اختُلِف في معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ على أقوال: الأول: الذين جعلوا القرآن فِرَقًا مُفْتَرِقة. الثاني: الذي عَضَهُوا القرآن، فقالوا: سِحْرٌ، أو هو شعرٌ. الثالث: عَنى بالعَضْهِ في هذا الموضع نسبتهم إيّاه إلى أنه سِحْرٌ خاصة، دون غيره من معاني الذَّمِّ. ووجَّه ابنُ جرير (١٤‏/‏١٣٦) القول الأول، وهو قول ابن عباس من طريق سعيد بن جبير، وابن أبي طلحة، وقول الضحاك وما في معناه بقوله: «فوجَّه قائلو هذه المقالة قوله: ﴿عِضِينَ﴾ إلى أن واحدها: عُضْوٌ، وأن عِضِينَ جمعُه، وأنّه مأخوذٌ مِن قولهم: عَضَّيتُ الشيءَ تَعْضِيَةً، إذا فرَّقتَه». واستشهد ببيتين من الشعر. ووجَّهه ابنُ عطية (٥‏/‏٣٢٠)، فقال: «ومن قال: جعلوه أعضاءً. فإنّما أراد: قسَّموه كما يقسم الجزور أعضاءً». ووجَّه ابنُ جرير (١٤‏/‏١٣٦) لفظة ﴿عِضِينَ﴾ على القول الثاني بقوله: «هي جمع عِضَةٍ، جُمِعَت عِضِين كما جُمِعَت البُرَةُ: بُرِين، والعِزَةُ: عِزِين، فإذا وُجِّه ذلك إلى هذا التأويل كان أصل الكلام: عِضَهَةً، ذهبت هاؤها الأصلية، كما نَقَصُوا الهاء من الشَّفَة، وأصلها: شَفَهَةٌ، ومن الشاة وأصلها: شاهةٌ، يدلُّ على أنّ ذلك الأصلَ تصغيرُهم الشَّفَةَ: شُفَيْهَةً، والشاة: شُوَيْهَةً، فيَرُدُّون الهاء التي تسقُطُ في غير حال التصغير إليها في حال التصغير، يقال منه: عَضَهْتُ الرجل أعْضَهُهُ عَضْهًا إذا بَهَتَّه وقذَفْتَه ببُهتانٍ». ثم رجَّح مستندًا إلى السياق، ودلالة واقع الحال «أن يقال: إن الله -تعالى ذِكْره- أمر نبيَّه ﷺ أن يُعْلِم قومًا عَضَهُوا القرآن، أنّه لهم نذيرٌ مِن عقوبةٍ تَنزِل بهم بِعَضْهِهم إيّاه، مثل ما أنزَل بالمقتسمين، وكان عَضْهُهم إيّاه قَذْفَهُمُوه بالباطل، وقيلَهم: إنّه شعرٌ وسحرٌ، وما أشبه ذلك. وإنّما قلنا إنّ ذلك أولى التأويلات به لدلالة ما قبله من ابتداء السورة وما بعده، وذلك قوله: ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾، على صحة ما قلنا، وإنه إنما عَنى بقوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ مشركي قومه، وإذ كان ذلك كذلك فمعلومٌ أنه لم يكن في مشركي قومه مَن يؤمن ببعض القرآن ويكفر ببعض، بل إنما كان قومه في أمره على أحد معنيين: إما مؤمنٌ بجميعه، وإما كافرٌ بجميعه، وإذ كان ذلك كذلك، فالصحيح من القول في معنى قوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا القُرْآنَ عِضِينَ﴾ قول الذين زعموا أنهم عَضَهُوه، فقال بعضهم: هو سحرٌ. وقال بعضهم: هو شعرٌ. وقال بعضهم: هو كهانةٌ. وما أشبه ذلك من القول، أو عَضَّوْه ففَرَّقوه، بنحو ذلك من القول، وإذا كان ذلك معناه، احتمل قوله: ﴿عِضِينَ﴾ أن يكون جمعَ: عِضَةٍ، واحتمل أن يكون جمع: عُضْوٍ»

سورة التوبة — الآية ٢٥

عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين﴾ حتى بلغ: ﴿وذلك جزاء الكافرين﴾، قال: وحُنَيْن: ماءٌ بين مكة والطائف، قاتل عليها نبي الله هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف أخو بني نصر، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو الثقفي. قال: وذُكِر لنا: أنّه خرج يومئذ مع رسول الله ﷺ اثنا عشر ألفًا؛ عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار، وألفان من الطُّلَقاء. وذُكِر لنا: أنّ رجلًا قال يومئذٍ: لن نُغْلَبَ اليوم بكثرةٍ. قال: وذُكِر لنا: أنّ الطُّلَقاء انجَفَلوا يومئذٍ بالناس، وجَلَوا عن نبي الله ﷺ حتى نزل عن بغلته الشهباء. وذُكِر لنا: أنّ نبي الله قال: «أيْ ربِّ، آتِني ما وعدتني». قال: والعباسُ آخِذٌ بلِجامِ بغلةِ رسول الله ﷺ، فقال له النبيُّ: «نادِ: يا معشر الأنصار، ويا معشر المهاجرين». فجعل ينادي الأنصار فخذًا فخذًا، ثم قال: «يا أصحاب سورة البقرة». قال: فجاء الناس عُنُقًا واحدًا. فالتفت نبيُّ الله ﷺ، وإذا عصابةٌ من الأنصار، فقال: «هل معكم غيركم؟». فقالوا: يا نبيَّ الله، واللهِ، لو عَمَدْتَ إلى بَرْكِ الغِماد مِن ذي يَمَنٍ لَكُنّا معك. ثم أنزل الله نصرَه، وهزم عدوَّهم، وتراجع المسلمون. قال: وأخذ رسولُ الله كفًّا مِن تراب، أو قبضة من حَصْباء، فرمى بها وجوهَ الكفار، وقال: «شاهَتِ الوجوهُ». فانهزموا. فلمّا جمع رسولُ الله ﷺ الغنائمَ، وأتى الجِعْرانَة، فقسم بها مَغانِمَ حنين، وتَأَلَّف أُناسًا مِن الناس، فيهم أبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس، فقالت الأنصار: أمِنَ الرجلُ وآثَرَ قومَه. فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ وهو في قُبَّةٍ له مِن أدَم، فقال: «يا معشر الأنصار، ما هذا الذي بلغني؟! ألم تكونوا ضُلّالًا فهداكم الله، وكنتم أذِلَّةً فأعَزَّكم الله، وكنتم، وكنتم؟!». قال: فقال سعد بن عبادة: ائْذَن لي فأَتَكَلَّم. قال: «تكلم». قال: أمّا قولك: «كُنتم ضُلّالًا فهداكم الله» فكُنّا كذلك، «وكنتم أذلة فأعزكم الله» فقد علمت العرب ما كان حَيٌّ مِن أحياءِ العرب أمنعَ لِما وراء ظهورهم مِنّا. فقال عمر: يا سعدُ، أتدري مَن تُكَلِّم؟! فقال: نعم، أُكَلِّم رسولَ الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: «والذي نفسي بيده، لو سَلَكَتِ الأنصارُ وادِيًا والناسُ وادِيًا لَسَلَكْتُ واديَ الأنصار، ولولا الهجرةُ لكنتُ امْرَأً مِن الأنصار». وذُكِر لنا: أنّ نبيَّ الله ﷺ كان يقول: «الأنصار كرشي وعيبتي، فاقْبَلُوا مِن مُحسِنهم، وتجاوزوا عن مُسِيئهم». ثم قال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار، أما تَرْضَوْن أن ينقلِبَ الناسُ بالإبِل والشّاءِ، وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم؟». فقالت الأنصار: رضينا عن اللهِ ورسوله، واللهِ، ما قلنا ذلك إلا ضَنًّا برسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: «إنّ اللهَ ورسولَه يُصَدِّقانِكم ويَعْذُرانِكم»

سورة الفتح — الآية ٢

قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ يوم الحُدَيبية فَتْحًا مُبِينًا﴾، وذلك أنّ الله تعالى أنزل بمكة على نبيّه ﷺ: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، ففرح كفار مكة بذلك، وقالوا: واللّات والعُزّى، ما أمره وأمرنا عند إلهه الذي يعبده إلا واحد، ولولا أنّه ابتدع هذا الأمر مِن تلقاء نفسه لكان ربّه الذي بعثه يخبره بما يفعل به وبمن اتّبعه كما فعل بسليمان بن داود، وبعيسى ابن مريم والحواريين، وكيف أخبرهم بمصيرهم، فأمّا محمد فلا علم له بما يُفعل به ولا بنا! إنّ هذا لهو الضّلال كلّ الضّلال. فشقّ على المسلمين نزول هذه الآية، فقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما للنبي ﷺ: ألا تخبرنا ما اللهُ فاعل بك؟ فقال: «ما أحدث الله إلَيَّ أمرٌ بعد». فلما قدم المدينة قال عبد الله بن أُبيّ رأس المنافقين: كيف تتّبعون رجلًا لا يدري ما يفعل الله به، ولا بمن اتبعه؟ وضحكوا من المؤمنين، وعلم الله ما في قلوب المؤمنين مِن الحُزن، وعَلِم فَرَح المشركين من أهل مكة، وفَرَح المنافقين من أهل المدينة، فأنزل الله تعالى بالمدينة بعد ما رجع النبي ﷺ من الحُدَيبية: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ يوم الحُدَيبية فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ ويَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا ويَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾، فنَسَخَت هذه الآية قوله: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، فأخبر الله تعالى نبيّه ﷺ بما يفعل به، فنزلت هذه الآية على النبي ﷺ، فلمّا سمع عبد الله بن أُبَيّ رأس المنافقين بنزول هذه الآية على النبي ﷺ، وأنّ الله قد غفر له ذنبه، وأنّه يفتح له على عدّوه، ويهديه صراطًا مستقيمًا، وينصره نصرًا عزيزًا، قال لأصحابه: يزعم محمدٌ أنّ الله غفر له ذنبه، وينصره على عدّوه! هيهات هيهات، لقد بقي له من العدّو أكثر وأكثر، فأين فارس والروم وهم أكثر عدوًّا وأشدّ بأسًا وأعزّ عزيزًا؟! ولن يظهر عليهم محمد، أيظنّ محمد أنهم مِثل هذه العصابة التي قد نزل بين أظهرهم وقد غلبهم بكذبه وأباطيله، وقد جعل لنفسه مخرجًا، ولا علم له بما يُفعل به ولا بمن اتّبعه، إنّ هذا لهو الخلاف المبين. فخرج النبي ﷺ على أصحابه، فقال: «لقد نزلت عليّ آية لَهِي أحبُّ إلَيَّ مِمّا بين السماء والأرض». فقرأ عليهم: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ إلى آخر الآية، فقال أصحابه: هنيئًا مريئًا، يا رسول الله، قد علمنا الآن مالك عند الله، وما يفعل بك، فما لنا عند الله وما يفعل بنا؟ فنزلت سورة الأحزاب [٤٧]: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ يعني: عظيمًا، وهي الجنة. وأنزل: ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ [الفتح:٥]

سورة المسد — الآية ٥

قال مقاتل بن سليمان: فلما نزلت هذه الآية في أبي لهب قيل لها: إنّ محمدًا قد هجا زوجكِ، وهجاكِ، وهجا ولدكِ. فغضبتْ، وقامت فأمَرتْ وليدتها أن تحمل ما يكون في بطن الشاة من الفَرْث والدم والقذر، فانطلقتْ لتستدلّ على النبي ﷺ لتُلقي ذلك عليه؛ فتصغره، وتذلّه به، لما بلغها عنه، فأُخبرتْ أنه في بيت عند الصَّفا، فلما انتهتْ إلى الباب سمع أبو بكر -رحمة الله عليه- كلامها، وكان النبي ﷺ داخل البيت، فقال أبو بكر -رحمة الله عليه-: يا رسول الله، إنّ أُمّ جميل قد جاءت، وما أظنّها جاءت بخير. فقال النبي ﷺ: «اللهم، خُذ ببصرها». أو كما قال، ثم قال لأبي بكر -رحمة الله عليه-: «دَعْها تدخل، فإنها لن تراني». فجلس النبي ﷺ وأبو بكر -رحمة الله عليه- جميعًا، فدخلتْ أمُّ جميل البيتَ، فرأتْ أبا بكر -رحمة الله عليه-، ولم تر النبيَّ ﷺ، وكانا جميعًا في مكان واحد، فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ فقال: وما أردتِ منه، يا أُمّ جميل؟ قالت: إنه بلغني أنه هجاني، وهجا زوجي، وهجا أولادي، وإني جئتُ بهذا الفَرْث لألقيه على وجهه ورأسه أذلّه بذلك. فقال لها: والله، ما هجاكِ، ولا هجا زوجكِ، ولا هجا ولدكِ. قالت: أحقٌّ ما تقول، يا أبا بكر؟ قال: نعم. فقالت: أما إنك لَصادق، وأنتَ الصِّدِّيق، وما أرى البأس إلا وقد كذبوا عليه. فانصرفتْ إلى منزلها، ... ثم إنه بدا لعُتبة بن أبي لهب أن يخرج إلى الشام في تجارة، وتبعه ناس من قريش حتى بلغوا الصّفاح، فلما همّوا أن يرجعوا عنه إلى مكة قال لهم عُتبة: إذا رجعتم إلى مكة فأخبِروا محمدًا بأني كفرتُ بـ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾. وكانت أول سورة أعلنها رسول الله ﷺ، فلما بلغ النبي ﷺ ذلك قال: «اللهم، سلِّط عليه كلبك يأكله». فألقى الله عز وجل في قلب عُتبة الرُّعب لدعوة النبي ﷺ، وكان إذا سار ليلًا ما يكاد ينزل بليل، فهجر بالليل، فسار يومه وليلته، وهمّ أن لا ينزل حتى يُصبح، فلما كان قبيل الصبح قال له أصحابه: هلكت الركاب. فما زالوا به حتى نزل، وعرّس وإبله وهو مذعور، فأناخ الإبل حوله مثل السّرادق، وجعل الجواليق دون الإبل مثل السّرادق، ثم أنام الرجال حوله دون الجواليق، فجاء الأسد ومعه مَلكٌ يقوده، فألقى الله عز وجل على الإبل السكينة، فسكنتْ، فجعل الأسد يتخلّل الإبل، فدخل على عُتبة وهو في وسطهم، فأكله مكانه، وبقي عظامه وهم لا يشعرون؛ فأنزل الله عز وجل في قوله حين قال لهم: قولوا لمحمد: إنى كفرتُ بالنجم إذا هوى، يعني: القرآن إذ نزل؛ أنزل فيه: ﴿قُتِلَ الإنْسانُ﴾ يعني: لُعن الإنسان ﴿ما أكْفَرَهُ﴾ [عبس:١٧]، يعني: عُتبة يقول: أي شيء أكفره بالقرآن؟! إلى آخر الآيات

سورة الإسراء — الآية ٩٠

عن عبد الله بن عباس -من طريق محمد بن إسحاق، عن شيخ من أهل مصر-: أنّ عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، ورجلًا من بني عبد الدار، وأبا البختريَّ أخا بني أسدٍ، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلفٍ، والعاص بن وائلٍ، ونُبيهًا ومُنبهًا ابني الحجاج السهميَّين، اجتمعوا بعد غروبٍ الشمسِ عند ظهر الكعبة، فقال بعضُهم لبعضٍ: ابعثُوا إلى محمدٍ، فكلِّموه، وخاصِموه حتى تُعذِروا فيه. فبعثوا إليه: إنّ أشرافَ قومِك قد اجتمعوا إليك ليُكَلِّموك. فجاءهم رسولُ الله ﷺ سريعًا وهو يَظنُّ أنهم قد بدا لهم في أمره بداءٌ، وكان عليهم حريصًا؛ يُحِبُّ رشدَهم، ويَعِزُّ عليه عنتُهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمدُ، إنّا قد بعثْنا إليك لنُعذِرَك، وإنا –واللهِ- ما نعلمُ رجلًا من العرب أدخل على قومه ما أدخلْتَ على قومك؛ لقد شتمْتَ الآباءَ، وعِبْتَ الدِّين، وسفَّهْتَ الأحلام، وشتمْتَ الآلهةَ، وفرَّقتَ الجماعةَ، فما بقي من قبيح إلا وقد جئتَه فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلبُ مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت إنما تطلُبُ الشرف فينا سوَّدناك علينا، وإن كنت تريدُ مُلكًا ملَّكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيًّا تَراه قد غلب عليك -وكانوا يسمُّون التابعَ من الجنِّ: الرَّئيَّ- فربما كان ذلك بذَلْنا أموالنا في طلب الطبِّ حتى نُبرِئَك منه أو نُعذِرَ فيك. فقال رسول الله ﷺ: «ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتُكم به أطلبُ أموالكم، ولا فيئكم، ولا الملك عليكم، ولكنَّ الله بعثني إليكم رسولًا، وأنزل عليَّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبلَّغتُكم رسالة ربِّي، ونصحتُ لكم، فإن تقبلوا مِنِّي ما جئتكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تَرُدُّوه عَلَيَّ أصبِرْ لأمر الله حتى يحكُمَ الله بيني وبينكم». فقالوا: يا محمدُ، فإن كنت غير قابلٍ مِنّا ما عرَضْنا عليك فقد عَلِمتَ أنه ليس أحدٌ من الناس أضيق بلادًا، ولا أقلَّ مالًا، ولا أشدَّ عيشًا مِنّا؛ فاسألْ ربَّك الذي بعثك بما بعثك به فلْيُسَيِّرْ عنّا هذه الجبالَ التي قد ضيَّقَتْ علينا، ولْيَبْسُطْ لنا بلادنا، وليُجْرِ فيها أنهارًا كأنهار الشام والعراق، ولْيَبْعثْ لنا مَن قد مضى من آبائنا، ولْيكنْ في مَن يبعثُ لنا منهم قُصَيُّ بنُ كلابٍ؛ فإنه كان شيخًا صدوقًا، فنسألهم عما تقولُ؛ حقٌّ هو أم باطلٌ؟ فإن صنعتَ ما سألْناك وصدَّقوك صدَّقناك، وعرفْنا به منزلتك من عند الله، وأنه بعَثك رسولًا. فقال رسولُ الله ﷺ: «ما بهذا بُعِثْتُ، إنما جئتُكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلَّغتُكم ما أُرسِلْتُ به إليكم، فإن تَقبلوه فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردُّوه عَلَيَّ أصبرْ لأمر الله حتى يَحكمَ الله بيني وبينكم». قالوا: فإن لم تفعلْ لنا فخذْ لنفسك، فاسألْ ربَّك أن يبعَثَ مَلَكًا يصدِّقُك بما تقولُ ويراجعُنا عنك، وتسألُه أن يجعل لك جنانًا وكنوزًا وقصورًا من ذهب وفضة، ويُغْنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمسُ المعاش كما نلتمسُه، حتى نعرف منزلتك من ربِّك إن كنت رسولًا كما تزعُمُ. فقال رسول الله ﷺ: «ما أنا بفاعلٍ، ما أنا بالذي يسألُ ربَّه هذا، وما بُعِثتُ إليكم بهذا، ولكنَّ الله بعثني بشيرًا ونذيرًا، فإن تقبلوا ما جئتُكم به فهو حظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تَرُدُّوه عَلَيَّ أصبرْ لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم». قالوا: فأسقِط السماء كما زعمت أنّ ربَّك إن شاء فعل، فإنّا لن نؤمنَ لك إلا أن تفعل. فقال رسول اللهﷺ: «ذلك إلى الله، إن شاء فعل بكم ذلك». قالوا: يا محمدُ، فما عَلِم ربُّك أنا سنجلِسُ معك، ونسألك عما سألناك عنه، ونطلُب منك ما نطلُبُ، فيتقدَّم إليك، ويُعلِمَك ما تراجعُنا به، ويخبرَك بما هو صانعٌ في ذلك بنا إذا لم نقبلْ منك ما جئتنا به، فقد بلغنا أنه إنما يعلِّمُك هذا رجلٌ باليمامة يُقال له: الرحمنُ، وإنّا والله لا نؤمن بالرحمن أبدًا، فقد أعذرنا إليك، يا محمدُ، أما -واللهِ- لا نتركُك وما فعلت بنا حتى نُهلِكَك أو تُهلِكَنا. وقال قائلُهم: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلًا. فلما قالوا ذلك قام رسولُ الله ﷺ عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية، فقال: يا محمدُ، عرَض عليك قومُك ما عرضوا فلم تقْبلْه منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورًا ليَعْرفوا بها منزلتك من الله فلم تفْعلْ ذلك، ثم سألوك أن تعُجِّلَ ما تُخَوِّفُهم به من العذاب، فواللهِ، ما أُؤمنُ لك أبدًا حتى تَتَّخِذَ إلى السماء سُلَّمًا، ثم تَرْقى فيه وأنا أنظُرُ، حتى تأتيها، وتأتي معك بنسخة منشورةٍ، معك أربعةٌ من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقولُ، وايمُ الله، لو فعلتَ ذلك لظننتُ أنِّي لا أُصدِّقُك. ثم انصرف عن رسول الله ﷺ، وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينًا أسِفًا لما فاته مِمّا كان طمع فيه من قومه حين دَعوه، ولما رأى من مباعدتِهم إيّاه، وأُنزل عليه فيما قال له عبدُ الله بن أبي أمية: ﴿وقالوا لَن نُّؤمن لك﴾ إلى قوله: ﴿بشرًا رسولًا﴾. وأُنزل عليه في قولهم: لن نؤمن بالرحمن: ﴿كذلكَ أرسناكَ في أمةٍ قدْ خلتْ﴾الآية [الرعد:٣٠]. وأُنزل عليه فيما سأله عنه قومه لأنفسِهم من تسيير الجبال، وتقطيع الأرض، وبَعثِ من مضى من آبائهم الموتى: ﴿ولو أنّ قرآنًا سيرتْ به الجبالُ﴾ الآية [الرعد:٣٠]

سورة البقرة — الآية ٥١

عن عبد الله بن عباس -من طريق عِكْرِمَة- قال: لَمّا هَجَمَ فرعون على البحر هو وأصحابه، وكان فرعون على فَرَس أدْهَم ذَنُوب حصان؛ فلما هجم على البحر هاب الحصان أن يقتحم في البحر، فتَمَثَّل له جبريل على فرسٍ أنثى ودِيق، فلما رآها الحصان تَقَحَّم خلفها. قال: وعرف السامريُّ جبريلَ؛ لأنّ أمه حين خافت أن يُذبَح خلفته في غارٍ، وأطبقت عليه، فكان جبريل يأتيه فيَغْذُوه بأصابعه، فيجد في بعض أصابعه لبنًا، وفي الأخرى عسلًا، وفي الأخرى سمنًا، فلم يزل يغذوه حتى نشأ، فلما عايَنَه في البحر عَرَفَه، فقبض قبضة من أثر فرسه. قال: أخذ من تحت الحافر قبضة. قال سفيان: فكان ابنُ مسعود يقرؤها: (فَقَبَضتُ قَبْضَةً مِّنْ أثَرِ فَرَسِ الرَّسُولِ). قال أبو سعيد: قال عكرمة، عن ابن عباس: وألقي في رُوع السامري: أنّك لا تلقيها على شيء فتقول: كن كذا وكذا، إلا كان. فلم تزل القبضة معه في يده حتى جاوز البحر، فلما جاوز موسى وبنو إسرائيل البحر وأغرق الله آل فرعون قال موسى لأخيه هارون: ﴿اخلفني في قومي وأصلح﴾ [الأعراف:١٤٢]. ومضى موسى لِمَوْعِد ربه، قال: وكان مع بني إسرائيل حُلِيٌّ مِن حُلِيِّ آل فرعون قد تَعَوَّرُوه، فكأنهم تَأَثَّمُوا منه، فأخرجوه لتَنزل النار فتأكله، فلما جمعوه، قال السامري بالقبضة التي كانت في يده هكذا، فقذفها فيه -وأومأ ابن إسحاق بيده هكذا-، وقال: كن عجلًا جسدًا له خوار. فصار عجلًا جسدًا له خوار، وكان يدخل الريح في دُبُرِه ويخرج من فِيهِ يسمع له صوت، فقال: هذا إلهكم وإله موسى. فعكفوا على العجل يعبدونه، فقال هارون: ﴿يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري * قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى﴾ [طه:٩٠-٩١]

سورة الكهف — الآية ٩٨

عن حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا أعلم بِما مع الدجال منه، معه نهران؛ أحدهما: نار تَأَجَّج في عين مَن رآه. والآخر: ماء أبيض. فإن أدركه أحدٌ منكم فليغمض، وليشرب مِن الذي يراه نارًا؛ فإنّه ماء بارد، وإياكم والآخَرَ، فإنّه الفتنة. واعلموا أنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه مَن يكتب ومَن لا يكتب، وإن إحدى عينيه ممسوحة، عليها ظَفَرَةٌ، إنّه يطلع مِن آخر أمرِه على بطن الأردن على ثَنِيَّة أفِيقٍ، وكل أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ببطن الأردن، وإنه يقتل مِن المسلمين ثلثًا، ويهزم ثلثًا، ويجِنُّ عليهم الليل، فيقول بعضُ المؤمنين لبعض: ما تنتظرون أن تلحقوا بإخوانكم في مرضاة ربكم؟ مَن كان عنده فضل طعام فليغدُ به على أخيه، وصلُّوا حين ينفجر الفجر، وعجِّلوا الصلاة، ثم اقلوا على عدوكم. فلما قاموا يُصَلُّون نزل عيسى ابن مريم أمامهم، فصلّى بهم، فلما انصرف قال هكذا: أفرجوا بيني وبين عدو الله. فيذوب، وسلَّط الله عليهم المسلمين فيقتلونهم، حتى إنّ الشجر والحجر لينادي: يا عبد الله، يا عبد الرحمن، يا مسلم، هذا يهوديٌّ، فاقتله. فيقتلهم الله، ويظهر المسلمون، فيكسرون الصليب، ويقتلون الخنزير، ويضعون الجزية، فبينما هم كذلك أخرج الله أهل يأجوج ومأجوج، فيشرب أولُهم البحيرة، ويجيء آخرهم وقد انتَشَفُوه، فما [يَدَعُون] فيه قطرة، فيقولون: ظَهَرْنا على أعدائنا، قد كان هاهنا أثرُ ماء. فيجيء نبيُّ الله وأصحابُه وراءَه حتى يدخلوا مدينة من مدائن فلسطين يُقال لها: لُدٌّ، فيقولون: ظهرنا على مَن في الأرض، فتعالوا نقاتل مَن في السماء. فيدعو الله نبيَّه عند ذلك، فيبعث الله عليهم قرحة في حلوقهم، فلا يبقى منهم بشر، فيؤذي ريحُهم المسلمين، فيدعو عيسى، فيرسل اللهُ عليهم ريحًا، فتقذفهم في البحر أجمعين»

سورة مريم — الآية ٧١

عن أبي سعيد الخدري، أنّ رسول الله ﷺ قال: «يُؤتى بالجسر، فيجعل بين ظهري جهنم». قلنا: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ، عليه خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة لها شوكة عُقَيْفاءُ، تكون بنجد، يقال لها: السَّعدان، المؤمن عليها كالطرف، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل، والركاب، فناجٍ مُسَلَّم، وناجٍ مَخْدُوش، ومَكْدُوس في نار جهنم، حتى يَمُرَّ آخرُهم يسحب سَحْبًا، فما أنتم بأشدَّ لي مناشدة في الحق، قد تبين لكم مَن المؤمن يومئذ للجبار، وإذا رأوا أنّهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربَّنا، إخواننا، كانوا يُصَلُّون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا. فيقول الله تعالى: اذهبوا، فمَن وجدتم في قلبه مثقالَ دينار من إيمان فأخرجوه. ويُحَرِّم اللهُ صُورَهم على النار، فيأتونهم وبعضُهم قد غاب في النار إلى قدمه، وإلى أنصاف ساقيه، فيُخْرِجون مَن عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمَن وجدتم في قلبه مثقالَ نصف دينار فأخرِجوه. فيُخْرِجون مَن عرفوا، ثم يعودون، فيقول: اذهبوا، فمَن وجدتم في قلبه مثقالَ ذرَّةٍ مِن إيمان فأخرِجوه. فيُخْرِجون مَن عرفوا -قال أبو سعيد: فإن لم تُصَدِّقوني فاقرءوا: ﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها﴾ [النساء:٤٠]-، فيَشْفَعُ النبيون والملائكة والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي. فيقبض قبضة من النار، فيخرج أقوامًا قد امتُحِشوا، فيُلْقَون في نهرٍ بأفواه الجنة يُقال له: ماء الحياة، فينبتون في حافتيه كما تنبت الحبَّة في حَمِيل السَّيْل، قد رأيتموها إلى جانب الصخرة، وإلى جانب الشجرة، فما كان إلى الشمس منها كان أخضر، وما كان منها إلى الظِّلِّ كان أبيض، فيخرجون كأنهم اللؤلؤ، فيجعل في رقابهم الخواتيم، فيدخلون الجنة، فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن، أدخلهم الجنةَ بغير عمل عملوه، ولا خيرٍ قدَّموه. فيُقال لهم: لكم ما رأيتم ومثلُه معه»

سورة الفتح — الآية ٤

قال مقاتل بن سليمان: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ وذلك أنّه لَمّا نزل النبي ﷺ بالحُدَيبية بعثتْ قريشٌ منهم سُهيلَ بن عمرو القرشي، وحُويطبَ بن عبد العُزّى، ومكرزَ بن حفص بن الأحنف، على أن يعرضوا على النبي ﷺ أن يرجع مِن عامه ذلك، على أن تُخَلِّي قريشٌ له مكة مِن العام المقبل ثلاثة أيام، ففعل ذلك النبيُّ ﷺ، وكتبوا بينهم وبينه كتابًا، فقال النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب: «اكتب بيننا كتابًا، اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم». فقال سُهيل بن عمرو وأصحابه: ما نعرف هذا، ولكن اكتب ما نعرف: باسمك اللهم. فهمَّ أصحابُ النبي ﷺ ألّا يُقِرُّوا بذلك، فقال النبي ﷺ لعلي: «اكتب ما يقولون». فكتب: باسمك اللهم. ثم قال: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمدٌ رسولُ الله أهلَ مكة». فقال سُهيل بن عمرو وأصحابه: لقد ظلمناك إنْ علمنا أنك رسول الله ونمنعك ونردّك عن بيته! ولا نكتب هذا، ولكن اكتب الذي نعرف: هذا ما صالح عليه محمدُ بنُ عبد الله أهلَ مكة. فقال النبي ﷺ: «يا عليٌّ، اكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، وأنا أشهد أني رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله». فهمَّ المسلمون ألا يُقِرّوا أن يكتبوا هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. فأنزل الله السكينة، يعني: الطمأنينة عليهم. فذلك قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ﴾ أن يُقرّوا لقريش حتى يكتبوا: باسمك اللهم... إلى آخر القصة، وأنزل في قول أهل مكة: لا نعرف أنك رسول الله ولو علمنا ذلك لقد ظلمناك حين نمنعك عن بيته...: ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح:٢٨] أنّ محمدًا رسول الله، فلا شاهد أفضل منه

أفادت الآثارُ اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ على أقوال: الأول: عنى بذلك: أنّه حَرَّم علينا كلَّ معاني صيد البر؛ من اصطياد، وأكل، وقتل، وبيع، وشراء، وإمساك، وتَمَلُّك. الثاني: أي: ما صاده المُحرِم، أو صِيدَ له، أو ذبحه، أو ذُبح له حال إحرامه. الثالث: أنّ النهي عن الصيد خاصة دون سائر المعاني. ورجَّح ابنُ جرير (٨‏/‏٧٤٦) مستندًا إلى عموم الآية، والسنة النبوية القولَ الأولَ، فقال: «والصوابُ في ذلك من القول عندنا أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْره- عمَّ تحريمَ كل معاني صيد البر على المُحْرِم في حال إحرامه، مِن غير أن يَخُصَّ من ذلك شيئًا دون شيءٍ، فكلُّ معاني الصيد حرامٌ على المُحْرِم ما دام حرامًا؛ بيعه، وشراؤه، واصطياده، وقَتْلُه، وغير ذلك من معانيه، إلا أن يجده مذبوحًا قد ذَبَحه حلالٌ لحلالٍ، فيَحِلُّ له حينئذٍ أكله، للثابت من الخبر عن رسول الله ﷺ الذي حدثناه... عن عبد الرحمن بن عثمان، قال: كنا مع طلحة بن عبيد الله ونحن حُرُمٌ، فأُهْدِي لنا طائرٌ، فمِنّا من أكل، ومِنّا مَن تورَّع فلم يأكل. فلما استيقظ طلحة وفَّقَ مَن أكل، وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ». وذكر ابنُ عطية (٣‏/‏٢٦٥) عدة أقوال في المسألة، منها: أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان لا يرى بأسًا للمُحْرِم أن يأكل لحم الصيد الذي صاده الحلال لحلالٍ مثله ولِنَفْسِه، وذكر بعده عدة أقوال عن غيره من الصحابة، ثم رجَّح مستندًا إلى السنّة قائلًا: «وقال بمثل قول عمرَ بن الخطاب عثمانُ بن عفان رضي الله عنه، والزبير بن العوام، وهو الصحيح؛ لأنّ النبي ﷺ أكل من الحمار الذي صاده أبو قتادة وهو حلالٌ والنبي عليه الصلاة والسلام مُحْرِمٌ»