ذَهَبَ ابنُ جرير (٤/٦٨١) إلى ما ذهب إليه السدي مِن أنّ هذه الآية مَثَل آخر لنفقة المرائي، استنادًا إلى السياق، وحملًا على النظير، فقال: «هذا المثل الذي ضربه الله للمنفقين أموالهم رياء الناس في هذه الآية نظيرُ المثل الآخر الذي ضربه لهم بقوله: ﴿كَمَثَلِ صَفْوانَ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة:٢٦٤]. وقد تنازع أهل التأويل في تأويل هذه الآية، إلا أنّ معانيَ قولهم في ذلك -وإن اختلفت تصاريفهم فيها- عائِدَةٌ إلى المعنى الذي قلنا في ذلك، وأحسنهم إبانة لمعناها وأقربهم إلى الصواب قولًا فيها السُّدِّيُّ». ثم علل ذلك (٤/٦٨٩) بقوله: «وإنما قلنا: إن الذي هو أولى بتأويل ذلك ما ذكرنا؛ لأن الله -جل ثناؤه- تقدّم إلى عباده المؤمنين بالنهي عن المنّ والأذى في صدقاتهم، ثم ضرب مثلًا لمن منَّ وآذى من تصدق عليه بصدقة، فمثَّله بالمرائي من المنافقين المُنفقين أموالَهم رياءَ الناس، وكانت قصة هذه الآية وما فيها من المثلِ نظيرة ما ضرب لهم من المثل قبلها، فكان إلحاقها بنظيرتها أولى من حمل تأويلها على أنه مثَلٌ لِما لم يجرِ له ذكر قبلها ولا معها»
عن عبد الله بن عباس -من طريق الزبير بن عدي، عن الضحاك- أنه جاءه رجل، فقال: يا ابن عباس، إني أريد أن آمرَ بالمعروف، وأنهى عن المنكر. قال: أوَبَلَغْت ذلك؟ قال: أرجو. قال: فإن لم تخشَ أن تُفْتَضَحَ بثلاثة أحرف في كتاب الله فافعل. قال: وما هُنَّ؟ قال: قوله عز و جل: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾، أحَكمْت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: ﴿لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتًا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون﴾ [الصف:٢-٣]، أحَكَمْت هذه الآية؟ قال: لا. قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب: ﴿ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾ [هود:٨٨]، أحَكمْتَ هذه الآية؟ قال: لا. قال: فابدأ بنفسك
عن عبد الله بن عباس -من طريق حميد بن عبد الرحمن بن عوف-: أن مروان قال لبوابه: اذهب يا رافع إلى ابن عباس، فقل له: لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى، وأحب أن يُحْمَد بما لم يُفعل مُعَذَّبًا؛ لَنُعذَّبَنَّ أجمعون. فقال ابن عباس: ما لكم ولهذه الآية، إنما أُنزلت هذه في أهل الكتاب. ثم تلا ابن عباس: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس﴾ الآية، وتلا: ﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا﴾ الآية. قال ابن عباس: سألهم النبي - ﷺ - عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستَحْمَدُوا بذلك إليه، وفرحوا بما أتوا من كتمان ما سألهم عنه.
عن سعيد بن جبير -من طريق قيس عن سالم الأفطس- قال: لَمّا نزلت هذه الآية: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر﴾ رخَّص فيها قومٌ من المسلمين مِمَّن بمكة من أهل الضرر، حتى نزلت فضيلة المجاهدين على القاعدين، فقالوا: قد بيَّن الله فضيلة المجاهدين على القاعدين، ورخص لأهل الضرر. حتى نزلت: ﴿إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم﴾ إلى قوله: ﴿وساءت مصيرا﴾ قالوا: هذه مُوجِبة. حتى نزلت: ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا﴾ فقال ضَمْرَة بن العِيص أحد بني ليث، وكان مصاب البصر: إنِّي لَذو حيلة؛ لي مال فاحملوني. فخرج وهو مريض، فأدركه الموت عند التنعيم، فدُفِن عند مسجد التنعيم؛ فنزلت فيه هذه الآية: ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت﴾ الآية
عن أبي هريرة -من طريق حميد بن عبد الرحمن- قال: أنزل اللهُ في العام الذي نبَذ فيه أبو بكرٍ إلى المشركين: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس﴾ الآية. فكان المشركون يُوافُون بالتجارة، فيَنتفِعُ بها المسلمون، فلمّا حرَّم اللهُ على المشركين أن يَقْرَبُوا المسجد الحرام؛ وجَد المسلمون في أنفسهم مِمّا قُطِعَ عنهم من التجارة التي كان المشركون يُوافُون بها؛ فأنزل الله: ﴿وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾. فأحلَّ في الآية الأخرى التي تَتبَعُها الجزيةَ، ولم تكن تُؤْخَذُ قبلَ ذلك، فجعلها عِوضًا ممّا منعهم مِن موافاةِ المشركين بتجاراتِهم، فقال: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ إلى قوله: ﴿صاغرون﴾. فلمّا أحقَّ الله ذلك للمسلمين عرَفوا أنّه قد عاضَهم أفضلَ ممّا كانوا وجدوا عليه ممّا كان المشركون يُوافُون به من التجارة
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قال: أنزَل الله هذه الآية وقد علِم أنه سيرتدُّ مرتدُّون من الناس، فلمّا قبَض الله نبيه ارتد عامَّةُ العربِ عن الإسلام، إلا ثلاثةَ مساجدَ؛ أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الجُواثا من عبد القيس. وقال الذين ارتدوا: نُصَلِّي الصلاةَ ولا نزكِّي، واللهِ، لا تُغصَبُ أموالُنا. فكُلِّمَ أبو بكرٍ في ذلك ليَتَجاوزَ عنهم، وقيل له: إنهم لو قد فُقِّهوا أدَّوُا الزكاة. فقال: واللهِ، لا أُفَرِّقُ بين شيءٍ جمَعه الله، ولو منَعوني عِقالًا مما فرَض اللهُ ورسوله لقاتَلتُهم عليه. فبعَث اللهُ عصائبَ مع أبي بكر فقاتلوا حتى أقرُّوا بالماعون، وهو الزكاة. قال قتادة: فكنا نُحَدَّثُ: أن هذه الآية نزلت في أبي بكر وأصحابه: ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾ إلى آخر الآية
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- قال: لَمّا بعَث اللهُ محمدًا ﷺ رسولًا أنكَرَتِ العربُ ذلك، أو مَن أنكر منهم، فقالوا: اللهُ أعظمُ مِن أن يكونَ رسولُه بشرًا مثلَ محمدٍ. فأنزل الله: ﴿أكانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أنْ أوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِنهُم﴾ الآية، ﴿ومَآ أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلاَّ رِجالًا﴾ الآية [الأنبياء:٧]. فلمّا كَرَّر الله عليهم الحُجَجَ قالوا: وإذا كان بشرًا فغيرُ محمدٍ كان أحقَّ بالرسالةِ، ﴿لَوْلا نُزِلَ هَذا القُرْءانُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، يقول: أشرَفَ مِن محمدٍ، يَعْنون: الوليد بن المغيرة من مكة، ومسعود بن عمرو الثقفيَّ من الطائف؛ فأنزَل الله ردًا عليهم: ﴿أهُمْ يَقسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِكَ﴾ الآية [الزخرف:٣٢]
عن عبد الله بن عباس، قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية وأصحابُه عنده: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم ان زلزلة الساعة شيء عظيم﴾. فقال: «هل تدرون أيَّ يوم ذاك؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «ذاك يوم يقول الله: يا آدم، قم فابعث بعث النار. فيقول: يا رب، مِن كم؟ فيقول: مِن كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحدًا إلى الجنة». فشقَّ ذلك على القوم، فقال رسول الله ﷺ: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة». ثم قال: «اعملوا وأبشروا، فإنكم بين خليقتين لم تكونا مع أحد إلا أكْثَرَتاهُ؛ يأجوج ومأجوج، وإنما أنتم في الأُمَم كالشامة في جنب البعير، أو كالرَّقمة في ذراع الدابة، وإنما أُمَّتي جزء من ألف جزء»
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿فَمِنهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال: هذا المنافق، ﴿ومِنهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ قال: هذا صاحب اليمين، ﴿ومنهم سابق بالخيرات﴾ قال: هذا المقرّب. قال قتادة بن دعامة: كان الناس ثلاث منازل عند الموت، وثلاث منازل في الدنيا، وثلاث منازل في الآخرة، فأما الدنيا فكانوا [مؤمنًا، ومنافقًا، ومشركًا]، وأَمّا عند الموت فإن الله قال: ﴿فَأَمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ الآية [الواقعة:٨٨]، ﴿وأَمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ الآية [الواقعة:٩٠]، ﴿وأَمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ الآية [الواقعة:٩٢]، وأَمّا الآخرة فكانوا أزواجًا ثلاثة: ﴿فَأَصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ * وأَصْحابُ المَشْأَمَةِ ما أصْحابُ المَشْأَمَةِ * والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة:٨-١٠]
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- يقول في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ إلى آخر الآية، قال: بعث رسولُ الله ﷺ رجلًا مِن أصحابه إلى قوم يُصَدّقهم، فأتاهم الرجل، وكان بينهم وبينه حِنَّة في الجاهلية، فلما أتاهم رحّبوا به، وأقرُّوا بالزّكاة، وأعطوا ما عليهم من الحقّ، فرجع الرجلُ إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، منع بنو فلان الزّكاة، ورجعوا عن الإسلام. فغضب رسول الله ﷺ، وبعث إليهم، فأتَوه، فقال: «أمنعتم الزّكاة، وطردتم رسولي؟!». فقالوا: واللهِ، ما فعلنا، وإنّا لنعلم أنك لرسول الله -صلّى الله عليك-، ولا بدّلنا، ولا منعنا حقّ الله في أموالنا. فلم يُصدّقهم رسول الله ﷺ؛ فأنزل الله هذه الآية، فعذَرهم