قال ابنُ عطية (٧/١٢٨): «قال لنا أبي رضي الله عنه: هذه مِن أرجى آية عندي في كتاب الله تعالى؛ لأن الله تعالى أمر نبيه أن يبشر المؤمنين بأن لهم عنده فضلًا كبيرًا، وقد بَيَّنَ الله تعالى الفضل الكبير ما هو في قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير﴾ [الشورى:٢٢]، فالآية التي في هذه السورة خبر، والتي في (حم عسق) تفسير لها»
اختُلف في معنى: ﴿إذا تَرَدّى﴾ في هذه الآية على قولين: الأول: إذا سقط في جهنم فهوى. الثاني: إذا مات. ورجَّح ابنُ جرير (٢٤/٤٧٥) القول الأول مستندًا إلى الأغلب لغة، وهو قول ابن عباس، وأبي صالح، وقتادة، وعلَّل ذلك بقوله: «لأن ذلك هو المعروف من التَّردِّي، فأما إذا أريد معنى الموت فإنه يقال: رَدِي فلانٌ، وقلَّما يُقال: تردّى». وزاد ابنُ عطية (٨/٦٣٥) عن قوم أن المعنى: «تردّى بأكفانه من الرداء». واستشهد ببيتٍ من الشعر
عن محارِب بن دِثار -من طريق عطاء بن السائب-: أنّ ناسًا مِن أصحابِ النبي ﷺ شَرِبوا الخمرَ بالشام، فقال لهم يزيدُ بن أبي سفيان: شَرِبْتم الخمرَ؟ فقالوا: نعم، يقول الله: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾ حتى فرَغوا من الآية. فكتَب فيهم إلى عمر، فكتَب إليه: إنْ أتاك كتابي هذا نهارًا فلا تنتظِرْ بهم الليلَ، وإنْ أتاك ليلًا فلا تنتظِرْ بهم النهارَ حتى تَبعَثَ بهم إلَيَّ؛ لا يفْتِنوا عبادَ الله. فبعَث بهم إلى عمر، فلمّا قَدِموا على عمر قال: شَرِبْتُم الخمر؟ قالوا: نعم. فتَلا عليهم: ﴿إنما الخمر والميسر﴾ إلى آخر الآية. قالوا: اقرَأَ التي بعدها: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾. قال: فشاوَر فيهم الناس، فقال لعليٍّ: ما تَرى؟ قال: أرى أنّهم شرَعوا في دين الله ما لم يأذَنِ اللهُ فيه، فإن زعَموا أنها حلالٌ فاقْتُلْهم، فقد أحلُّوا ما حرَّم الله، وإن زعَموا أنها حرامٌ فاجْلِدْهم ثمانينَ ثمانين، فقد افْتَرَوا على الله الكذب، وقد أخبَرنا الله بحدِّ ما يَفْترِي به بعضُنا على بعض. قال: فجلَدهم ثمانينَ ثمانينَ
عن سمرة بن جندب -من طريق الحسن البصري- قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا توضأ العبدُ لصلاة مكتوبة، فأسبغ الوضوء، ثم خرج من باب داره يريد المسجد، فقال حين يخرج: باسم الله ﴿الذي خلقني فهو يهدين﴾. هداه الله للصواب -ولفظ ابن مردويه: لصواب الأعمال-، ﴿والذي هو يطعمني ويسقين﴾. أطعمه الله من طعام الجنة، وسقاه من شراب الجنة، ﴿واذا مرضت فهو يشفين﴾. شفاه الله، وجعل مرضه كفارة لذنوبه، ﴿والذي يميتني ثم يحيين﴾. أحياه الله حياة السعداء، وأماته ميتة الشهداء، ﴿والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين﴾. غفر الله له خطاياه كلها، وإن كانت أكثر مِن زَبَد البحر، ﴿رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين﴾. وهب الله له حكمًا، وألحقه بصالح مَن مضى، وصالح مَن بقي، ﴿واجعل لي لسان صدق في الآخرين﴾. كتب في ورقة بيضاء: إنّ فلان بن فلان من الصادقين. ثم يوفقه الله بعد ذلك للصدق، ﴿واجعلني من ورثة جنة النعيم﴾. جعل الله له القصور والمنازل في الجنة». وكان الحسن يزيد فيه: «واغفر لوالدي كما ربياني صغيرًا»
عن عبد الله بن مُغفَّل -من طريق ثابت- قال: كُنّا مع رسول الله ﷺ في أصل الشجرة التي قال الله تعالى في القرآن، وكان يقع مِن أغصان تلك الشجرة على ظهْر رسول الله ﷺ، وعلي بن أبي طالب وسُهيل بن عمرو بين يديه، فقال رسول الله ﷺ لِعَليٍّ: «اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم». فأخذ سُهيل بيده، قال: ما نعرف الرحمن ولا الرحيم، اكتب في قضيّتنا ما نعرف. قال: «اكتب: باسمك اللهم». وكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله أهل مكة. فأمسك سُهيل بيده، وقال: لقد ظلمناك إن كنتَ رسوله، اكتب في قضيّتنا ما نعرف. فقال: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله». فبَيْنا نحن كذلك إذ خرج علينا ثلاثون شابًّا عليهم السلاح، فثاروا في وجوهنا، فدعا عليهم رسولُ الله ﷺ، فأخذ الله بأسماعهم -ولفظ الحاكم: بأبصارهم-، فقمنا إليهم، فأخذناهم، فقال لهم رسول الله ﷺ: «هل جئتم في عَهد أحد -أو هل جعل لكم أحد أمانًا-؟». فقالوا: لا. فخَلّى سبيلهم؛ فأنزل الله: ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾
ذكر ابنُ جرير (١٢/٤٣٥-٤٣٦) هذا الحديث ضمن مستندات مَن قرأ ذلك على وجه الخبر بالفعل الماضي، وانتقد ذلك مستندًا إلى مخالفته قراء الأمصار بقوله: «ولا نعلم هذه القراءة قرأ بها أحد من قراء الأمصار إلا بعض المتأخرين، واعتل في ذلك بخبرٍ رُوِي عن رسول الله ﷺ أنّه قرأ ذلك كذلك غير صحيح السند، وذلك حديث روي عن شهر بن حوشب؛ فمرة يقول: عن أم سلمة، ومرة يقول: عن أسماء بنت يزيد، ولا نعلم لبنت يزيد، ولا نعلم لشهر سماعًا يصح عن أم سلمة». ثم رجّح ابنُ جرير مستندًا إلى الحُجَّة من قراء الأمصار مَن قرأ ذلك ﴿عملٌ﴾ بالتنوين، فقال: «والصواب من القراءة في ذلك عندنا ما عليه قراء الأمصار، وذلك رفع ﴿عمل﴾ بالتنوين، ورفع ﴿غير﴾، يعني: إنّ سؤالك إيّاي ما تسألنيه في ابنك المخالف دينك المُوالي أهل الشرك بي مِن النجاة مِن الهلاك، وقد مضت إجابتي إيّاك في دعائك: ﴿لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا﴾ [نوح:٢٦] ما قد مضى مِن غير استثناء أحد منهم؛ عمل غير صالح؛ لأنه مسألة منك إلَيَّ أن لا أفعل ما قد تقدم مِنِّي القول بأنِّي أفعله في إجابتي مسألتك إيّاي فعله، فذلك هو العمل غير الصالح»
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبي، عن أبي صالح- في قوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ في الآخرة، يفتح لهم بابًا في جهنم من الجنة، ثم يقال لهم: تعالَوا. فيُقْبِلون يَسْبَحُون في النار، والمؤمنون على الأرائك -وهي السُّرُر في الحِجال - ينظرون إليهم، فإذا انتهوا إلى الباب سُدَّ عنهم، فضحك المؤمنون منهم، فذلك قول الله: ﴿الله يستهزئ بهم﴾ في الآخرة، ويضحك المؤمنون منهم حين غُلِّقَت دونهم الأبواب، فذلك قوله: ﴿فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون﴾ [المطففين: ٣٤]
قال عبد الله بن عباس -من طريق أبي صالح-: أمر الله تعالى جبلًا من جبال فلسطين فانقلع من أصله، حتى قام على رءوسهم، وذلك لأنّ الله تعالى أنزل التوراة على موسى عليه السلام، فأمر موسى قومه أن يقبلوها ويعملوا بأحكامها، فأبوا أن يَقْبَلُوها للآصارِ والأثقال التي هي فيها، وكانت شريعةً ثقيلة، فأمر الله تعالى جبريل عليه السلام فقلع جبلًا على قدر عسكرهم، وكان فرسخًا في فرسخ، فرفعه فوق رؤوسهم مقدار قامة الرجل كالظُّلَّة، وقال لهم: إن لم تقبلوا التوراة أرسلت هذا الجبل عليكم
عن عبد الله بن عباس -من طريق الكلبيِّ، عن أبي صالح- في قوله: ﴿يسألونك عن الأهلة﴾، قال: نزلت في معاذ بن جبل، وثعلبة بن عَنَمَةَ، وهما رجلان من الأنصار، قالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو ويطلع دقيقًا مثل الخيط، ثم يزيد حتى يعظم، ويستوي ويستدير، ثم لا يزال ينقص ويَدِقُّ حتى يعود كما كان، لا يكون على حال واحد؟ فنزلت: ﴿يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس﴾. قُل: هي مواقيت للناس في حَلِّ دَيْنِهم، ولصَوْمِهم، ولفِطْرِهم، وعِدَّةِ نسائِهم، والشروط التي تنتهي إلى أجل معلوم
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ --من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- قالوا: لَمّا صُرِف النبي - ﷺ - نحو الكعبة بعد صلاته إلى بيت المقدس؛ قال المشركون منأهل مكة: تحيَّر على محمد دينُه، فتَوَجَّه بقبلته إليكم، وعلم أنّكم أهدى مِنه سبيلًا، ويُوشك أن يَدْخُل في دينكم. فأنزل الله: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني﴾