أفادت الآثار اختلاف المفسرين في قوله تعالى: ﴿إذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾ على أقوال: الأول: إذا دعاكم للإيمان. وهو قول السدي. الثاني: إذا دعاكم للحق. وهو قول مجاهد. الثالث: إذا دعاكم إلى ما في القرآن. وهو قول قتادة. الرابع: إذا دعاكم إلى الحرب وجهاد العدوّ. وهو قول ابن إسحاق. ورجَّح ابنُ جرير (١١/١٠٥، ١٠٦) مستندًا إلى السنة القول الثاني، وجعل القول الثالث والرابع داخلَيْن في معنى القول الثاني، فقال: «معناه: استجيبوا لله وللرسول بالطاعة إذا دعاكم الرسول لما يحييكم من الحق. وذلك أن ذلك إذا كان معناه، كان داخلًا فيه الأمر بإجابتهم لقتال العدوّ والجهاد، والإجابة إذا دعاكم إلى حكم القرآن، وفي الإجابة إلى كل ذلك حياة المجيب. أما في الدنيا، فيقال: الذكر الجميل، وذلك له فيه حياة، وأما في الآخرة، فحياة الأَبَد في الجِنان والخلود فيها». ووجَّه ابنُ عطية (٤/١٦٢) الأقوال الثلاثة الأولى، فقال: «وهذا إحياءٌ مستعارٌ؛ لأنه من موت الكفر والجهل». ووجَّه القول الرابع قائلًا: «وهو يُحْيي بالعزة والغلبة والظفر، فَسَمّى ذلك حياة، كما تقول: حَيِيَتْ حال فلان إذا ارتفعت، ويُحيي أيضًا كما يُحيي الإسلام والطاعة وغير ذلك بأنه يؤدي إلى الحياة الدائمة في الآخرة». ووجَّه ابنُ القيم (١/٤٤١) جميع الأقوال، فقال: «وهذه كلها عبارات عن حقيقة واحدة: وهي القيام بما جاء به الرسول ﷺ ظاهرًا وباطنًا». وعلَّق على القول الرابع قائلًا: «الجهاد من أعظم ما يحييهم به في الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة. أما في الدنيا: فإن قوتهم وقهرهم لعدوهم بالجهاد. وأما في البرزخ: فقد قال تعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبهم يرْزقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]. وأما في الآخرة: فإن حظ المجاهدين والشهداء من حياتها ونعيمها أعظم من حظ غيرهم». وانتقد ابنُ جرير (١١/١٠٦) مستندًا إلى مخالفة ظاهر لفظ الآية القولَ الأول، قائلًا: «وأما قول من قال: معناه: الإسلام، فقولٌ لا معنى له؛ لأن الله قد وصفهم بالإيمان بقوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ﴾، فلا وجْه لأن يُقال للمؤمن: استَجِبْ لله وللرسول إذا دعاك إلى الإسلام والإيمان». ثم ذكر بسنده روايتين لحديث أبي هريرة حين دعا النبي ﷺ أُبَيَّ بن كعب وهو يصلي فلم يُجِبْه، فلما انتهى من صلاته اعتذر إلى النبي ﷺ بأنه كان يصلي، فقال له النبي ﷺ: «أفلم تجد فيما أوحي إليّ أن ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ إذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾؟». قال: بلى، يا رسول الله، لا أعود. ثم ذكر (١١/١٠٧) بأن في هذا الحديث: «ما يُبِينُ عن أن المعنيَّ بالآية هم الذين يدعوهم رسول الله ﷺ إلى ما فيه حياتهم بإجابتهم إليه من الحق بعد إسلامهم؛ لأن أُبَيًّا لا شك أنه كان مسلمًا في الوقت الذي قال له النبي ﷺ ما ذكرنا في هذين الخبرين». ووافقه ابنُ عطية (٤/١٦٢). وزاد ابنُ عطية قولًا عن النقاش أنه قال: «المراد: إذا دعاكم للشهادة». ثم علّق بقوله: «فهذه صلة حياة الدنيا بحياة الآخرة»
عن معاذ بن جبل، قال: احتبس عنّا رسولُ الله ﷺ ذات غداة عن صلاة الصبح، حتى كِدنا نتراءى عينَ الشمس، فخرج سريعًا، فثوَّب[[التثويب: إقامة الصلاة. النهاية (ثوب).]] بالصلاة، فصلى رسولُ الله ﷺ، فلمّا سلم دعا بصوته، فقال: «على مصافِّكم كما أنتم». ثم انفتل إلينا، ثم قال: «أما إني سأحدثكم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمتُ الليلة، فتوضأتُ، وصليتُ ما قُدِّر لي، ونعستُ في صلاتي حتى استثقلتُ، فإذا أنا بربي -تبارك وتعالى- في أحسن صورة، فقال: يا محمد. قلت: لبيك، ربي. قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: لا أدري. -قالها ثلاثًا- قال: فرأيتُه وضع كفه بين كتفي، فوجدت بردَ أنامله بين ثديي، فتجلى لي كلُّ شيء وعرفته، فقال: يا محمد. قلت: لبيك، رب. قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلتُ: في الدرجات، والكفارات. فقال: ما الدرجات؟ فقلت: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام. قال: صدقت، فما الكفارات؟ قلت: إسباغ الوضوء في المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، ونقل الأقدام إلى الجماعات. قال: صدقت، سل، يا محمد. قلت: اللهم، إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت بعبادك فتنةً فاقبضني إليك وأنا غير مفتون، اللهم، إني أسألك حبَّك، وحبَّ مَن أحبك، وحبَّ عملٍ يقربني إلى حبك». قال النبي ﷺ: «تعلموهن، وادرسوهن؛ فإنهن حق»[[أخرجه أحمد ٣٦/٤٢٢-٤٢٣ (٢٢١٠٩)، والترمذي ٥/٤٤٤-٤٤٥ (٣٥١٦)، والحاكم ١/٧٠٢ (١٩١٣) بنحوه. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح، وسألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: هذا حديث حسن صحيح». وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية ١/٢٠ (١٣): «أصل هذا الحديث وطرقه مضطربة».]]
اختلف السلف في تفسير قوله تعالى: ﴿وأنت من الكافرين﴾ على قولين: الأول: أنّ المراد به: أنت من الكافرين بالله على ديننا. وهو قول السدي -من طريق أسباط- وغيره. الثاني: أنت من الكافرين بنعمتنا. وهو قول ابن عباس، وابن زيد وغيرهما. وقد رجّح ابنُ جرير (١٧/٥٥٦) مستندًا إلى الدلالة العقلية القول الثاني، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ فرعون لم يكن مُقِرًّا لله بالربوبية، وإنما كان يزعم أنه هو الرب». ثم انتقد القول الأول، فقال: «فغير جائز أن يقول لموسى -إن كان موسى كان عنده على دينه يوم قتل القتيل. على ما قاله السدي-: فعلت الفعلة وأنت من الكافرين، [و]الإيمان عنده: هو دينه الذي كان عليه موسى عنده». ثم وجّهه بقوله: «إلا أن يقول قائل: إنما أراد: وأنت من الكافرين يومئذ -يا موسى- على قولك اليوم، فيكون ذلك وجهًا يتوجه». وقال ابنُ عطية (٦/٤٧٤-٤٧٥): «وقوله: ﴿وأَنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أن يريد: وقتلت القبطي وأَنتَ في قتلك إيّاه مِنَ الكافِرِينَ؛ إذ هو نفس لا يحل قتله. قاله الضحاك، أو يريد: وأنت من الكافرين بنعمتي في قتلك إياه. قاله ابن زيد. وهذان بمعنًى واحد في حق لفظ الكفر، وإنما اختلفا باشتراك لفظ الكفر. والثاني: أن يكون بمعنى الهزؤ؛ أي: وأنت على هذا الدين، وأنت من الكافرين بزعمك. قاله السدي. والثالث: هو قول الحسن، أن يريد: وأنت من الكافرين الآن، يعني فرعون: بالعقيدة التي يكون بيَّنها، فيكون الكلام مقطوعًا من قوله: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾، وإنما هو إخبارٌ مبتدأٌ أنّه كان من الكافرين. وهذا التأويل أيضًا يحتمل أن يريد به: كفر النعمة»
عن وهب بن مُنبِّه، عن محمد بن علي بن الحسين ابن فاطمة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ في الجنة شجرةً يُقالُ لها: طُوبى. لو سَخَّر الراكبُ الجوادَ أن يسير في ظِلِّها لسار فيه مائة عام قبل أن يقطعه، وورقُها بُرُودٌ خُضْرٌ، وزهرُها رِياطٌ صُفْرٌ، وأقناؤها سندسٌ وإستبرقٌ، وثمرُها حُللٌ خضرٌ، وصمغُها زنجبيلٌ وعسلٌ، وبطحاؤُها ياقوتٌ أحمرُ وزُمُرّدٌ أخضرُ، وتُرابُها مسكٌ وعنبرٌ وكافورٌ أصفرُ، وحشيشُها زعفرانٌ مونِعٌ والألنجوج، يأْجُجان من غير وقودٍ، ينفجرُ من أصلها أنهارٌ؛ السلسبيل والمعين في الرحيق، وظِلُّها مجلسٌ مِن مجالس أهل الجنة يألفونه، ومتحدَّث يجمعهم، فبينما هم يومًا في ظلّها يتحدّثون إذ جاءتهم ملائكةٌ يقودون نُجُبًا جُبِلت من الياقوت، ثم نفخ فيها الرُّوح، مزمومةً بسلاسل من ذهبٍ، كأنّ وجوهها المصابيح نضارةً، ووبرُها خَزٌّ أحمرُ ومِرْعِزٌّ أبيض مُختلطان، لم ينظر الناظرون إلى مثله حُسنًا وبهاءً، ذُلُلًا مِن غير مهانةٍ، نُجُبًا من غير رياضةٍ، عليها رِحالٌ ألواحُها من الدُّرِّ والياقوت، مُفضَّضة باللؤلؤ والمرجان، فأناخوا إليهم تلك النَّجائب، ثم قالوا لهم: ربُّكم يُقرئكم السلام، ويَسْتزِيركم؛ لِتنظروا إليه وينظر إليكم، وتُحيُّونه ويُحيِّيكم، وتُكلّمونه ويُكلِّمكم، ويَزيدكم من فضله وسعته، إنه ذو رحمة واسعة وفضلٍ عظيمٍ. فيتحوَّل كلّ رجلٍ منهم على راحلته، حتى انطلقوا صفًّا واحدًا معتدلًا، لا يفُوتُ منه شيءٌ شيئًا، ولا تفُوتُ أُذُنُ ناقةٍ أُذُنُ صاحبتها، ولا بَرْكةُ ناقةٍ بَرْكةَ صاحبتها، ولا يمُرُّون بشجرة من أشجار الجنة إلا أتحفتهم بثمرها، ورجلت لهم عن طريقها؛ كراهية أن ينثَلِم صفُّهم، أو تُفرِّق بين رجلٍ ورفيقه، فلما دفعوا إلى الجبار تعالى سَفَرَ لهم عن وجهه الكريم، وتجلّى لهم في عظمته العظيمُ، يُحيِّيهم بالسلام، فقالوا: ربَّنا، أنت السلام، ومنك السلام، لك حقّ الجلال والإكرام. قال لهم ربُّهم: إنِّي أنا السلام، ومنِّي السلام، ولي حقّ الجلال والإكرام، فمرحبًا بعبادي الذين حَفِظوا وصيَّتي، ورَعَوْا عهدي، وخافوني بالغيب، وكانوا مِنِّي على كلّ حالٍ مشفقين. قالوا: أما وعزَّتك وعظمتك وجلالك وعُلُوِّ مكانك، ما قدرناك حقَّ قدرك، ولا أدَّينا إليك كلَّ حقِّك، فأْذَنْ لنا بالسجود لك. قال لهم ربُّهم: إنِّي قد وضعت عنكم مؤنة العبادة، وأرحت لكم أبدانكم، طالما نصبتم لي الأبدان، وأعنيتم لي الوجوه، فالآن أفضيتم إلى روحي ورحمتي وكرامتي، فسَلُوني ما شئتم، وتمنَّوا عليَّ أمانيكم، فإني لن أجزيكم اليوم بقدر أعمالكم، ولكن بقدر رحمتي وكرامتي، وطَوْلِي وجلالي، وعلوِّ مكاني، وعظمة شأني. فما يزالون في الأمانيِّ والعطايا والمواهب، حتى إنّ المُقَصِّر منهم في أمنيته ليتمنّى مثل جميع الدنيا منذ يوم خلقها الله إلى يوم يُفنيها، قال لهم ربُّهم: لقد قصرتم في أمانيكم، ورضيتم بدون ما يحق لكم، فقد أوجبت لكم ما سألتم وتمنيتم، وألحقت بكم وزدتكم ما قصرت عنه أمانيُّكم، فانظروا إلى مواهب ربِّكم الذي وهب لكم. فإذا بقِبابٍ في الرفيق الأعلى، وغرف مبنية مِن الدُّرِّ والمرجان، أبوابُها من ذهب، وسُرُرُها من ياقوت، وفرشها مِن سندس وإستبرق، ومنابرها من نور، يفُورُ من أبوابها وأعراصها نورٌ مثلُ شُعاع الشمس، عنده مثلُ الكوكب الدُّريِّ في النهار المضيء، وإذا بقصور شامخة في أعلى علِّيِّين من الياقوت يزهر نورها، فلولا أنه مسخَّرٌ إذنْ لالتمع الأبصار، فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض فهو مفروش بالحرير الأبيض، وما كان منها من الياقوت الأحمر فهو مفروشٌ بالعبقريِّ الأحمر، وما كان منها من الياقوت الأخضر فهو مفروشٌ بالسُّندس الأخضر، وما كان منها مِن الياقوت الأصفر فهو مفروشٌ بالأُرجوانِ الأصفر، مُبوّبة بالزُّمرُّد الأخضر والذّهب الأحمر والفضّة البيضاء، قواعدها وأركانها مِن الجوهر، وشُرُفُها قِبابٌ من لؤلؤ، وبُرُوجُها غُرَفٌ مِن المرجان، فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربُّهم قُرّبت لهم براذين مِن ياقوت أبيض، منفوخ فيها الروحُ، يجنُبُها الولدان المخلّدون، بيد كلّ وليدٍ منهم حَكَمَةُ بِرذَونٍ من تلك البراذينِ، ولجُمُها وأعِنّتها مِن فضةٍ بيضاءَ منظومة بالدُّر والياقوت، سُرُوجُها سررٌ موضونةٌ مفروشةٌ بالسندُس والإستبرقِ، فانطلقت بهم تلك البراذينُ تزفُّ بهم، وتطأ رياض الجنة، فلمّا انتهوا إلى منازلهم وجدوا الملائكة قعودًا على منابر من نور، ينتظرونهم ليزُوروهم ويُصافحُوهم ويُهنّئُوهم كرامة ربِّهم، فلما دخلوا قُصُورهم وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم ربُّهم مما سألوا وتمنَّوا، وإذا على باب كلّ قصرٍ من تلك القصور أربعةُ جِنانٍ؛ جنتان ذواتا أفنانٍ، وجنتان مدهامَّتان، وفيهما عينانِ نضّاختان، وفيهما من كلِّ فاكهةٍ زوجان، وحورٌ مقصوراتٌ في الخيام، فلمّا تبوَّءوا منازلهم واستقرُّوا قرارهم قال لهم ربُّهم: هل وجدتُم ما وعد ربُّكم حقًّا؟ قالوا: نعم، وربِّنا. قال: هل رضيتُم ثواب ربّكم؟ قالوا: ربَّنا رضينا، فارض عنا. قال: بِرضايَ عنكم حللتُم داري، ونظرتُم إلى وجهي، وصافحتم ملائكتي، فهنيئا هنيئًا لكم، عطاءً غير مجذوذٍ، ليس فيه تنغيصٌ ولا تَصْرِيدٌ. فعند ذلك قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وأحلَّنا دار المقامة من فضله، لا يمسُّنا فيها نصبٌ، ولا يمسُّنا فيها لُغوبٌ، إن ربَّنا لغفورٌ شكورٌ»
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قول الله تعالى: ﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾ [غافر:١١]، قال: خَلَقَهم من ظهْر آدم حين أخَذَ عليهم الميثاق. وقرأ: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم﴾ حتى بلغ: ﴿أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ [الأعراف:١٧٢-١٧٣]، قال: فكسَّبهم العقل، وأخذ عليهم الميثاق. قال: وانتزع ضِلْعًا من أضلاع آدم القُصَيْرى، فخلق منه حواء، ذكره عن النبي ﷺ. قال: وذلك قول الله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء﴾ [النساء:١]، قال: بَثَّ منهما بعد ذلك في الأرحام خَلْقًا كثيرًا. وقرأ: ﴿يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق﴾ [الزمر:٦]، قال: خلقًا بعد ذلك. قال: فلما أخَذ عليهم الميثاق أماتهم، ثم خلقهم في الأرحام، ثم أماتهم، ثم أحياهم يوم القيامة، فذلك قول الله: ﴿ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا﴾ [غافر:١١]. وقرأ قول الله: ﴿وأخذنا منهم ميثاقا غليظا﴾ [النساء:١٥٤، والأحزاب:٧]، قال: يومئذ. قال: وقرأ قول الله: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا﴾ [المائدة:٧]
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق ابن أبي إسحاق، عن بعض أهل العلم- قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لَمّا أسلمت وفرغ مِن أمرها: اختاري رجلًا مِن قومكِ أُزَوِّجكه. قالت: ومثلي -يا نبيَّ الله- ينكح الرجال، وقد كان لي في قومي مِن الملك والسلطان ما كان؟! قال: نعم، إنّه لا يكون في الإسلام إلا ذلك، ولا ينبغي لك أن تُحَرِّمي ما أحلَّ الله لك. فقالت: زوجني إن كان لا بُدَّ مِن ذلك ذا تبع ملك همذان. فزوَّجه إيّاها، ثم ردَّها إلى اليمن، وسلط زوجها ذا تبع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جِنِّ اليمن، فقال: اعمل لذي تبع ما استعملك فيه. قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن، ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان بن داود عليه السلام، فلما أن حال الحول وتبينت الجن موتَ سليمان عليه السلام؛ أقبل رجل منهم، فسلك تهامة، حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن، إنّ الملك سليمان قد مات، فارفعوا أيديكم. قال: فعمدت الشياطين إلى حجرين عظيمين، فكتبوا فيها كتابًا بالمسند: نحن بنينا «سلحين» دائبين، وبنينا «صرواح» و«مرواخ» و«بنيون» و«حاضة» و«هذرة» و«هنيدة» و«تلثوم»-وهذه حصون باليمن بنتها الشياطين لذي تبع-، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بـ«البون» إمارة. ثم رفعوا أيديهم، وانطلقوا وتفرقوا، وانقضى ملك ذي تبع وملك بلقيس مع ملك سليمان عليه السلام
قال محمد بن السائب الكلبي: إنّ رسول الله ﷺ أتى زينب زائرًا، فأبصرها قائمةً، فأعجبته، فقال رسول الله ﷺ: «سبحان الله مقلب القلوب». فرأى زيد أن رسول الله ﷺ قد هويها، فقال: يا رسول الله، ائذن لي في طلاقها، فإن فيها كِبرًا، وإنها تؤذيني بلسانها. فقال له رسول الله ﷺ: «اتَّق الله، وأمسك عليك زوجك». فأمسكها زيد ما شاء الله، ثم طلَّقها، فلما انقضت عدتها أنزل الله نكاحَها رسول الله ﷺ من السماء، فقال: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾، فدعا رسول الله ﷺ عند ذلك زيدًا، فقال: ائتِ زينب، فأخبرها أنّ الله قد زوَّجنيها. فانطلق زيد، فاستفتح الباب، فقيل: مَن هذا؟ قال: زيد. قالت: وما حاجة زيد إلَيَّ وقد طلَّقني؟! فقال: إنّ رسول الله ﷺ أرسلني. فقالت: مرحبًا برسول رسول الله ﷺز. ففتح له الباب، فدخل عليها وهي تبكي، فقال زيد: لا يُبكِ الله عينك، قد كنتِ نعمت المرأة -أو قال: الزوجة-، إن كنتِ لتبرِّين قسمي، وتطيعين أمري، وتتبعين مسرتي، فقد أبدلكِ الله خيرًا مني. قالت: مَن، لا أبا لك؟ فقال: رسول الله ﷺ. فخرَّت ساجدة
عن عكرمة مولى ابن عباس، قال في قوله: ﴿وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾: إنّ الجار يتعلَّق بجاره يوم القيامة، فيقول: يا ربِّ، سلْ هذا: لِمَ كان يُغْلِقُ بابَه دوني؟ وإنّ الكافر لَيتعلق بالمؤمن يوم القيامة، فيقول له: يا مؤمن، إنّ لي عندك يدًا، قد عرفتَ كيف كنتُ لك في الدنيا، وقد احتجتُ إليك اليوم! فلا يزال المؤمن يشفع له إلى ربِّه حتى يرده إلى منزلة دون منزلة، وهو في النار، وإنّ الوالد يتعلق بولده يوم القيامة، فيقول: يا بني، أيُّ والدٍ كنتُ لك؟ فيثني خيرًا، فيقول: يا بني، إنِّي احتجت إلى مثقال ذرة مِن حسناتك أنجو بها مما ترى. فيقول له ولده: يا أبتِ، ما أيسر ما طلبتَ، ولكني أتخوف مثل الذي تخوفتَ؛ فلا أستطيع أن أعطيك شيئًا. ثم يتعلق بزوجته، فيقول: يا فلانة، أيُّ زوج كنتُ لك؟ فتثني خيرًا، فيقول لها: فإنِّي أطلب إليك حسنة واحدة تهبيها لي؛ لعلي أنجو مما ترين. قالت: ما أيسر ما طلبتَ، ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئًا؛ أتخوف مثل الذي تخوفتَ. يقول الله: ﴿وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها﴾ الآية. ويقول الله: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ [لقمان:٣٣]، و﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ * وأُمِّهِ وأَبِيهِ﴾ الآية [عبس:٣٤-٣٥]
عن عبد الله بن عباس -من طريق خليفة-: أنّ داود حدَّث نفسه: إن ابتُلي أن يعتصم. فقيل له: إنك ستُبتلى، وستعلم اليومَ الذي تُبتَلى فيه، فخذ حِذْرَك. فقيل له: هذا اليوم الذي تُبتَلى فيه. فأخذ الزبور، ودخل المحراب، وأغلق باب المحراب، وأخذ الزبور في حِجره، وأقعد مِنصَفًا على الباب، وقال: لا تأذن لأحد عَلَيَّ اليومَ. فبينما هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر مُذهَّب كأحسن ما يكون الطير، فيه مِن كل لون، فجعل يَدرُج بين يديه، فدنا منه، فأمكن أن يأخذه، فتناوله بيده ليأخذه، فاستوفزه من خلفه، فأطبق الزبور، وقام ليأخذه، فطار فوقع على كُوَّة المحراب، فدنا منه ليأخذه، فأقض، فوقع على حصن، فأشرف عليه لينظر أين وقع، فإذا هو بامرأةٍ عند بِرْكتها تغتسل من الحيض، فلمّا رأت ظِلَّه حرَّكت رأسها، فغطَّت جسدها أجمعَ بشعرها، وكان زوجُها غازيًا في سبيل الله، فكتب داودُ إلى رأس الغزاة: انظر أوريا، فاجعله في حَمَلة التابوت. وكان حَمَلةُ التابوت إما أن يُفتح عليهم، وإما أن يُقتلوا، فقدَّمه في حملة التابوت، فقُتل، فلما انقضت عِدُّتها خطبها داود، فاشترطت عليه إن ولدت غلامًا أن يكون الخليفة من بعده، وأشهدت عليه خمسين من بني إسرائيل، وكتبتْ عليه بذلك كتابًا، فما شعر بفتنته أنه فُتن حتى ولدت سليمان وشبَّ، فتسوَّر عليه الملكان المحراب، فكان شأنهما ما قصَّ الله في كتابه، وخرَّ داود ساجدًا، فغفر الله له، وتاب عليه
عن خَوْلَة بنت ثَعْلَبة -من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام- قالت: فِيَّ -واللهِ- وفي أوْس بن الصّامت أنزل اللهُ صدر سورة المجادلة. قالت: كنتُ عنده، وكان شيخًا كبيرًا قد ساء خُلقُه، فدخل عليّ يومًا، فراجعتُه بشيء، فغضب، فقال: أنتِ عليّ كظَهْر أُمّي. ثم رجع، فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليَّ، فإذا هو يُريدني عن نفسي، فقلتُ: كلّا، والذي نفس خُوَيلَة بيده، لا تصل إلَيّ وقد قلتَ ما قلتَ، حتى يحكم اللهُ ورسولُه فينا. ثم جئتُ إلى رسول الله ﷺ، فذكرتُ له ذلك، فما بَرِحتُ حتى نزل القرآن، فتغشّى رسولُ الله ﷺ ما كان يتغشّاه، ثم سُرِّي عنه، فقال لي: «يا خَوْلَةُ، قد أنزل الله فيكِ وفي صاحبكِ». ثم قرأ عَلَيَّ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ إلى قوله: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾. فقال لي رسولُ الله ﷺ: «مُريه، فَليُعْتِق رقبة». قلتُ: يا رسول الله، ما عنده ما يُعْتِق. قال: «فليَصُم شهرين متتابعين». قلتُ: واللهِ، إنه لَشيخ كبير، ما به مِن صيام. قال: «فَليُطْعِم ستين مسكينًا وسْقًا من تمر». قلتُ: واللهِ، ما ذاك عنده. قال رسول الله ﷺ: «فإنّا سَنُعِينه بعَرَقٍ من تمر». فقلتُ: وأنا -يا رسول الله- سأُعِينه بعَرَقٍ آخر. قال: «فقد أصبتِ وأحسنتِ، فاذهبي، فتَصدَّقي به عنه، ثم استوصي بابن عمّكِ خيرًا». قالتْ: ففعلتُ