سورة البقرة — الآية ١٢٧

عن محمد بن إسحاق -من طريق عثمان بن ساج- قال: لَمّا أُمِر إبراهيمُ خليلُ الله تعالى أن يبنيَ البيت الحرام أقبل من أرْمِينِيَةَ على البُراق، معه السكينة، لها وجه يتكلم، وهي بعدُ ريح هَفّافَةٌ، ومعه مَلَكٌ يدلُّه على موضع البيت، حتى انتهى إلى مكة، وبها إسماعيل، وهو يومئذ ابن عشرين سنة، وقد تُوُفِّيَت أمه قبل ذلك، ودُفِنت في موضع الحِجْر، فقال: يا إسماعيل، إنّ الله تعالى قد أمرني أن أبني له بيتًا. فقال له إسماعيل: وأين موضعه؟ قال: فأشار له الملَكُ إلى موضع البيت، قال: فقاما يحفران عن القواعد، ليس معهما غيرهما، فبلغ إبراهيم الأساسَ؛ أساسَ آدم الأول، فحفر عن رَبَضِ في البيت، فوجد حِجارةً عِظامًا، ما يُطِيق الحجر منها ثلاثون رجلًا، ثم بنى على أساس آدم الأول، وتَطَوَّقت السكينةُ كأنها حيَّة على الأساس الأول، وقالت: يا إبراهيم، ابنِ عَلَيَّ. فبنى عليها، فلذلك لا يطوف بالبيت أعرابيٌّ نافِر ولا جَبّار إلا رأيت عليه السكينة. فبنى البيت، وجعل طوله في السماء تسعة أذرع، وعرضه في الأرض اثنين وثلاثين ذراعًا، من الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي عند الحجر من وجهه، وجعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي الذي فيه الحجر اثنين وعشرين ذراعًا، وجعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحدًا وثلاثين ذراعًا، وجعل عرض شِقها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعًا. قال: فلذلك سُمِّيَت: الكعبة؛ لأنها على خِلْقَة الكَعْب. قال: وكذلك بنيان أساس آدم، وجعل بابها بالأرض غير مبَوَّب، حتى كان تُبَّع بن أسعد الحِمْيَرِيّ، وهو الذي جعل لها غُلْقًا فارسيًّا، وكساها كِسْوةً تامة، ونحر عندها، وجعل إبراهيم عليه السلام الحِجْرَ إلى جنب البيت عريشًا من أراك، تقتحمه العَنْز، فكان زَرْبًا لغنم إسماعيل، وحفر إبراهيم جُبًّا في بطن البيت على يمين من دخله، يكون خزانة للبيت، يُلقى فيه ما يُهدى للكعبة، وكان الله استودع الركن أبا قبيس حين أغرق الله الأرض زمن نوح، وقال: إذا رأيتَ خليلي يبني بيتي فأخرجه له. فجاء به جبريل فوضعه في مكانه، وبنى عليه إبراهيم وهو حينئذ يتلألأ نورًا من شِدَّة بياضه، وكان نورُه يُضِيء إلى منتهى أنصاب الحرم من كل ناحية، قال: وإنما شِدَّة سواده لأنّه أصابه الحريق مرة بعد مرة في الجاهلية والإسلام

سورة البقرة — الآية ٣٦

عن محمد بن قيس -من طريق أبي مَعْشَر- قال: نهى الله آدم وحوّاء أن يأكلا من شجرة واحدة في الجنة، ويأكلا منها رغدًا حيث شاءا، فجاء الشيطان، فدخل في جوف الحية، فكلَّم حواء، ووسوس الشيطان إلى آدم، فقال: ﴿ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾ [الأعراف:٢٠-٢١]. قال: فعَضَّت حواء الشجرة، فدَمِيَت الشجرة، وسقط عنهما رياشهما الذي كان عليهما، ﴿وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين﴾ [الأعراف:٢٢]، لِمَ أكلتها وقد نهيتُك عنها؟ قال: يا رب، أطْعَمَتْني حواء. قال لحواء: لِمَ أطعمتِهِ؟ قالت: أمَرَتْني الحيَّةُ. قال للحية: لِمَ أمَرْتِها؟ قالتْ: أمرني إبليس. قال: ملعونٌ مدحورٌ، أمّا أنتِ يا حوّاء فكما أدْمَيْتِ الشجرة فتَدْمين في كُلِّ هلال، وأما أنتِ يا حيَّة فأقطع قوائمك؛ فتمشين جَرْيًا على وجهك، وسَيَشْدَخ رأسك من لَقِيك بالحجر؛ اهبطوا بعضكم لبعض عدو

سورة البقرة — الآية ٢٤٨

عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال:... قالوا: ما آيةُ ذلك نعرفه أنّه ملك؟ قال: آيته أن يأتيكم التابوت. فقالوا: إن ردَّ علينا التابوت فقد رضينا وسلَّمنا. وكان الذين أصابوا التابوت أسفلَ من جبل إيليا، فيما بينهم وبين مصر، وكانوا أصحاب أوثان، وكان فيهم جالوت، وكان له جِسْمٌ، وخَلْقٌ، وقُوَّةٌ في البطش، وشِدَّةٌ في الحرب، فلمّا وقع التابوت في أيديهم [جعلوا] التابوت في قرية من قُرى فلسطين، فوضعوه في بيت أصنامهم، فأصبحت أصنامُهم منكوسةً. وكان لهم صنمٌ كبير، أصنامهم من ذهب، وكان له حَدَقَتان من ياقوتتين حمراوين، فخرَّ ذلك الصنمُ ساجِدًا للتابوت، [وانحدرت] حَدَقَتان على وجْنَتَيْه يسيل منها الماء، فلمّا دخلتْ سَدَنَةُ بيتِ أصنامهم، ورَأَوْا ذلك؛ نَتَفُوا شعورَهم، ومَزَّقوا جيوبهم، وأخبروا مَلِكهم. وسلط الله عز وجل النارَ على أهل تلك القرية، فتجيء الفأرة إلى الرجل، فتأكل جوفَه، وتخرج من دُبُرِه وهو نائم، حتى طافت عليهم فماتوا، فقالوا: ما أصابنا هذا إلا في سبب هذا التابوت. فأرادوا حرقه، فلم تحرقه النار، وأرادوا كسره، فلم يَحُكَّ فيه الحديد، فقالوا: أخرجوه عنكم. فوضعوه على ثورين على عجلة، فسَيَّبُوه، فساقَتْهُ الملائكةُ إليهم

سورة النساء — الآية ١٧١

عن عبد الله بن مسعود، قال: بعثنا رسول الله ﷺ إلى النجاشي، ونحن ثمانون رجلًا، ومعنا جعفر بن أبي طالب، وبعثت قريشُ عمارة وعمرو بن العاص، ومعهما هديةٌ إلى النجاشي، فلمّا دخلا عليه سجدا له، وبَعَثا إليه بالهدية، وقالا: إنّ ناسا من قومنا رَغِبوا عن ديننا، وقد نزلوا أرضك. قال: أين هم؟ قالا: هم في أرضك. فبعث إليهم، حتى دخلوا عليه، فلم يسجدوا له، فقالوا: ما لكم لم تسجدوا للملك؟ فقال جعفر: إنّ الله بعث إلينا نبيه، فأمرنا ألا نسجد إلا لله. فقال عمرو بن العاص: إنّهم يخالفونك في عيسى وأُمِّه. قال: فما يقولون في عيسى وأمه؟ قالوا: نقول كما قال الله، هو روح الله، وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسسها بشر. فتناول النجاشيُّ عودًا، فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما تزيدون على ما يقول هؤلاء ما يَزِنُ هذه، مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنّه نبي، ولوددت أنِّي عنده فأحْمِل نعليه، فانزلوا حيث شئتم مِن أرضي

سورة الأعراف — الآية ٢٠

عن محمد بن قيسٍ -من طريق أبي معشر- قال: نهى الله ُآدمَ وحوّاء أن يأكُلا من شجرةٍ واحدةٍ في الجنة، فجاء الشيطانُ فدخَل في جوف الحيَّة، فكلَّم حوّاءَ، ووَسوس إلى آدم، فقال: ﴿ما نهاكُما ربُّكما عَنْ هذهِ الشَجَرةِ إلَّآ أن تكُونا مَلَكَيْن أو تكُونا من الخالدين * وقاسمهُما إني لكُما لمن النّاصحين﴾. فقطعت حوّاء الشجرةَ، فدَمِيَتِ الشجرةُ، وسقط عنهما رِياشُهما الذي كان عليهما، ﴿وطَفقا يخصفان عليهما من ورق الجنَّة وناداهُما ربُّهما ألمْ أنهكُما عن تِلكُما الشجرة وأقُل لكمآ إنّ الشيطانَ لكما عدوٌ مبينٌ﴾، لِمَ أكَلتها وقد نهيتُك عنها؟ قال: يا ربِّ، أطْعَمَتْني حواءُ. قال لحوّاء: لِمَ أطْعَمْتِيه؟ قالتْ: أمَرَتْنِي الحيَّةُ. قال للحيَّة: لِمَ أمَرْتِها؟ قالتْ: أمرَني إبليسُ. قال: ملعونٌ مَدْحورٌ، أمّا أنتِ يا حواءُ كما أدْمَيْتِ الشجرةَ تَدْمَيْنَ في كلِّ هلالٍ، وأمّا أنتِ يا حيَّةُ فأقطعُ قوائِمَك، فتمشين جرًّا على وجهك، وسيشدَخُ رأسَك مَن لَقِيَك بالحجر، ﴿اهبطُوا بعضُكم لبعضٍ عدوٌ﴾

سورة النحل — الآية ١١١

عن كعب الأحبار -من طريق شريح بن عبيد الحضرمي، وغيره- قال: كنت عند عمر بن الخطاب، فقال: خوِّفنا، يا كعب. فقلت: يا أمير المؤمنين، أوَليس فيكم كتاب الله وحكمة رسوله؟ قال: بلى، ولكن خوِّفنا. قلت: يا أمير المؤمنين، لو وافيت القيامة بعمل سبعين نبيًّا لازْدَرَيْت عملك مما ترى. قال: زِدنا. قلت: يا أمير المؤمنين، لو فُتِح من جهنم قدْر مَنخِرِ ثورٍ بالمشرق، ورجلٌ بالمغرب؛ لَغَلى دماغه حتى يسيل مِن حرِّها. قال: زدنا. قلت: يا أمير المؤمنين، إنّ جهنم لتزفر زفرة يوم القيامة، لا يبقى ملك مقرب ولا نبيٌّ مرسل إلا خرَّ جاثيًا على ركبيته، حتى إن إبراهيم خليله ليَخِرُّ جاثيًا على ركبتيه، فيقول: ربِّ، نفسي نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي. فأطرق عمر مليًّا، قلت: يا أمير المؤمنين، أوَليس تجدون هذا في كتاب الله؟ قال: كيف؟ قلت: قول الله في هذه الآية: ﴿يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتُوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون﴾

سورة الكهف — الآية ٩٩

عن هارون بن عنترة، عن شيخ من بني فزارة، في قوله: ﴿وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض﴾، قال: إذا ماج الجنُّ والإنسُ بعضهم في بعض قال إبليس: أنا أعلم لكم عِلْمَ هذا الأمر. فيَظْعَنُ إلى المشرق، فيجد الملائكة قد نَطَقُوا الأرض، ثم يَظْعَنُ إلى المغرب، فيجد الملائكة قد نَطَقُوا الأرض، ثم يَظْعَنُ يمينًا وشمالًا حتى ينتهي إلى أقصى الأرض، فيجد الملائكة قد نَطَقُوا الأرض، فيقول: ما مِن محيص. فبينما هو كذلك إذ عرض له طريق كأنه شِراك، فأخذ عليه هو وذريته، فبينا هم عليه إذ هجم على النار، فخرج إليه خازن مِن خُزّان النار، فقال: يا إبليس، ألم تكن لك المنزلة عند ربك؟! ألم تكن في الجِنان؟! فيقول: ليس هذا يوم عتاب، لو أنّ الله افترض عليَّ عبادةً لعبدته عبادة لم يعبده مثلها أحد من خلقه. فيقول: فإنّ الله قد فرض عليك فريضة. فيقول: ما هي؟ فيقول: يأمرك أن تدخل النار. فيتلكأ عليه، فيقول به وبذريته بجناحه، فيقذفهم في النار، فتزفر جهنمُ زفرةً لا يبقى مَلَك مقرب ولا نبي مُرسَل إلا جثا لركبتيه

سورة سبأ — الآية ١٣

قال معمر، وقال قتادة: إنّ سليمان قال للشياطين: إنِّي قد أمرتُ أن أبني مسجدًا -يعني: مسجد بيت المقدس- لا أسمع فيه صوت منقار ولا ميشار. فقالت له الشياطين: إنّ في البحر شيطانًا، فلعلك إن قدرت عليه أن يخبرك بذلك. وكان ذلك الشيطان يرد كل سبعة أيام عينًا يشرب منها، فعمدت الشياطين إلى تلك العين، فنزحتها، ثم ملأتها خمرًا، فجاء ذلك الشيطان، فقال: إنّك لطيبة الريح، ولكنك تُسفِّهين الحليم، وتزيدين السفيه سفهًا. ثم ذهب فلم يشرب، ثم أدركه العطش، فرجع، فقال مثل ذلك ثلاث مرات، ثم إنه كرع فشرب فسكر، فأخذوه، فجاءوا به إلى سليمان، فأراه سليمان خاتمه، فلما رآه ذلَّ له، وكان ملك سليمان في خاتمه، فقال سليمان: إني قد أمرت أن أبني مسجدًا فلا أسمع فيه صوت منقار ولا ميشار. فأمر الشياطين بزجاجة فصنعت له، ثم وضعت على بيض الهدهد، فجاء الهدهد ليربض على بيضه فلم يقدر عليه، فذهب، فقال الشيطان: انظروا ما يأتي به الهدهد فخذوه. فجاء بالماس، فوضعه على الزجاجة، ففلقها، فأخذوا الماس، فجعلوا يقطعون به الحجارة قطعًا حتى بنى بيت المقدس

سورة ص — الآية ٣٤

عن علي بن أبي طالب، قال: بينما سليمان بن داود جالسًا على شاطئ البحر، وهو يعبث بخاتمه، إذ سقط منه في البحر، وكان مُلكُه في خاتمه، فانطلق وخلَف شيطان في أهله، فأتى عجوزًا، فأوى إليها، فقالت له العجوز: إن شئت أن تنطلق فتطلُب وأكفيك عملَ البيت، وإن شئت أن تكفيني عملَ البيت وأنطلق فألتمس. قال: فانطلق يلتمس، فأتى قومًا يصيدون السمك، فجلس إليهم، فنبذوا إليه سمكات، فانطلق بهنَّ حتى أتى العجوز، فأخذت تصلحه، فشقت بطن سمكة، فإذا فيها الخاتم، فأخذته، وقالت لسليمان: ما هذا؟ فأخذه سليمان، فلبسه، فأقبلت إليه الشياطين والجن والإنس والطير والوحش، وهرب الشيطان الذي خلَف في أهله، فأتى جزيرةً في البحر، فبعث إليه الشياطين، فقالوا: لا نقدر عليه؛ إنّه يرد عينًا في جزيرة في البحر في سبعة أيام يومًا، ولا نقدر عليه حتى يسكر. قال: فصُبّ له في تلك العين خمر، فأقبل فشرب، فأروه الخاتم، فقال: سمعًا وطاعة. فأوثقه سليمان، ثم بعث به إلى جبل، فذكروا أنه جبل الدخان، فيقال: الدخان الذي يرون من نَفَسه، والماء الذي يخرج من الجبل بوله

سورة ص — الآية ٣٦

عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم- قال: ورث سليمانُ المُلكَ، وأحدث الله إليه النبوة، وسأله أن يهَبَ له مُلكًا لا ينبغي لأحد من بعده، ففعل -تبارك وتعالى-، فسخَّر له الإنس والجن والطير والريح، فكان إذا خرج مِن بيته إلى مجلسه -وكان فيما يزعمون أبيض، وسيمًا، وضيئًا، كثير الشعر، يلبس البياض من الثياب- عكفت عليه الطير، وقام عليه الإنسُ والجن حتى يجلس على سريره، وكان امرأً غزّاءً، قَلَّ ما يقعد عن الغزو، ولا يسمع بملِكٍ في ناحية من الأرض إلا أتاه حتى يُذِلَّه، كان -فيما يزعمون- إذا أراد الغزو أمَر بعسكره فضُرب له من خشب، ثم نصب على الخشب، ثم حمل عليه الناس والدواب وآلة الحرب كلها، حتى إذا حمل معه ما يريد أمر العاصف من الريح فدخلت تحت ذلك الخشب، فاحتملته، حتى إذا [استقلَّت] به أمرت الرخاء، فقذفت به شهرًا في روحته، وشهرًا في غدوته إلى حيث أراد الله. يقول الله عز وجل: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ أي: حيث أراد. قال: ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢]