اختلف السلف في النسك، أي شيء هو؟ فقال بعضهم: هو عيدهم. وقال آخرون: إهراق الدم. وقد رجّح ابنُ جرير (١٦‏/‏٦٢٧ بتصرف) مستندًا إلى دلالة العقل والواقع القول الثاني، مُعَلِّلًا ذلك بقوله: «لأنّ المناسك التي كان المشركون جادلوا فيها رسول الله ﷺ كانت إراقة الدم في أيام النحر بمنى، على أنهم قد كانوا جادلوه في إراقة الدماء التي هي دماء ذبائح الأنعام بما قد أخبر الله عنهم في سورة الأنعام، غير أنّ تلك لم تكن مناسك، فأمّا التي هي مناسك فإنما هي هدايا أو ضحايا؛ ولذلك قلنا: عنى بالمنسك في هذا الموضع: الذبح، الذي هو بالصفة التي وصفنا»

سورة البقرة — الآية ٣٠

عن ابن سابط، أنّ النبي ﷺ قال: «دُحِيَت الأرض من مكة، وكانت الملائكة تطوف بالبيت، فهي أول من طاف به، وهي الأرض التي قال الله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾. وكان النبيُّ إذا هلك قومُه، ونجا هو والصالحون؛ أتاها هو ومن معه، فيعبدون الله بها حَتّى يموتوا فيها، وإنّ قبر نوح، وهود، وشعيب، وصالح بين زمزم وبين الركن والمقام»[[أخرجه ابن عساكر في تاريخه ٧٤/٩٠ مختصرًا، وابن جرير ١/٤٧٦ واللفظ له، وابن أبي حاتم ١/٧٦ (٣١٧) مختصرًا. قال ابن كثير في تفسيره ١/٢١٧: «وهذا مرسل، وفي سنده ضعف».]][[c=١٣٦]]

ساق ابنُ جرير (١١‏/‏٣٤٨-٣٤٩) آثار النسخ الواردة في هذه الآية بعد تفسيره للآية التالية لها، وهي قول الله تعالى: ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثم أبلغه مأمنه﴾، وذكر من ذلك قولَ ابن زيد السابق، واستفادَ منه ابن جرير (١١‏/‏٣٤٩) أنّ الآية ليست بمنسوخةٍ، وهو اختياره؛ لعدم الدليل، ولا تعارض بين النصَّيْن. وقد حكى ابنُ عطية (٤‏/‏٢٦١، ٢٦٣) اختلافًا في النسخ في كلتا الآيتين. ولم يحكِ ابنُ كثير (٧‏/‏١٥٠) النسخَ إلا في هذه الآية، دون التالية لها، ودون إشارة لأثر ابن زيد

انتقد ابنُ جرير (١٦‏/‏٤٩٥-٤٩٦) مستندًا إلى مخالفة السنة وأقوال السلف قولَ عبد الله بن السري، ومقاتل، ويحيى بن سلام في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ولَهُمْ مَقامِعُ﴾، فقال مستدلًّا بحديث أبي هريرة: «والخبر عن رسول الله ﷺ الذي ذكرنا يدُلُّ على خلاف ما قال هذا القائل، وذلك أنّه ﷺ أخبر أن الحميم إذا صُبَّ على رءوسهم نَفَذَ الجُمْجُمة حتى يَخْلُص إلى أجوافهم، وبذلك جاء تأويل أهل التأويل، ولو كانت المقامع قد ثقبتْ رءوسهم قبل صَبِّ الحميم عليها لم يكن لقوله ﷺ: «إنّ الحميم يَنفُذُ الجمجمة» معنًى، ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما قال هذا القائل»

سورة المائدة — الآية ١٠٣

قال مقاتل بن سليمان: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ﴾ حرامًا ﴿مِن بَحِيرَةٍ﴾ لقولهم: إنّ الله أمرنا بها... ، والبحيرة: الناقة إذا ولدت خمسة أبطن؛ فإذا كان الخامس سقبًا -وهو الذكر- ذبحوه للآلهة، فكان لحمه للرجال دون النساء، وإن كان الخامس ربعة -يعني: أنثى- شقوا أذنيها، فهي البحيرة، وكذلك من البقر، لا يُجَزُّ لها وبر، ولا يذكر اسم الله عليها إن رُكبت أو حُمل عليها، ولبنها للرجال دون النساء. وأما السائبة: فهي الأنثى من الأنعام كلها، كان الرجل يسيِّب للآلهة ما شاء من إبله وبقره وغنمه، ولا يسيِّب إلا الأنثى، وظهورها وأولادها وأصوافها وأوبارها وأشعارها وألبانها للآلهة، ومنافعها للرجال دون النساء. وأما الوصيلة: فهي الشاة من الغنم، إذا ولدت سبعة أبطن عمدوا إلى السابع؛ فإن كان جديًا ذبحوه للآلهة، وكان لحمه للرجال دون النساء، وإن كانت عَناقًا استحيوها، فكانت من عرض الغنم.... وإن وضعته ميتًا أشرك في أكله الرجال والنساء، فذلك قوله عز وجل: ﴿وإنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ﴾ [الأنعام:١٣٩] بأن ولدت البطن السابع جديًا وعناقًا، قالوا: إنّ الأخت قد وصلت أخاها، فحرّمته علينا. فحرما جميعًا، فكانت المنفعة للرجال دون النساء. وأما الحام: فهو الفحل من الإبل، إذا ركب أولاد أولاده، فبلغ ذَلِكَ عشرة أو أقل من ذلك، قالوا: قد حمى هذا ظهره، فأحرز نفسه. فيُهلّ للآلهة، ولا يُحمل عليه، ولا يُركب، ولا يُمنع من مرعًى، ولا ماء، ولا حمى، ولا يُنحر أبدًا حتى يموت موتًا. فأنزل الله عز وجل: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ﴾ حرامًا ﴿مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾

سورة طه — الآية ٨٨

عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- قال: كان السامريُّ رجلًا من أهل باجَرْما، وكان من قوم يعبدون البقر، فكان حبُّ عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام في بني إسرائيل، فلمّا فصل موسى إلى ربه قال لهم هارون: إنكم قد حُمِّلتم أوزارًا مِن زينة القوم -آل فرعون- ومتاعًا وحليًّا، فتطهروا منها؛ فإنها رجس. وأوقد لهم نارًا، فقال: اقذفوا ما معكم مِن ذلك فيها. فجعلوا يأتون بما معهم فيقذفون فيها، ورأى السامريُّ أثر فرس جبريل، فأخذ ترابًا مِن أثر حافره، ثم أقبل إلى النار، فقال لهارون: يا نبيَّ الله، أُلْقِي ما في يدي؟ قال: نعم. ولا يظنُّ هارون إلا أنه كبعض ما جاء به غيره مِن ذلك الحلي والأمتعة، فقذفه فيها، فقال: كُن عجلًا جسدًا له خوار. فكان؛ للبلاء والفتنة، فقال: ﴿هذا إلهكم وإله موسى﴾. فعكفوا عليه، وأحبوه حبًّا لم يحبوا مثله شيئًا قط. يقول الله: ﴿فنسي﴾ أي: ترك ما كان عليه من الإسلام، يعني: السامري، ﴿أفلا يرون أن لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا﴾. وكان اسمُ السامري: موسى بن ظَفَر، وقع في أرض مصر، فدخل في بني إسرائيل، فلما رأى هارون ما وقعوا فيه قال: ﴿يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾. فأقام هارون في مَن معه من المسلمين مِمَّن لم يُفْتَتَنْ، وأقام مَن يعبد العجل على عبادة العجل، وتخوَّف هارونُ إن سار بمن معه من المسلمين أن يقول له موسى: ﴿فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي﴾. وكان له هائبًا مطيعًا

سورة سبأ — الآية ٢٣

عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- في قوله عز وجل: ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، قال: كان لكلِّ قَبيلٍ مِن الجن مقعد مِن السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحيُ سُمِع له صوت كإمرار السلسلة على الصفوان، فلا ينزل على أهل سماء إلا صَعقوا، ﴿حَتّى إذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الحَقَّ وهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ﴾ وإن كان مما يكون في الأرض من أمر غيبٍ أو موت أو شيء مما يكون في الأرض تكلّموا به، فقالوا: يكون كذا، وكذا. فسمعته الشياطين، فنزلوا به على أوليائهم، يقولون: يكون العام كذا، ويكون كذا. فيسمعه الجن، فيخبرون الكهنة به، والكهنة تخبر به الناس: يكون كذا وكذا. فيجدونه كذلك، فلما بعث الله محمدًا ﷺ دُحِروا بالنجوم، فقالت العرب حين لم يخبرهم الجن بذلك: هلك مَن في السماء. فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرًا، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، وصاحب الغنم شاة، حتى أسرعوا في أموالهم، فقالت ثقيف -وكانت أعقل العرب-: أيها الناس، أمسِكوا عليكم أموالكم؛ فإنه لم يمت مَن في السماء، وإنّ هذا ليس بانتشار، ألستم ترون معالمكم مِن النجوم كما هي، والشمس والقمر والليل والنهار؟! قال: فقال إبليس: لقد حدث اليومَ في الأرض حدث، فائتوني مِن تربة كل أرض. فأَتَوه بها، فجعل يشمها، فلما شمَّ تربة مكة قال: مِن هاهنا جاء الحدث. فنقبوا، فإذا رسول الله ﷺ قد بُعِث

رجَّحَ ابنُ جرير (٢‏/‏٩٧) مستندًا في ذلك إلى الحديث النبويّ، وإجماع السلف أنّ بني إسرائيل لو كانوا أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. وقال مُعَلِّقًا على تلك الأقوال (٢‏/‏١٠١-١٠٢بتصرف): «وهذه الأقوال التي ذكرناها عمن ذكرناها عنه من الصحابة والتابعين والخالفين بعدهم من قولهم: إنّ بني إسرائيل لو كانوا أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. مِن أوضح الدَّلالة على أنّ القوم كانوا يرون أنّ حُكْم الله فيما أمر ونهى في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ على العُمُوم الظاهر دون الخُصُوص الباطن، إلا أن يخُصَّ بعض ما عَمَّهُ ظاهرُ التنزيل كتاب من الله أو رسول الله، وأنّ التنزيل أو الرسول إنْ خَصَّ بعض ما عَمَّهُ ظاهر التنزيل بحكم خلاف ما دَلَّ عليه الظاهر، فالمَخْصُوصُ من ذلك خارجٌ مِن حُكْم الآية التي عَمَّتْ ذلك الجِنسَ خاصَّةً، وسائِرَ حُكْمِ الآية على العُمُوم... ، ففي إجماع جميعهم على ما روينا عنهم من ذلك مع الرواية التي رويناها عن رسول الله ﷺ بالموافقة لقولهم دليل واضح على صحة قولنا في العُمُوم والخُصُوص، وأنّ أحكام الله -جل ثناؤه- في أي كتابه فيما أمر ونهى على العُمُوم ما لم يَخُصَّ ذلك ما يجب التسليم له، وأنه إذا خُصَّ منه شيء فالمخصوص منه خارج حُكْمه من حُكْم الآية العامة الظاهر، وسائر حُكْم الآية على ظاهرها العام، ويؤيِّد حقيقة ما قلنا في ذلك، وشاهد عدل على فساد قول من خالف قولنا فيه»

سورة البقرة — الآية ٨٩

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قول الله عز وجل: ﴿وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به﴾، قال: كانت يهود يستفتحون على كفار العرب، يقولون: أما واللهِ، لو قد جاء النبي الذي بَشَّر به موسى وعيسى؛ أحمد، لكان لنا عليكم. وكانوا يظنون أنه منهم، وكانوا بالمدينة والعرب حولهم، وكانوا يستفتحون عليهم به، ويستنصرون به، فلما كان من غيرهم أبَوْا أن يؤمنوا به، وحسدوه. وقرأ قول الله -جلَّ ثناؤه-: ﴿كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة:١٠٩]. قال: قد تبين لهم أنه رسول الله، فمِن هُنالك نَفَع الله الأوسَ والخزرج بما كانوا يسمعون منهم أن نبيًّا خارج

سورة النساء — الآية ٣

قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾ نزلت في خميصة بن الشَّمَرْدَل، وذلك أنّ الله عز وجل أنزل: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ يعني: بغير حق ﴿إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾، فخاف المؤمنون الحرجَ، فعَزَلُوا كُلَّ شيء لليتيم مِن طعام، أو لبن، أو خادم، أو رَكُوبٍ، فلم يُخالِطُوهم في شيء منه، فشَقَّ ذلك عليهم وعلى اليتامى، فرخص اللهُ عز وجل مِن أموالهم في الخُلْطَة، فقال: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ [البقرة:٢٢٠]، فنسخ من ذلك الخُلْطَة، فسألوا النبي ﷺ عما ليس به بأس، وتركوا أن يسألوه عما هو أعظم منه، وذلك أنّه كان يكون عند الرجل سبعُ نسوة، أو ثمان، أو عشرُ حرائر، لا يعدِلُ بينَهُنَّ، فقال سبحانه: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾