أحد، وعلى تأويل: ولكل شيء، وبذلك فسر قتادة والسدي وابن عباس وغيرهم أنّ الموالي: العصبةُ والورثةُ»
قال كعب الأحبار: لَمّا أمْسَكَ نِيلُ مِصرَ عن الجَرْيِ؛ قالتِ القِبْطُ لفرعون: إن كُنتَ ربَّنا فأَجْرِ لنا الماءَ. فرَكِب، وأمر جنوده بالركوب، وكان مناديه يُنادي كلَّ ساعة: لِيَقِفَ فلانٌ بجنوده قائدًا قائدًا. فجعلوا يقفون على درجاتهم، وقفز حتى بقي هو وخاصَّتُه، فأمرهم بالوقوف حتى بقي في حُجّابه وخُدّامه، فأمرهم بالوقوف، وتقدَّم وحده بحيث لا يرونه، ونزل عن دابَّته، ولبس ثيابا أُخَر، وسجد وتضرع إلى الله، فأجرى الله تعالى له الماء، فأتاه جبريل وحده في هيئة مُسْتَفْتٍ، وقال: ما يقول الأمير في رجل له عَبْدٌ، قد نشأ في نعمته، لا سَيِّدَ له غيره، فكَفَرَ نعمتَه، وجحد حقَّه، وادَّعى السِّيادَة دونَه؟ فكتب فرعون: جزاؤُه أن يُغرَق في البحر
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، وذلك أنّ غلامًا لعامر بن الحضرمي القرشي يهوديًّا أعجميًّا كان يتكلم بالرومية، يسمى: يسار، ويكنى: أبا فكيهة، كان كفار مكة إذا رأوا النبي ﷺ يحدثه قالوا: إنما يعلمه يسار أبو فكيهة. فأنزل الله تعالى: ﴿ولَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهُمْ يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾... فضربه سيده، فقال: إنك تعلم محمدًا ﷺ. فقال أبو فكيهة: بل هو يعلمني. فأنزل الله عز وجل في قولهم: ﴿وإنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ العالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٢-١٩٣] لقولهم: إنما يعلم محمدًا ﷺ يسارٌ أبو فكيهة