عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿يسبحون الليل والنهار لا يفترون﴾، يقول: إنّ الملائكة الذين هم عند الرحمن لا يستكبرون عن عبادته، ولا يسأمون فيها. وذُكِر لنا: أنّ نبيَّ الله ﷺ بينما هو جالس مع صحبه إذ قال: «تسمعون ما أسمع؟». قالوا: ما نسمع من شيء، يا نبي الله! قال: «إنِّي لأسمعُ أطيط السماء، وما تُلام أن تَئِطَّ، وليس فيها موضع راحةٍ إلا وفيه ملَك ساجدٌ أو قائمٌ»
عن عبد الله بن مسعود -من طريق عَلْقمة- أنّ رجلًا قال له: إنّي أقرأ المُفصّل في ركعة. فقال: أهذًّا كهَذِّ الشِّعر؟! لكنّ النبيَّ ﷺ كان يقرأ النظائر سورتين في ركعة: الرحمن والنّجم في ركعة، و﴿اقتربت﴾ والحاقة في ركعة، والطور والذّاريات في ركعة، و﴿إذا وقَعتْ﴾ و﴿ن﴾ في ركعة، و﴿عمّ﴾ والمُرسلات في ركعة، والدُّخان و﴿إذا الشمس كُوِّرت﴾ في ركعة، و﴿سأل سائل﴾ والنّازعات في ركعة، و﴿ويلٌ للمطففين﴾ و﴿عبس﴾ في ركعة
عن جابر بن زيد -من طريق رجل- قال: إنّ اسم الله الأعظم هو الله، ألم تسمع[الله] يقول: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، يقول: تبرئةً لله، وتنزيهًا له عن شِرك المشركين به
قال ابنُ عطية (٧/٣٧): «وقال بعض المفسرين: إنما أراد: أوتوا الإيمان والعلم؛ ففي الكلام تقديم وتأخير. [كما في رواية ابن جرير لقول قتادة]. ولا يُحتاج إلى هذا، بل ذكر العلم يتضمن الإيمان، ولا يصف الله بعلم من لم يعلم كل ما يوجب الإيمان، ثم ذكر الإيمان بعد ذلك تنبيهًا عليه وتشريفًا لأمره كما قال تعالى: ﴿فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨]، فنبَّه على مكان الإيمان، وخصَّه بالذِّكر تشريفًا»
عن عمر بن عبد العزيز، قال: كانت قريش في الجاهلية تَعْتَفِد، وكان اعتفادها أنّ أهل البيت منهم كانوا إذا سافتْ -يعني: هلكتْ- أموالهم خرجوا إلى بَراز من الأرض، فضربوا على أنفسهم الأخبية، ثم تناوبوا فيها حتى يموتوا، من قبل أن يُعلم بخَلّتهم، حتى نشأ هاشم بن عبد مناف، فلما وبَل وعظم قدره في قومه قال: يا معشر قريش، إنّ العِزّ مع كثرة العدد، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالًا، وأعزّهم نفرًا، وإنّ هذا الاعتفاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيتُ رأيًا. قالوا: رأيك رشدٌ، فمُرنا نأتمر. قال: رأيتُ أنْ أخلط فقراءكم بأغنيائكم، فأعمد إلى رجل غني فأضم إليه فقيرًا، عياله بعدد عياله، فيكون يوازره في الرحلتين؛ رحلة الصيف إلى الشام، ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغني من فضل عاش الفقير وعياله في ظِلّه، وكان ذلك قطعًا للاعتفاد. قالوا: نِعم ما رأيتَ. فألّف بين الناس، فلما كان من أمر الفيل وأصحابه ما كان، وأنزل الله ما أنزل، وكان ذلك مفتاح النبوة، وأول عِزّ قريش حتى هابهم الناس كلّهم، وقالوا: أهل الله، والله معهم. وكان مولد النبيِّ ﷺ في ذلك العام، فلما بعث الله رسوله ﷺ كان فيما أنزل عليه يعرّف قومه ما صنع إليهم، وما نصرهم من الفيل وأهله: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الفِيلِ﴾ إلى آخر السورة. ثم قال: ولِمَ فعلتُ ذلك -يا محمد- بقومك، وهم يومئذ أهل عبادة أوثان؟! فقال: ﴿لِإيلافِ قُرَيْشٍ﴾ إلى آخر السورة. أي: لتراحمهم وتواصلهم، وإن كان الذي آمنهم منه من الخوف؛ خوفَ الفيل وأصحابه، وإطعامَهم إياهم من الجوع؛ من جوع الاعتفاد
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ويستفتونك في النساء﴾ نزلت في سويد وعرفطة ابني الحارث، وعيينة بن حصن الفزاري. ذلك أنّه لَمّا فرض الله عز وجل لأُمِّ كُجَّة وبناتها الميراثَ انطلق سويد وعرفطة وعيينة بن حصن الفزاري إلى النبي ﷺ، فقالوا للنبي ﷺ: إنّ المرأة لا تركب فرسًا ولا تجاهد، وليس عند الولدان الصغار منفعة في شيء! فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿ويستفتونك في النساء﴾ يعني: يسألونك عن النساء، يعني: سويدًا وصاحبيه، ﴿قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب﴾ يعني: ما بيَّن من القسمة في أول هذه السورة. قال: ويفتيكم ﴿في يتامى النساء﴾، يعني: بنات أم كُجَّة
عن جابر بن عبد الله، قال: كان رسول الله ﷺ يُعَلِّمُنا الاستخارة في الأمر كما يُعَلِّمنا السورةَ مِن القرآن، يقول: «إذا همَّ أحدُكم بالأمر فليركع ركعتين مِن غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم، إنِّي أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك مِن فضلك العظيم، فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علام الغيوب، اللهم، إن كنت تعلم هذا الأمرَ خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجِل أمري وآجِله فاقدره لي ويسِّره لي، وإن كنت تعلم هذا الأمر شرًّا لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجل أمري وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ورَضِّني به. ويسمى حاجته باسمها»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة-: أنّ قريشًا دَعتْ رسول الله ﷺ إلى أن يُعطوه مالًا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوّجوه ما أراد مِن النساء، فقالوا: هذا لك، يا محمد، وكُفّ عَن شتْم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنّا نَعرض عليك خَصلة واحدة، ولك فيها صلاح. قال: «ما هي؟». قالوا: تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة. قال: «حتى أنظر ما يأتيني من ربي». فجاء الوحيُ من عند الله: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ السورة، وأنزل الله: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فاعْبُدْ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٤-٦٦]
علَّق ابنُ عطية (٥/٥٣٤) على هذا الأثر بقوله: «وذلك أنه كان عندهم في التوراة: أنّ الروح مما انفرد الله بعلمه، ولا يُطلع عليه أحدًا من عباده». ثم علَّق على عبارة بعضهم: لا تسألوه. بقوله: «يعني: -والله أعلم- مِن أنه لا يفسره، فتقوى الحجة عليهم في نبوته». وذكر أن الضمير في ﴿ويسألونك﴾ لليهود، والآية مدنية. وذكر ابنُ كثير (٩/٧٢) أن هذا السياق يقتضي مدنية الآية، وأنها إنما نزلت حين سأله اليهود عن ذلك بالمدينة، مع أن السورة كلها مكية. وأجاب عن هذا بأمرين: الأول: أنه قد يكون نزلت عليه بالمدينة مرة ثانية كما نزلت عليه بمكة قبل ذلك. الثاني: أنه نزل عليه وحي بأنه يجيبهم عما سألوا بالآية المتقدم إنزالها عليه، وهي هذه الآية: ﴿ويسألونك عن الروح﴾
انتقد ابن عطية (٧/٢٦٧) مستندًا إلى أحوال النزول والدلالة العقلية ما أفاده هذا الأثر عن ابن عباس من كون الآية نازلة في عبد الله بن أبي، فقال: «وهو وهمٌ ممن نسبه إلى ابن عباس؛ لأن السورة مكية، والآية مكية بإجماع، ولأن عبد الله بن أبي لم يجاهر قط هذه المجاهرة، واسْمُ أُبي هو الذي خلط على الرواة؛ لأن الصحيح هو ما رواه ابن وهب عن مالك، وقاله ابن إسحاق وغيره: من أن أبي بن خلف أخا أمية بن خلف هو الذي جاء بالعظم الرميم بمكة ففته في وجه النبي ﷺ، وقال: من يحيي هذا، يا محمد؟». وبنحوه قال ابنُ كثير (١١/٣٨٤)