عن عائشة، أنّها قالت: يا رسول الله، علِّمني اسمَ الله الذي إذا دُعِي به أجاب. قال لها: «قومي، فتوضَّئي، وادخُلي المسجد، فصلِّي ركعتين، ثم ادعِي حتى أسمَعَ». ففعَلت، فلمّا جلَست للدعاء قال النبيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ، وفِّقْها». فقالت: اللَّهُمَّ، إنِّي أسالُك بجميع أسمائِك الحُسنى كلِّها، ما علِمنا منها وما لم نعلمْ، وأسألُك باسمِك العظيم الأعظم، الكبير الأكبر، الذي مَن دعاك به أجَبْتَه، ومَن سألَك به أعطيتَه. قال النبيُّ ﷺ: «أصبتِهِ أصبتِه»
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قال: قال أهلُ مكة لنبيِّ اللهِ ﷺ: إن كان ما تقولُ حقًّا، ويَسُرُّك أن نؤمن؛ فحوِّل لنا الصَّفا ذهبًا. فاتاه جبريلُ، فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم يُناظروا، وإن شئت استأنيت بقومك. قال: «بل أسْتأني بقومي». فأنزل الله: ﴿وما منعنا أن نُرسل بالآيات إلّا أن كذب بِها الأوَّلون﴾ الآية. وأنزل الله: ﴿ما ءامنت قَبلَهم من قريةٍ أهلكنها أفهُم يُؤمنون﴾ [الأنبياء:٦]
عن ابن عباس، قال: حدّثني جابر بن عبد الله: أنّ النبي ﷺ قرأ: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾ الآية، فقال: «اللَّهُمَّ، إنِّي أُمِرْتُ بالدعاء، وتَكَفَّلْتَ بالإجابة، لبّيكَ اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، اللهم أشهد أنك فَرْدٌ أحدٌ صمدٌ، لم تلد ولم تولد، ولم يكن لك كفوًا أحد، وأشهد أنّ وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنّك تبعث مَن في القبور»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإذا سألك عبادي عني﴾، وذلك أنّه كان في الصوم الأوّل أنّ الرجل إذا صلّى العشاء الآخرة، أو نام قبل أن يُصلِّيَها؛ حَرُم عليه الطعام والشراب والجماع، كما يحرم بالنهار على الصائم. ثم إنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلّى العشاء الآخرة، ثم جامَعَ امرأتَه، فلمّا فرغ ندِم وبكى، فلمّا أصبح أتى النبيَّ ﷺ، فأخبره، فقال: يا نبي الله، إني أعتذر إلى الله عز وجل ثم إليك من نفسي هذه الخاطئة، واقعتُ أهلي بعد الصلاة، فهل تجد لي رخصة؟ فقال له النبي ﷺ: «لم تكُ جديرًا بذلك، يا عمر». فرجع حزينًا، ورأى النبي ﷺ صِرْمَةَ بن أنس بن صِرْمَة بن مالك من بني عَدِيِّ بن النَّجّار عند العشاء، فقال النبي ﷺ: «يا أبا قيس، ما لَكَ طَلِيحًا؟». فقال: يا رسول الله، ظللتُ أمسِ في حديقتي، فلما أمسيتُ أتيتُ أهلي، وأرادت المرأة أن تطعمني شيئًا سخنًا، فأبطأت عليَّ بالطعام، فرقدتُ، فأَيْقَظَتْنِي وقد حَرُم عليّ الطعام، فأمسيتُ وقد أجهدني الصوم. واعترف رجال من المسلمين عند ذلك بما كانوا يصنعون بعد العشاء، فقالوا: توبتنا ومخرجنا مما عملنا؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وإذا سألك عبادي عنّي فإني قريب﴾
عن أبي العالية الرِّياحِيّ -من طريق الربيع بن أنس- قال: إنّ الله قضى على نفسه أنه من آمن به هداه، ومن توكل عليه كفاه، ومن أقرضه جزاه، ومن وثِق به أنجاه، ومن دعاه استجاب له بعد أن يستجيب لله. قال الربيع: وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه﴾ [ التغابن:١١]، ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره﴾ [الطلاق:٣]، ومَن يقرض الله قرضًا حسنًا يضاعفه له، ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾، ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي﴾ [البقرة:١٨٦]
عن عمير بن سعد، قال: كان عبد الله يدعو بهذه الدعوات بعد التشهد: اللهُمَّ، إنِّي أسألك من الخير كله، ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله، ما علمتُ منه وما لم أعلم. اللهُمَّ، إنِّي أسألك خيرَ ما سألك عبادُك الصالحون، وأعوذ بك من شرِّ ما عاذ منه عبادُك الصالحون: ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾، ﴿ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار، ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك، ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد﴾ [آل عمران:١٩٣-١٩٤]
عن عبد الله بن عباس، قال: بَعَثَ عيسى يحيى في اثني عشر رجلًا مِن الحوارِيِّين، يُعَلِّمون الناس، فكان ينهى عن نِكاح بنتِ الأخِ. وكان مَلِكٌ له بنتُ أخٍ له تُعْجِبُه، فأرادها، وجعل يقضي لها كُلَّ يوم حاجةً، فقالت لها أمُّها: إذا سألكِ عن حاجتِك فقولي: حاجتي أن تقتل يحيى بن زكريا. فقال الملك: حاجتُكِ؟ قالت: حاجتي أن تقتل يحيى بن زكريا. فقال: سلي غيرَ هذا. قالت: لا أسألُك غيرَ هذا. فلَمّا أبَتْ أمَرَ به فذُبِحَ في طَسْتٍ، فبَدَرَتْ قَطْرَةٌ مِن دمِه، فلم تَزَلْ تَغْلِي حتى بَعَثَ اللهُ بُخْتُنَصَّرَ، فدلّت عجوزٌ عليه، فأُلْقِي في نفسه: أن لا يزال يَقْتُل حتى يسكنَ هذا الدمُ. فقَتَلَ في يومٍ واحد مِن ضَرْبٍ واحد وسِنٍّ واحد سبعين ألفًا؛ فسَكَن
قال ابنُ جرير (٣/٢٢٧-٢٢٨): «فإن قال لنا قائل: فأنت ترى كثيرًا من البشر يدعون الله فلا يُجاب لهم دعاء! قيل: إنّ لذلك وجهين من المعنى: أحدهما: أن يكون معنيًّا بالدعوة: العملُ بما ندب الله إليه وأمر به. فيكون تأويل الكلام: وإذا سألك عبادي عني فإنِّي قريب ممن أطاعني وعمل بما أمرته به، أجيبه بالثواب على طاعته إيّاي إذا أطاعني. فيكون معنى الدعاء: مسألة العبد ربه ما وعد أولياءه على طاعتهم بعملهم بطاعته. ومعنى الإجابة من الله التي ضمنها له: الوفاء له بما وعد العاملين له بما أمرهم به. كما رُوِي عن النبي ﷺ من قوله: «إنّ الدعاء هو العبادة». ثم قرأ: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ [غافر:٦٠]. فأخبر ﷺ أنّ دعاء الله إنّما هو عبادته ومسألته بالعمل له والطاعة. والوجه الآخر: أن يكون معناه: أجيب دعوة الداع إذا دعانِ إن شئت. فيكون ذلك -وإن كان عامًّا مخرجه في التلاوة- خاصًّا معناه». وقال ابنُ عطية (١/٤٤٦): «وقال قومٌ: إنّ الله تعالى يجيب كُلَّ الدعاء؛ فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا، وإما أن يُكَفَّر عنه، وإما أن يُدَّخر له أجر في الآخرة، وهذا بحسب حديث: «ما من مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يُعَجِّل له دعوته، وإما أن يَدَّخِرَها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها». قالوا: إذًا نُكْثِر. قال: «الله أكثر»». وقال ابنُ تيمية (١/٤٣٥): «قوله: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ يتناول نَوْعَيِ الدعاء، وبكلٍّ منهما فُسِّرَت الآية. قيل: أُعطِيه إذا سألني. وقيل: أُثيبُه إذا عبدني. وليس هذا من استعمال اللفظ المشترك في معنييه كليهما، أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؛ بل هذا استعماله في حقيقته المتضمنة للأمرين جميعًا، فتأمّله فإنه موضوع عظيم النفع، وقلّ ما يُفطَن له». وبنحوه ابنُ القيم (١/١٦٧)
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قوله: ﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين﴾ قال: أول ما خلَق الله الأرض في يومين؛ يوم الأحد، ويوم الاثنين، ﴿وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام﴾ قال: شقّ الأنهار، وغرس الأشجار، ووضع الجبال، وأجرى السحاب، وجعل في هذه ما ليس في هذه، وجعل فيها منافع في يومين؛ يوم الثلاثاء والأربعاء، ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أوكرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين﴾ يوم الخميس، ويوم الجمعة، ﴿وأوحى في كل سماء أمرها﴾ ملائكتها، وما أراد أن يخلق فيها، فمَن سألك في كم خُلقت السماوات والأرض؟ فقُلْ: كما قال الله -جلّ جلاله-: ﴿أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى للسماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أوكرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها﴾ اجتمع الخلْق في يوم الجمعة، وخلَق آدم في آخر ساعة من يوم الجمعة
عن أبي هريرة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام قط إلا ثلاث كذبات، ثِنْتين في ذات الله؛ قوله: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذا﴾ [الأنبياء:٦٣]، وواحدة في شأن سارة، فإنّه قدم أرض جبار ومعه سارة، وكانت أحسن الناس، فقال لها: إنّ هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألكِ فأخبريه أنك أختي، فإنّكِ أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلمًا غيري وغيرك. فلما دخل أرضَه رآها بعضُ أهل الجبار، أتاه فقال له: لقد قدم أرضُك امرأةً لا ينبغي لها أن تكون إلا لك. فأرسل إليها، فأُتي بها، فقام إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة، فلمّا دخلتْ عليه لم يتمالك أن بسط يدَه إليها، فقُبضت يده قبضة شديدة، فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضُرَّكِ. ففعلت، فعاد، فقُبضتْ أشد من القبضة الأولى، فقال لها مثل ذلك، ففعلت، فعاد، فقُبضتْ أشد من القبضتين الأوليين، فقال: ادعي الله أن يطلق يدي، فلكِ الله أن لا أضركِ. ففعلتْ، وأُطلقت يده، ودعا الذي جاء بها، فقال له: إنّك إنّما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان، فأخرِجها من أرضي، وأعطِها هاجر. قال: فأقبلت تمشي، فلمّا رآها إبراهيم عليه السلام انصرف، فقال لها: مهيم؟ قالت: خيرًا، كفَّ اللهُ يدَ الفاجر، وأخْدَمَ خادمًا». قال أبو هريرة: فتلك أمُّكُم، يا بني ماء السماء