عن ابن عباس -من طريق العوفي- ﴿تختانون أنفسكم﴾، يعني بذلك: الذي فعل عمر؛ فأنزل الله عَفْوَه، فقال: ﴿فتاب عليكم﴾ إلى قوله: ﴿من الخيط الأسود﴾، فأحلّ لهم المجامعة والأكل والشرب حتى يَتَبَيَّن لهم الصبحُ
ذهب عمر إلى أنّ المراد بالآية: جميعُ مَن تَوَلّى ذلك اليوم عن العدو. وعلّق ابنُ عطية (٢/٣٩٦) على ما ذهب إليه بقوله: «يريد: على جميع أنحاء التَّوَلِّي الذي لم يكن تَحَرُّفًا لقتال»
عن تميم الداري، قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «لَيَبْلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بلغ الليلُ والنهارُ، ولا يتركُ اللهُ بيتَ مَدَرٍ ولا وبَرٍ إلا أدخله هذا الدينَ، بعزِّ عزيز أو بذُلِّ ذليل؛ عِزًّا يُعِزُّ الله به الإسلامَ، وذُلًّا يُذِلُّ اللهُ به الكفرَ». فكان تميم الداري يقول: قد عرفتُ ذلك في أهل بيتي؛ لقد أصاب مَن أسلم منهم الخيرَ والشرفَ والعِزَّ، ولقد أصاب مَن كان منهم كافرًا الذُّلَ والصغارَ والجزيةَ
عن يونس بن ميسرة، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدّرداء، عن رسول الله ﷺ أنه سئل، فقيل: يا رسول الله، أرأيت ما نعمله أشيء قد فُرِغ منه أو شيء نستأنفه؟ قال: «كلّ امرئ مُهيّأ لِما خُلِق له». ثم أقبل يونس بن ميسرة على سعيد بن عبد العزيز، فقال له: إنّ تصديق هذا الحديث في كتاب الله عز وجل. فقال له سعيد: وأين، يا ابن حلبس؟ قال: أما تسمع الله يقول في كتابه: ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً﴾ أرأيتَ -يا سعيد- لو أنّ هؤلاء أُهملوا كما يقول الأخابث، أين كانوا يذهبون؟ حيث حَبّب إليهم وزَيّن لهم، أو حيث كَرّه لهم وبغّض إليهم؟!
عن عامر الشعبي، قال: كتب قيصر إلى عمر بن الخطاب: إنّ رُسُلي أتتني مِن قِبَلِك، فزَعَمَتْ أنّ قِبَلَكم شجرةً ليست بِخَلِيقَةٍ لِشَيء مِن الخير! تُخْرِج مثلَ آذان الحمير، ثم تَشَقَّق عن مِثل اللؤلؤ الأبيض، ثم تصير مِثْلَ الزُمُرُّد الأخضر، ثم تصير مثل الياقوت الأحمر، ثم تَيْنَعُ وتنضج، فتكون كأطيب فالوذَج أُكِل، ثم تيبس فتكون عِصْمَةً للمقيم، وزادًا للمسافر، فإن تكن رسلي صدَّقتني فلا أرى هذه الشجرة إلا مِن شجر الجنة. فكتب إليه عمر: أن رسلك قد صدَّقَتْك، هذه الشجرة عندنا، هي الشجرة التي أنبتها الله على مريم حين نَفِسَت بعيسى
عن أبي هريرة: أنه وفَد إلى صاحب البحرين، قال: فبعث معي بثمانمائة ألف درهم إلى عمر بن الخطاب، فقَدمتُ عليه، فقال: ما جئتنا به، يا أبا هريرة؟ فقلت: بثمانمائة ألف درهم. فقال: أتدري ما تقول؟! إنك أعرابي. قال: فعددتُها عليه بيدي حتى وفَيت. قال: فدعا المهاجرين، فاستشارهم في المال، فاختلفوا عليه. فقال: ارتفِعوا عنِّي، حتى إذا كان عند الظهيرة أرسل إليهم، فقال: إنّي لَقيتُ رجلًا مِن أصحابي، فاستشَرتُه، فلم يَنتشر عليه رأيُه. فقال: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ فقَسمه عمر على كتاب الله
قال ابنُ عطية (٢/١٦٢-١٦٣) في نزول الآية: «وقالت فرقة: الآية نازلة في المنافقين، وفي مَن ضَعُف جَلَده عن الإيمان من المؤمنين، وقلَّت تجربته». ثم علّق قائلًا: «فإمّا أن يكون ذلك في أمر السرايا، فإنهم كانوا يسمعون أقوال المنافقين، فيقولونها مع من قالها، ويذيعونها مع من أذاعها، وهم غير متثبتين في صحتها، وهذا هو الدالُّ على قلة تجربتهم، وإما أن يكون ذلك في سائر الأمور الواقعة، كالذي قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنهما: إنّه جاء وقوم في المسجد يقولون طلَّق رسول الله ﷺ نساءه...»، وذكر أثر عمر المروي هنا
عن عبد الله بن مسعود: أنّ أبا بكر خرج لم يُخرجه إلا الجوع، وخرج عمر لم يُخرجه إلا الجوع، وأنّ النبيَّ ﷺ خرج عليهما، وأنهما أخبراه أنه لم يُخرجهما إلا الجوع، فقال: «انطلِقوا بنا إلى منزل رجل من الأنصار يُقال له: أبو الهيثم بن التَّيِّهان». فإذا هو ليس في المنزل، ذهب يَستقي، فرحَّبت المرأةُ برسول الله ﷺ وبصاحبيه، وبسَطتْ لهم شيئًا، فجلسو عليه، فسألها النبيُّ ﷺ: «أين انطلَق أبو الهيثم؟». قالت: ذهب يَسْتَعْذِب لنا. فلم يلبث أن جاء بقِرْبة فيها ماء، فعلّقها، فأراد أن يذبح لهم شاة، فكأن النبيَّ ﷺ كَرِه ذلك لهم، فذبح لهم عَناقًا، ثم انطلق فجاء بكبائس من النَّخل، فأكلوا من ذلك اللحم والبُسْر والرّطب، وشربوا من الماء، فقال أحدهما -إمّا أبو بكر وإمّا عمر-: هذا من النعيم الذي نُسأل عنه؟ فقال النبيُّ ﷺ: «المؤمن لا يُثرَّب عليه بشيء أصابه في الدنيا، إنما يُثرَّب على الكافر»
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ﴾ يعني: التطوع ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ يعني: طيّبة بها أنفسكم تحتسبها ﴿يُضاعِفْهُ لَكُمْ﴾ يعني: القَرْض، ﴿ويَغْفِرْ لَكُمْ﴾ بالصّدقة، ﴿واللَّهُ شَكُورٌ﴾ لصدقاتكم حين يُضاعفها لكم، ﴿حَلِيمٌ﴾ عن عقوبة ذنوبكم حين غَفرها لكم، وعن مَن يَمُنُّ بصدقته ولم يحتسبها، ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ يعني: عالم كلّ غيب، يعني: غيب ما في قلبه مِن المنّ وقلّة الخشية، وشاهد كلّ نجوى، ﴿العَزِيزُ﴾ يعني: المنيع في مُلكه، ﴿الحَكِيمُ﴾ في أمره
عن الحسن، وابن سيرين، وابن شهاب الزهري -من طريق سليمان بن أرقم، وكان الزهري أشبعهم حديثًا- قالوا: لَمّا أسرع القتلُ في قُرّاء القرآن يوم اليمامة -قُتِل معهم يومئذ أربعمائة رجل- لقي زيدُ بن ثابت عمرَ بن الخطاب، فقال له: إنّ هذا القرآن هو الجامع لِدِينِنا، فإن ذهب القرآن ذهب دينُنا، وقد عزمتُ على أن أجمع القرآن في كتاب. فقال له: انتظر حتى نسألَ أبا بكر. فمَضَيا إلى أبي بكر، فأخبراه بذلك، فقال: لا تعجلْ حتى أُشاوِرَ المسلمين. ثم قام خطيبًا في الناس، فأخبرهم بذلك، فقالوا: أصَبْتَ. فجمعوا القرآنَ، وأمر أبو بكر مُنادِيًا، فنادى في الناس: مَن كان عنده مِن القرآن شيء فليجِئْ به. قالت حفصةُ: إذا انتهيتُم إلى هذه الآية فأخبروني: ﴿حافِظُوا عَلى الصَّلَواتِ والصَّلاةِ الوُسْطى﴾. فلَمّا بلغوا إليها قالتْ: اكتبوا: (والصَّلاةِ الوُسْطى وهِيَ صَلاةُ العَصْرِ). فقال لها عمر: ألكِ بهذا بيِّنَةٌ؟ قالت: لا. قال: فواللهِ، لا نُدْخِل في القرآن ما تشهد به امرأةٌ بلا إقامة بَيِّنَةٍ. وقال عبد الله بن مسعود: اكتبوا: (والعَصْرَ إنَّ الإنسانَ لَيَخْسَرُ وإنَّهُ فِيهِ إلى آخِرِ الدَّهْرِ). فقال عمر: نَحُّوا عنا هذه الأعرابية