سورة المائدة — الآية ٦٦

عن أنس بن مالك -من طريق يعقوب بن زيد بن طلحة، عن زيد بن أسلم- قال: كنا عند رسول الله ﷺ، فذكَر حديثًا. قال: ثم حدَّثهم النبي ﷺ، فقال: «تَفَرَّقت أمةُ موسى على إحدى وسبعين ملة؛ سبعون منها في النار، وواحدةٌ في الجنة، وتفرَّقت أمةُ عيسى على اثنتين وسبعين ملة؛ واحدةٌ منها في الجنة، وإحدى وسبعون منها في النار، وتعلوا أُمتي على الفريقين جميعًا بملة واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون منها في النار». قالوا: مَن هم، يا رسول الله؟ قال: «الجماعاتُ الجماعاتُ». قال يعقوب بن زيد: كان علي بن أبي طالب إذا حدَّث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ تلا فيه قرآنًا: ﴿ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا﴾ إلى قوله: ﴿ساء ما يعملون﴾. وتلا أيضًا: ﴿وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون﴾ [الأعراف:١٨١]. يعني: أمة محمد ﷺ

سورة المائدة — الآية ٧٧

عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: قد كان قائمٌ قام عليهم، فأخَذ بالكتاب والسنة زمانًا، فأتاه الشيطان، فقال: إنّما تَرْكَبُ أثرًا وأمْرًا قد عُمِل به قبلَك فلا تُحْمَدُ عليه، ولكن ابْتدِعْ أمرًا مِن قِبَلِ نفسِك، وادْعُ إليه، واجْبُرِ الناسَ عليه. ففعَل، ثم ادَّكر مِن بعدِ فعلِه زمانًا، فأراد أن يتُوبَ، فخلَع سلطانَه ومُلْكَه، وأراد أن يَتَعبَّد، فلبِث في عبادتِه أيامًا، فأُتي، فقيل له: لو أنك تُبْتَ مِن خطيئةٍ عَمِلْتَها فيما بينَك وبينَ ربِّك عسى أن يُتابَ عليك، ولكن ضَلَّ فلانٌ وفلانٌ في سبيلِك حتى فارَقوا الدنيا وهم على الضلالة، فكيف لك بهداهم؟! فلا توبةَ لك أبدًا. ففيه سمِعنا وفي أشباهِه هذه الآية: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل﴾

سورة إبراهيم — الآية ١٥

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿واستفتحوا﴾، قال: استفتاحهم بالبلاء، قالوا: ﴿اللهم إن كان هذا﴾ الذي أتى به محمدٌ ﴿هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء﴾ كما أمطرتها على قوم لوط، ﴿أو ائتنا بعذاب أليم﴾ [الأنفال:٣٢]. قال: كان استفتاحهم بالبلاء، كما استفتح قوم هود: ﴿ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين﴾ [الأعراف:٧٠]. قال: فالاستفتاح: العذاب. قال: قيل لهم: إنّ لهذا أجلًا. حين سألوا الله أن يُنَزِّل عليهم، فقال: بل نُؤَخِّرهم إلى يوم القيامة. فقالوا: لا نريد أن نُؤَخَّر إلى يوم القيامة؛ ﴿ربنا عجل لنا قطنا﴾ عذابنا ﴿قبل يوم الحساب﴾ [ص:١٦]. وقرأ: ﴿ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب﴾ حتى بلغ: ﴿ومن تحت أرجلهم، ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون﴾ [العنكبوت:٥٣-٥٥]

سورة الأنعام — الآية ٦٥

عن عبد الله بن شداد، قال: فقَد معاذُ بن جبل أو سعدُ بن معاذ رسول الله ﷺ، فوجده قائمًا يُصلِّي في الحرَّة، فأتاه فتَنَحْنَح، فلمّا انصرف قال: يا رسول الله، رأيتُك صلَّيتَ صلاةً لم تُصلِّ مثلَها! قال: «صلَّيتُ صلاة رغبة ورهبة، سألتُ ربي فيها ثلاثًا، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألتُه ألا يُهلِكَ أمتي جوعًا، ففعل». ثم قرأ: ﴿ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين﴾ الآية [الأعراف:١٣٠]. «وسألتُه ألّا يُسلِّط عليهم عدوًّا من غيرهم، ففعل». ثم قرأ: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق﴾ إلى آخر الآية [التوبة:٣٣، الفتح:٢٨]. «وسألتُه ألّا يجعل بأسهم بينهم، فمنعني». ثم قرأ: ﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم﴾ إلى آخر الآية. ثم قال: «لا يزالُ هذا الدينُ ظاهرًا على مَن ناوَأهم»

سورة الشعراء — الآية ١٠٠

عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الناس يَمُرُّون يوم القيامة على الصِّراط، والصِّراط دحضٌ مَزَلَّةٌ يَتَكَفَّأُ بأهله، والنار تأخذ منهم، وإن جهنم لتَنطِف عليهم مثل الثلج إذا وقع لها زفيرٌ وشهيقٌ، فبينما هم كذلك إذا جاءهم نداءٌ مِن الرحمن: عبادي، مَن كنتم تعبدون في دار الدنيا؟ فيقولون: ربَّنا، أنت أعلم أنّا إيّاك كنا نعبد. فيجيبهم بصوت لم يسمع الخلائق مثله قط: عبادي، حقٌّ عَلَيَّ ألا أكِلَكم اليومَ إلى أحد غيري، فقد عفوتُ عنكم، ورضيتُ عنكم. فتقوم الملائكة عند ذلك بالشفاعة، فينجون من ذلك المكان، فيقول الذين تحتهم في النار: ﴿فما لنا من شافعين* ولا صديق حميم* فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين﴾. قال الله: ﴿فكبكبوا فيها هم والغاوون﴾، قال ابن عباس: أُدهِروا فيها إلى آخر الدهر

سورة الشورى — الآية ٢٧

عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أخوف ما أخاف عليكم ما يُخرج الله لكم مِن زينة الدنيا وزهرتها». فقال له رجل: يا رسول الله، أوَيأتي الخيرُ بالشر؟ فسكت عنه رسول الله ﷺ، فرأينا أنه يُنزل عليه، فقيل له: ما شأنك؟! تُكلِّم رسول الله ﷺ ولا يكلّمك؟! فسُرِّي عن رسول الله ﷺ، فجعل يمسح عنه الرُّحَضاء، فقال: «أين السائل؟». فرأينا أنه حمده، فقال: «إن الخير لا يأتي بالشر، وإن مما يُنبت الربيع يقتُل حَبَطًا أو يُلمّ، إلا آكلة الخَضِر، فإنها أكلت حتى امتلأت خاصِرَتاها، فاستقبلت عين الشمس فثَلَطَتْ وبالتْ ثم رتعَتْ، وإن المال حلوة خضرة، ونِعم صاحب المسلم هو إن وصَل الرَّحم، وأنفق في سبيل الله، ومَثل الذي يأخذه بغير حقّه كمثل الذي يأكل ولا يشبع، ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة»

سورة الزخرف — الآية ٦٧

عن أنس بن مالك، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لعلي بن أبي طالب: «يا عليّ، استَكْثِر مِن المعارف مِن المؤمنين، فكم مِن معرفة في الدنيا بركة في الآخرة». فمضى عليٌّ -رضي الله تعالى عنه-، فأقام حينًا لا يلقى أحدًا إلا اتخذه للآخرة، ثم جاء مِن بعدُ، فقال له رسول الله ﷺ: «ما فعلتَ فيما أمرتك؟». فقال: فعلتُ، يا رسول الله. فقال له عليه السلام: «قابِل أخبارهم». فأتى عليٌّ النبيَّ ﷺ وهو منكّس رأسه، فقال له النبي ﷺ وهو يبتسم: «ما أحسب -يا علي- ثبت معك إلا أبناء الآخرة». فقال له علي: لا، والذي بعثك بالحق. فقال له النبي ﷺ: «﴿الأخلّاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين﴾. يا علي، أقْبِل على شأنك، واملك لسانك، واعقل مَن تعاشره من أهل زمانك؛ تكن سالمًا غانمًا»

سورة الحديد — الآية ٢٣

عن أسلم، قال: سمعتُ عبد الله بن الأرقم صاحب بيت مال المسلمين يقول لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين، عندنا حِلية من حِلية جَلُولاء، وآنية ذهب وفِضة، فَرَ فيها رأيَك. فقال: إذا رأيتني فارغًا فآذِنِّي. فجاء يومًا، فقال: إني أراك اليوم فارغًا، يا أمير المؤمنين. قال: ابسط لي نِطْعًا في الجسر. فبسط له نطعًا، ثم أتى بذلك المال، فصُبّ عليه، فجاء، فوقف عليه، ثم قال: اللهم إنك ذكرت هذا المال، فقلت: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ﴾ [آل عمران:١٤]، وقلت: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ ولا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾. اللهم، إنّا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زيّنتَ لنا، اللهم، أنفِقه في حقٍّ، وأعوذ بك من شرِّه

توقَّف ابنُ جرير (٢‏/‏٢٢) في تحديد المراد بـ(مصر) في الآية، وجوَّزَ كلا القَولَيْن، وقال: «والذي نقول به في ذلك: إنّه لا دلالة في كتاب الله على الصواب من هذين التأويلين، ولا خبر به عن الرسول ﷺ يقطع مجيئه العذر». وانتقد ابنُ كثير (١‏/‏٤٢٨) كلامَ ابن جرير، وتوقّفَه في المراد بـ(مصر) في الآية، فقال: «وهذا الذي قاله فيه نظر، والحق أن المراد مصرًا من الأمصار كما روي عن ابن عباس وغيره، والمعنى على ذلك؛ لأنّ موسى عليه السلام يقول لهم: هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز، بل هو كثير في أي بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه. ولهذا قال: ﴿أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم﴾ أي: ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه لم يجابوا إليه»

عرض ابنُ جرير (٥‏/‏٤٩٨-٤٩٩ بتصرف) لقول من من قال: إن معنى الآية: تظاهروا بالإيمان أول النهار واكفروا آخره، وقول من جعل إيمانهم في أول النهار بشهودهم الصلاة مع المسلمين ثم نفورهم عنها آخر النهار، ثم قال: «تأويل الكلام إذًا: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب﴾ يعني: من اليهود الذي يقرءون التوراة: ﴿آمنوا﴾ صدِّقوا بالذي أنزل على الذين آمنوا، وذلك ما جاءهم به محمد ﷺ من الدين الحق وشرائعه وسننه ﴿وجه النهار﴾ يعني: أول النهار. وأما قوله: ﴿واكفروا آخره﴾ فإنه يعني به: أنهم قالوا: واجحدوا ما صدقتم به من دينهم في وجه النهار في آخر النهار». وكأن ابن جرير لم يرَ اختلافًا كبيرًا بين القولين؛ فرَتَّب معنى الآية على ظاهر ألفاظها، دون تخصيص أحد القولين. وقد ذكر ابنُ عطية (٢‏/‏٢٥٣) القولين، وبَيَّنَ تقاربهما