عن محمد بن قيس -من طريق موسى- في قوله تعالى: ﴿ولا تَذَرُنَّ ودًّا ولا سُواعًا ولا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرًا﴾، قال: كانوا قومًا صالحين بين آدم ونوح عليهما السلام، وكان لهم أتباع يَقتدُون بهم، فلمّا ماتوا قال أصحابُهم الذين كانوا يَقتدُون بهم: لو صوّرناهم كان أشوَق لنا إلى العبادة إذا ذَكرناهم. فصوّروهم، فلمّا ماتوا وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسْقَون المطر. فعَبدوهم
قال مقاتل بن سليمان: ثم استثنى، فقال: ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ أجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، يعني: غير منقوص، لا يُمَنّ به عليهم، يقول: ليس الأجر في الهَرم إلا للمؤمنين، وذلك أنّ المؤمن إذا كَبِر ومرض كُتب له حسناته في كِبَره وما كان يعمل في شبابه وصِحّته لا ينقصه، ولا يُمنّ به عليه، وأمّا الكافر فإنه إذا شاخ وكَبِر خُتم له بالشرك، ووجبتْ له النار، فيموت واللهُ -تبارك وتعالى- عليه غضبان والملائكة والسموات والأرض
لم يذكر ابنُ جرير (١٧/٧٤) في معنى قوله تعالى: ﴿مِن هَذا﴾ سوى قول مجاهد أنّه القرآن. وذكر ابنُ عطية (٦/٣٠٦) في اسم الإشارة عدة احتمالات، فقال: «وقوله سبحانه: ﴿مِن هَذا﴾ يحتمل أن يشير إلى القرآن، ويحتمل أن يشير إلى كتاب الإحصاء، ويحتمل أن يشير إلى الأعمال الصالحة المذكورة قبل، أي: هم في غمرة مِن اطِّراحها وتركها، ويحتمل أن يشير إلى الدِّين بجملته، أو إلى محمد ﷺ. وكل تأويل من هذه قد قالته فرقة»
عن يعقوب بن عبد الرحمن الزُّهريّ، قال: سألتُ زيد بن أسلم عن قول الله: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ ونُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الوَعِيدِ وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ﴾، فقلتُ له: مَن يُراد بهذا؟ فقال: رسول الله. فقلتُ له: رسول الله - ﷺ -؟! فقال: وما تُنكِر! قد قال الله: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى ووَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٦ - ٧]، قال: ثم سألتُ صالح بن كيسان عنها، فقال لي: هل سألتَ أحدًا قبلي؟ فقلت: نعم، قد سألتُ زيد بن أسلم. فقال: وما قال لك؟ فقلتُ له: بل تخبرني ما تقول فيه. فقال: لأخبرنّك برأيي الذي عليه رأي، فأخْبِرني ما قال لك زيد. قال: قلتُ: يراد بهذا رسول الله. فقال: وما عِلْمُ زيد؟! واللهِ، ما من سِنّ عالية، ولا لسان فصيح، ولا معرفة بكلام العرب، إنما يراد بهذا الكافر. ثم قال: اقرأ ما بعدها يدلّك على ذلك، قال: ثم سألتُ الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، فقال لي مثلما قال صالح: هل سألتَ أحدًا؟ فأخبرته أني قد سألتُ زيد بن أسلم وصالح بن كيسان، فقال: ما قالا لك؟ فقلتُ: بل، تخبِرني بقولك. قال: لأخبرنّك بقولي. فأخبرتُه بالذي قالا لي، قال: فإني أخالفهما جميعًا، يراد بهذا البرّ والفاجر، قال الله: ﴿وجاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ ما كُنْتَ مِنهُ تَحِيدُ﴾، ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]. قال: فانكشف الغطاء عن البرّ والفاجر، فرأى كلٌّ ما يصير إليه
بشرى الآخرة: الجنَّة، قولًا واحدًا. واختُلِف في بُشرى الدنيا على قولين: أولها: أنّها الرؤية الصالحة يراها الرجل المسلم أو تُرى له. وثانيها: أنها بشارة يُبَشَّر بها المؤمن في الدنيا عند الموت. وزاد ابنُ تيمية (٣/٤٨٩) قولًا ثالثًا، وهو أنّ بشرى الدنيا: ثناء الناس عليه. وزاد ابنُ عطية (٤/٤٩٩) قولًا رابعًا، وهو أنّ بشرى الدنيا: ما في القرآن مِن الآيات المبشرات. وقال: «ويقْوى ذلك بقوله تعالى في هذه الآية: ﴿لا تبديل لكلمات الله﴾». ثم علَّقَ قائلًا: «وإن كان ذلك كله يعارضه قول النبي ﷺ: «هي الرؤيا». إلا إن قلنا: إنّ النبي ﷺ أعطى مثالًا مِن البشرى، وهي تعم جميع الناس». وذَهَبَ ابنُ جرير (١٢/٢٢٥) إلى عموم لفظ البشرى؛ لدلالة القرآن، والسنّة، وعدم المُخصّص، فقال: «وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- أخبر أنّ لأوليائه المتقين البشرى في الحياة الدنيا، ومِن البشارة في الحياة الدنيا: الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو تُرى له. ومنها: بشرى الملائكة إيّاه عند خروج نَفْسِه برحمة الله، كما روي عن النبي ﷺ: «أن الملائكة التي تحضره عند خروج نفسه، تقول لنفسه: اخرجي إلى رحمة الله ورضوانه». ومنها: بشرى الله إيّاه ما وعده في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من الثواب الجزيل، كما قال -جلَّ ثناؤه-: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ الآية [البقرة:٢٥]، وكل هذه المعاني من بشرى الله إيّاه في الحياة الدنيا بشَّره بها، ولم يخصُص الله من ذلك معنى دون معنى، فذلك مما عمَّه -جل ثناؤه- أنّ لهم البشرى في الحياة الدنيا، وأما في الآخرة فالجنة»
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ - -من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح-: إنّ مَلَك الموت لَمّا بُعِث ليَأْخُذ من الأرض تُرْبَة آدم؛ أخَذ من وجْه الأرض، وخَلَط، فلم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء؛ فلذلك خرج بنو آدم مختلفين، ولذلك سُمِّي: آدم؛ لأنه أُخِذ من أدِيم الأرض
عن كعب الأحبار -من طريق معاوية بن صالح- قال: لَمّا رأى عيسى قِلَّة مَن اتَّبَعَه، وكثرة مَن كَذَّبَه، شكا ذلك إلى الله، فأوحى الله إليه: ﴿إني متوفيك ورافعك إلي﴾، وليس مَن رفعته عندي ميتًا، وإنِّي سأبعثك على الأعور الدجال فتقتله، ثم تعيش بعد ذلك أربعًا وعشرين سنة، ثم أميتك ميتة الحي. قال كعب: وذلك تصديق حديث رسول الله ﷺ حيث قال: «كيف تهلك أمة أنا في أولها، وعيسى في آخرها؟!»
عن الحسن البصري -من طريق أبي صالح [الهذيل بن حبيب]- في قوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين ببابل﴾، قال: وكان هاروت وماروت مطيعين لله عز وجل، هبطا بالسحر ابتلاء من الله لخلقه، وعهد إليهما عهدًا أن لا يُعَلِّما أحدًا سحرًا حتى يقولا له مقدمة: ﴿إنما نحن فتنة﴾ يعني: محنة وبلوى، ﴿فلا تكفر﴾ فإذا أبى عليهما إلا تعليم السحر قالا له: اذهب إلى موضع كذا وكذا، فإنك إذا أتيته وفعلت كذا وكذا كنت ساحرًا
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله عز وجل: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء﴾: هم قتلى بدر وأُحد، وقُتِل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا، وذلك أنهم يقولون لقتلى بدر: مات فلان. فنزلت: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله﴾ يعني: في طاعة الله ﴿أموات بل أحياء عند ربهم﴾ في الجنة ﴿يرزقون﴾ يعني: يُطْعَمُون التُّحَف في الجنة بغير حساب من حيث شاؤوا
عن أبي الطفيل -من طريق عبد العزيز بن رفيع- قال: قال ثمود لصالح: ائْتِنا بآيةٍ إن كنتَ مِن الصادقين. قال: اخرُجوا. فخرَجوا إلى هضبةٍ من الأرض، فإذا هي تَمخَّضُ كما تَمخَّضُ الحاملُ، ثم إنها انفرَجت، فخرَجت الناقة مِن وسطِها، فقال صالح: ﴿هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم﴾ [الأعراف:٧٣]، ﴿لها شرب ولكم شرب يوم معلوم﴾ [الشعراء:١٥٥]. فلمّا ملُّوها عقروها،