عن فَضالَة بن عُبيد الأنصاري-من طريق عبد الرحمن بن جَحْدَم الخولاني، وسَلامان بن عامر- أنه كان برُودِس، فمَرُّوا بجنازتين؛ أحدهما قتيل، والآخر متوفًى، فمال الناسُ على القتيل، فقال فضالة: ما لي أرى الناسَ مالوا مع هذا وتركوا هذا؟ فقالوا: هذا القتيل في سبيل الله. فقال: واللهِ، ما أُبالي مِن أيِّ حفرتيهما بُعِثْتُ؛ اسمعوا كتاب الله: ﴿والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا﴾ الآيتين، فما تبتغي -أيها العبد- إذا أدخلت مدخلًا ترضاه، ورُزِقت رزقًا حسنًا، واللهِ، ما أُبالي مِن أي حفرتيهما بُعِثْتَ
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِن أنْفُسِكُمْ﴾ يقول: وصف لكم -يا معشر الأحرار- من كفار قريش ﴿مَثَلًا﴾ يعني: شَبهًا من عبيدكم؛ ﴿هَلْ لَكُمْ﴾ استفهام ﴿مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ مِن العبيد ﴿مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكُمْ﴾ مِن الأموال، ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وعبيدكم ﴿فِيهِ سَواءٌ﴾ في الرزق، ﴿تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ يقول عز وجل: تخافون عبيدَكم أن يرثوكم بعد الموت، كما تخافون أن يرثكم الأحرارُ من أوليائكم؟! ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ﴾ يعني: هكذا نبين الآيات ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ عن الله عز وجل الأمثال؛ فيُوَحِّدونه
عن عبد الله بن الحارث، قال: سألتُ عن صلاة الضحى في إمارة عثمان بن عفان، وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فلم أجد أحدًا أثبت لي صلاةَ رسول الله ﷺ إلا أم هانئ، قالت: رأيتُ رسول اللهَ ﷺ صلّاها مرة واحدة ثمان ركعات يوم الفتح في ثوب واحد، مخالفًا بين طرفيه، لم أره صلّاها قبلها ولا بعدها. فذكرت ذلك لابن عباس فقال: إني كنت لَأَمُرُّ على هذه الأية: ﴿يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾، فأقول: أيُّ صلاةٍ صلاةُ الإشراق؟ فهذه صلاة الإشراق
عن عبد الله بن عباس: أنّ قريشًا دَعَتْ رسولَ الله ﷺ أن يعطوه مالًا فيكون أغنى رجل بمكة، ويزوّجوه ما أراد من النساء، ويَطَؤُونَ عَقِبَهُ، فقالوا له: هذا لك عندنا، يا محمد، وتكفّ عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء، فإن لم تفعل فإنّا نعرض عليك خَصلة واحدة هي لنا ولك. فذكره، فدلّوه، قال: «حتى أنظر ما يأتيني من ربي». فجاء الوحي: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ إلى آخر السورة، وأنزل الله عليه: ﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الخاسِرِينَ﴾
عن سعيد بن جُبير -من طريق قتادة- قال: قال رجل مِن بني أسَد لرجل من بني تميم، وتلا هذه الآية: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهُمْ﴾ بنو تميم ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾. فلما قام التميميُّ وذهب قال سعيد بن جُبير: إنّ التميميَّ لو يعلم ما أُنزل في بني أسَد لتكلّم. قلنا: ما أُنزل فيهم؟ قال: جاءوا إلى النبيّ ﷺ، فقالوا: إنّا قد أسلمنا طائعين، وإنّ لنا حقًّا. فأنزل الله: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أنْ أسْلَمُوا﴾ الآية [الحجرات:١٧]
عن علقمة بن ناجية، قال: بعَث إلينا رسولُ الله ﷺ الوليدَ بن عُقبة بن أبي مُعَيط يُصَدِّق أموالنا، فسار حتى إذا كان قريبًا مِنّا -وذلك بعد وقعة المُرَيْسِيع- رجع، فرَكِبتُ في أثره، فأتى النبيَّ ﷺ، فقال: يا رسول الله، أتيتُ قومًا في جاهليّتهم أخذوا اللباس ومنعوا الصدقة. فلم يُغيِّر ذلك رسول الله ﷺ حتى أُنَزِلت الآية: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾، فأتى المُصْطَلقون إلى النبيِّ ﷺ إثْر الوليد بطائفة مِن صَدقاتهم
قال مقاتل بن سليمان: جعل الله تعالى لمن آمن بمحمد ﷺ مِن أهل الإنجيل أجرهم مرّتين؛ بإيمانهم بالكتاب الأول، وكتاب محمد ﷺ، فافتخروا على أصحاب النبي ﷺ بذلك، فقالوا: نحن أفضل منكم في الأجر؛ لنا أجران: بإيماننا بالكتاب الأول، والكتاب الآخر الذي جاء به محمد ﷺ. فشَقّ على المسلمين، فقالوا: ما بالنا قد هاجرنا مع النبي ﷺ، وآمنّا به قبلكم، وغزونا معه، وأنتم لم تغزوا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ الآية
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية، قال: هم هذا الحيُّ مِن الأنصار، أسلموا في ديارهم، فابْتَنَوا المساجد قبل قدوم النبي ﷺ بسنتين، وأحسن اللهُ عليهم الثناءَ في ذلك، وهاتان الطائفتان الأُولَتان من هذه الأُمة أخذتا بفضلهما، ومضَتا على مَهْلهما، وأثبتَ الله حظَّهما في هذا الفيء، ثم ذكر الطائفة الثالثة، فقال: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولِإخْوانِنا﴾ إلى آخر الآية. قال: إنما أُمِرُوا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ، ولم يُؤمروا بسبّهم
عن محمد بن شهاب الزُّهريّ -من طريق معمر- قال: كان المشركون قد شَرطوا على رسول الله ﷺ يوم الحُدَيبية أنّ مَن جاء مِن قِبلنا وإن كان على دينك رددْتَه إلينا، ومَن جاءنا مِن قِبلك لم نَردُدْه إليك. فكان يَردّ إليهم مَن جاء مِن قِبلهم يَدخل في دينه، فلما جاءتْ أُمّ كُلثوم بنت عُقبة بن أبي مُعيط مُهاجِرةً جاء أخواها يُريدان أن يُخرجاها ويَردّاها إليهم. فأَنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ الآية إلى قوله: ﴿ولْيَسْأَلُوا ما أنْفَقُوا﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿رَسُولًا﴾ يعني: النبي ﷺ ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ﴾ يعني: يقرأ عليكم آيات القرآن ﴿مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في عِلْمه ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ يعني: من الشّرك إلى الإيمان، ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ يُصدّق بالله أنه واحد لا شريك له ﴿ويَعْمَلْ صالِحًا﴾ في إيمانه ﴿يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ﴾ يعني: البساتين ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ﴾ يقول: تجري من تحت البساتين الأنهار، ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ يعني: مُقيمين فيها ﴿أبدًا﴾، ﴿قَدْ أحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ يعني به: الجنة