ذكر ابنُ جرير (١٩/٣٩٣) في قوله تعالى: ﴿اسْتِكْبارًا فِي الأَرْضِ ومَكْرَ السَّيِّء﴾ أن المَكْر أُضيف إلى السِّيِّئ، «والسيء من نعت المكر، كما قيل: ﴿إنَّ هَذا لَهُوَ حَقُّ اليَقِينِ﴾ [الواقعة:٩٥]». ثم ذكر قراءة ابن مسعود، ثم علَّق عليها بقوله: «وفي ذلك تحقيق القول الذي قلناه مِن أن السيئ في المعنى من نعت المكر»
ذكر ابنُ عطية أن قوله: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾ معناه: إذا أراد الله إرسال رسول وبعثة نبي قضى ذلك وأنفذه بالحق، وخسر كل مبطل، وحصل على فساد آخرته. ثم أورد احتمالًا آخر، فقال: «وتحتمل الآية معنى آخر، وهو أن يريد بـ﴿أمْرُ اللَّهِ﴾: القيامة؛ فتكون الآية توعُّدًا لهم بالآخرة»
عن أنس بن مالك، قال: خرج عمرُ بنُ الخطاب مُتَقَلِّدًا بالسيف، فلقِيَهُ رجلٌ مِن بني زُهْرَة، فقال له: أين تغدو، يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدًا. قال: وكيف تأمن بني هاشم وبني زُهْرَة؟ فقال له عمر: ما أراك إلا قد صَبَأتَ وتركت دينك! قال: أفلا أدُلُّك على العجب؟ إنّ أختك وخَتَنَك قد صَبَوا وتركا دينك. فمشى عمرُ ذامِرًا حتى أتاهما وعندهما خَبّابٌ، فلما سمع خبّاب بحِسِّ عمر توارى في البيت، فدخل عليهما، فقال: ما هذه الهَيْنَمَةُ التي سمعتها عندكم؟ وكانوا يقرأون طه، فقالا: ما عدا حديثًا تحدَّثنا به. قال: فلعلَّكما قد صَبَوتُما. فقال له خَتَنُه: يا عمر، إن كان الحق في غير دينك؟ فوَثَب عمرُ على خَتَنِه، فوَطِئه وطأ شديدًا، فجاءت أختُه لتدفعه عن زوجها، فنَفَحَها نَفَحَة بيده، فدمّى وجهَها، فقال عمر: أعطُوني الكتابَ الذي هو عندكم فأقرأه. فقالت أختُه: إنّك رجس، وإنّه لا يمسه إلا المطهرون، فقم فتوضأ. فقام فتوضأ، ثم أخذ الكتاب، فقرأ: ﴿طه﴾ حتى انتهى إلى ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾. فقال عمر: دُلُّوني على محمد. فلما سمع خبّابٌ قولَ عمر خرج من البيت، فقال: أبشِر، يا عمر، فإنِّي أرجو أن تكون دعوةَ رسول الله ﷺ لك ليلة الخميس: «اللَّهُمَّ، أعِزَّ الإسلامَ بعمر بن الخطاب، أو بعمرو بن هشام». فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ، فأسلم
اختُلِف في تفسير قوله: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ على قولين: الأول: وأحضرت أنفُسُ النساء الشح على أنصبائهن من أنفُس أزواجهن، وأموالهم. والثاني: وأحضرت نفسُ كل واحدٍ من الرجل والمرأة الشحَّ بحقه قِبَل صاحبه. ورجَّح ابنُ جرير (٧/٥٦٤-٥٦٦ بتصرف) القول الأول، وانتَقَد الثاني مستندًا إلى أقوال السلف، والدلالات العقلية، فقال: «لأن مصالحة الرجل امرأته بإعطائه إياها من ماله جُعْلًا على أن تصفح له عن القَسْم لها غير جائزة؛ وذلك أنه غير معتاض عوضًا من جُعْله الذي بذله لها، والجُعْل لا يصح إلا على عِوض: إما عين، وإما منفعة. والرجل متى جعل للمرأة جُعْلًا على أن تصفح له عن يومها وليلتها فلم يملك عليها عينًا ولا منفعة. وإذْ كان ذلك كذلك كان ذلك من معاني أكل المال بالباطل، وإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أنه لا وجه لقول مَن قال: عنى بذلك الرجل والمرأة. فإن ظن ظانٌّ أن ذلك إذْ كان حقًّا للمرأة، ولها المطالبة به، فللرجل افتداؤه منها بجُعل، فإنّ شُفْعَة المستشفِع في حِصَّة من دارٍ اشتراها رجل من شريكٍ له فيها حقُّ المطالبة بها، فقد يجب أن يكون للمطلوب افتداءُ ذلك منه بجُعل. وفي إجماع الجميع على أن الصلح في ذلك على عِوض غيرُ جائز؛ إذ كان غير مُعتاض منه المطلوب في الشُّفْعة عينًا ولا نفعًا ما يدل على بُطول صلح الرجل امرأته على عوض، على أن تصفح عن مطالبتها إياه بالقسمة لها». ورجَّح ابنُ عطية (٣/٣٧) قول ابن زيد مستندًا لدلالة العقل بقوله: «وهذا أحسن، فإنّ الغالب على المرأة الشح بنصيبها من زوجها، والغالب على الرجل الشح بنصيبه من الشابة»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية العوفي- في قوله: ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾، قال: إنّ داود قال: يا رب، قد أعطيتَ إبراهيم وإسحاق ويعقوب مِن الذِّكر ما لو وددتُ أنك أعطيتني مثله. قال الله عز وجل: إنِّي ابتليتُهم بما لم أبتلِك به، فإن شئتَ ابتليتُك بمثل ما ابتليتُهم به، وأعطيتُك كما أعطيتُهم. قال: نعم. قال له: فاعمل حتى أرى بلاءَك. فكان ما شاء الله أن يكون، وطال ذلك عليه، فكاد أن ينساه، فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة، فأراد أن يأخذها، فطارت على كُوَّة المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت، فاطلع مِن الكوَّة، فرأى امرأة تغتسل، فنزل من المحراب، فأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أنّ زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السرية أن يُؤَمِّره على السرايا؛ ليهلك زوجها، ففعل، فكان يصاب أصحابه وينجو، وربما نُصروا، وإنّ الله عز وجل لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنقذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان مِن قِبل وجهه، فلما رآهما وهو يقرأ فزع وسكت، وقال: لقد استُضعفتُ في مُلكي، حتى إنّ الناس يتسوّرون عَلَيَّ محرابي! فقالا له: ﴿لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾، ولم يكن لنا بُدّ من أن نأتيك، فاسمع منا. فقال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة أنثى، ولي نعجة واحدة، فقال: أكفلنيها، يريد أن يتمّم بها مائة، ويتركني ليس لي شيء، ﴿وعَزَّنِي فِي الخِطابِ﴾. قال: إن دعوتُ ودعا كان أكثر مني، وإن بطشتُ وبطش كان أشد مني. فذلك قوله: ﴿وعَزَّنِي فِي الخِطابِ﴾. قال له داود: أنت كنتَ أحوج إلى نعجتك منه، ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعاجِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وقَلِيلٌ ما هُمْ﴾، ونسي نفسَه ﷺ، فنظر الملَكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسّم أحدهما إلى الآخر، فرآه داود، فظن أنما فُتن، ﴿فاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وخَرَّ راكِعًا وأَنابَ﴾ أربعين ليلة، حتى نبتت الخضرة مِن دموع عينيه، ثم شدَّد الله مُلكَه
عن قتادة -من طريق سعيد- قوله: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها﴾، أي: إن الله لا يستحيي من الحق أن يذكر منه شيئًا، قَلَّ منه أو كَثُر. إنّ الله -جَلَّ ذكرُه- حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة: ما أراد الله من ذِكْرِ هذا؟ فأنزل الله: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب﴾ يعني: التوراة، ﴿والفرقان﴾ يعني: النصر حين فرق بين الحق والباطل، ونصر موسى، وأَهْلَك فرعون. نظيرها في الأنفال [٤١] قوله سبحانه: ﴿وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان﴾ يعني: يوم النصر ﴿يوم التقى الجمعان﴾ فنصر الله عز وجل المؤمنين، وهزم المشركين
عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ لجابر: «ألا أُبَشِّرُكَ؟». قال: بلى. قال: «شعرت أنّ الله أحيا أباك، فأقعده بين يديه، فقال: تمنَّ عَلَيَّ ما شئتَ أُعطيكَه؟ قال: يا رب، ما عبدتُك حقَّ عبادتك، أتمنى أن تَرُدَّني إلى الدنيا؛ فأُقتل مع نبيك مرة أخرى. قال: سبق مِنِّي أنّك إليها لا ترجع»
عن ابن جريج، قال: قلت لعطاء [بن أبي رباح]: قوله: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا﴾، قال: كانوا يستفتحون على كفار العرب بخروج النبي ﷺ، ويرجون أن يكون منهم، فلما خرج ورأوه ليس منهم كفروا، وقد عرفوا أنه الحق، وأنه نبيٌّ ﷺ، قال الله: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين﴾
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾، قال: مَن آمن برسول الله من بني إسرائيل وبالتوراة. وقرأ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾، قال: مَن كفر بالنبي ﷺ من يهود ﴿فأولئك هم الخاسرون﴾