اختُلِف في تفسير قوله: ﴿إن يدعون من دونه إلا إناثا﴾ على خمسة أقوال: الأول: إن يدعون من دونه إلا اللات، والعزى، ومناة، فسمّاهُنَّ الله إناثًا بتسمية المشركين إياهُنَّ بتسمية الإناث. والثاني: إن يدعون من دونه إلا مواتًا لا روح فيه. والثالث: عنى بذلك أنّ المشركين كانوا يقولون: إنّ الملائكة بنات الله. والرابع: إنّ أهل الأوثان كانوا يسمون أوثانهم: إناثًا، فأنزل الله ذلك كذلك. والخامس: الإناث في هذا الموضع: الأوثان. ورَجَّح ابنُ جرير (٧/٤٩٠) القول الأول الذي قاله أبو مالك، والسدي، وابن زيد مستندًا إلى الأغلب في لغة العرب، فقال: «لأنّ الأظهر من معاني الإناث في كلام العرب ما عُرِف بالتأنيث دون غيره؛ فإذ كان ذلك كذلك فالواجب توجيه تأويله إلى الأشهر من معانيه». وانتَقَد ذلك ابنُ عطية (٣/٢٣) مستندًا إلى خلاف الواقع، فقال: «ويَرِد على هذا أنها كانت تُسَمَّي بأسماء مذكرة كثيرة». وعلَّق بعد ذكره الخلاف بقوله: «وهذا على اختلافه يقضي بتعييرهم بالتأنيث، وأنّ التأنيث نقص وخساسة بالإضافة إلى التذكير»
ذكر ابنُ عطية (٣/٤٩١) أنّ الإملاق: «الفقر وعدم المال... يقال: أملق الرجل إذا افتقر». ونسبه لابن عباس وغيره، ثم علَّق بقوله: «ويشبه أن يكون معناه: أمْلَق، أي: لم يبق له إلا المَلَق، كما قالوا: أتْرَبَ إذا لم يبق له إلا التراب، وأَرْمَلَ إذا لم يبق له إلا الرمل». ثم نقل أقوالًا أخرى، فقال: «والمَلَق: الحجارة السود. واحدته: مَلَقَة، وذكر منذر بن سعيد أنّ الإملاق: الإنفاق، ويقال: أمْلَق ماله، بمعنى: أنفقه، وذُكِرَ أنّ عليًّا قال لامرأة: أمْلقي من مالك ما شئت. وذكر النقاش عن محمد بن نعيم الترمذي أنّه: السرف في الإنفاق، وحكى أيضًا النقاش عن مُؤَرِّجٍ أنه قال: الإملاق: الجوع، بلغة لخم»
عن أبي مالك: في قوله: ﴿الذين قال لهم الناس﴾ الآية، قال: إن أبا سفيان كان أرسل يوم أحد أو يوم الأحزاب إلى قريش وغَطَفان وهَوازِن يَسْتَجِيشُهم على رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ومن معه، فقيل: لو ذهب نفر من المسلمين فأتوكم بالخبر. فذهب نفر، حتى إذا كانوا بالمكان الذي ذكر لهم أنهم فيه لم يروا أحَدًا، فرجعوا
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فَإنْ جاؤُكَ﴾ يا محمد في الرجم ﴿فاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾... ، ثم نسختها الآية التي جاءت بعدُ، وهي قوله: ﴿وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إلَيكَ في الكتاب أنّ الرجم على المحصن والمحصنة، ولا ترد الحكم، ﴿ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ يعني: كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف
عن أبي هريرة، وأنس بن مالك، عن النبي ﷺ، قال: «يجيء الإخلاصُ والشركُ يوم القيامة، فيجثوان بين يدي الرب، فيقول الربُّ للإخلاص: انطلق أنت وأهلك إلى الجنة. ثم يقول للشرك: انطلق أنت وأهلك إلى النار». ثم تلا هذه الآية: «﴿ومن جاء بالحسنة﴾ بشهادة أن لا إله إلا الله؛ ﴿فله خير منها﴾ يعني بالخير: الجنة، ﴿ومن جاء بالسيئة﴾ بالشرك؛ ﴿فكبت وجوههم في النار﴾»
عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، قال: تلا عمر بن عبد العزيز: ﴿فإنكم وما تعبدون * ما أنتم عليه بفاتنين * إلا من هو صال الجحيم﴾، ثم قال لي: يا أبا سهيل، ما تركتْ للقدرية هذه الآيةُ في كتاب الله حُجَّة، الرأي فيهم ما هو؟ قلت: الرأي أن يُستتابوا، فإن تابوا وإلا ضُربت أعناقهم. قال: ذلك الرأي، ذلك الرأي!
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، يعني: اليهود، نَزَلَتْ في عبد الله بن أُبيّ، ومالك بن دَخْشَم، كانت اليهود زَيّنوا لهم ترْك الإسلام، فكان أناس من فقراء المسلمين يُخبرون اليهود عن أخبار المسلمين ليتواصلوا بذلك فيصيبون من ثمارهم وطعامهم؛ فنهى الله عز وجل عن ذلك
عن عائشة، قالت: لَمّا بَعَث أهلُ مكة في فداءِ أسْراهم بَعَثَت زينب بنتُ رسول الله ﷺ في فِداءِ أبي العاصي، وبَعَثَتْ فيه بقِلادةٍ، فلَمّا رَآها رسول الله ﷺ رَقَّ رِقَّةً شديدةً، وقال: «إن رأيتُم أن تُطلِقوا لها أسيرَها». وقال العباس: إنِّي كنتُ مسلمًا، يا رسول الله. قال: «الله أعلمُ بإسلامِك، فإن تكن كما تقول فاللهُ يَجْزِيك، فافْدِ نفسَك وابنَي أخوَيْك؛ نَوْفلَ بن الحارث، وعَقِيل بن أبي طالب، وحليفَك عُتْبة بن عمرو». قال: ما ذاك عندي، يا رسول الله. قال: «فأين المالُ الذي دَفَنْتَ أنت وأمُّ الفضل؟ فقلتَ لها: إن أُصِبْتُ فهذا المال لِبَنِيِّ». فقال: والله يا رسول الله، إنّ هذا لَشَيْءٌ ما علِمَه غيري وغيرُها، فاحسُبْ لي ما أصبتُم مِنِّي عشرين أوقيةً مِن مالٍ كان معي. فقال: «أفعلُ». ففَدى نفسَه وابنَي أخوَيه وحليفَه، ونزَلت: ‹قُل لِّمَن فِي أيْدِيكُم مِّنَ الأُسارى إن يَّعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمْ›. فأعْطاني مكانَ العشرين أوقيةً في الإسلام عشرين عبدًا، كلُّهم في يدِه مالٌ يضْرِبُ به، مع ما أرجُو مِن مغفرة الله
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿فِيهِ رِجالٌ﴾ يعني: في مسجد قباء ﴿يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ مِن الأحداث والجنابة، ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ نزلت في الأنصار، فلمّا نزلت هذه الآية انطَلَق النبيُّ ﷺ حتى قام على بابِ مسجد قباء، وفيه المهاجرون والأنصار، فقال النبيُّ ﷺ لأهل المسجد: «أمُؤْمِنون أنتم؟». فسكتوا، فلم يُجِيبُوه، ثم قال ثانية: «أمُؤْمِنون أنتم؟». قال عمر بن الخطاب: نعم. فقال النبيُّ ﷺ: «أتُؤْمِنُون بالقضاء؟». قال عمر: نعم. فقال النبيُّ ﷺ: «أتَصْبِرُون على البلاء؟». قال عمر: نعم. فقال النبيُّ ﷺ: «أتشكرون على الرِّخاء؟». فقال عمر: نعم. فقال النبيُّ ﷺ: «أنتم مؤمنون، وربِّ الكعبة». وقال النبيُّ ﷺ للأنصار: «إنّ الله عز وجل قد أثنى عليكم في أمر الطهور؛ فماذا تصنعون؟». قالوا: نُمِرُّ الماءَ على أثَرِ البول والغائط. فقرأ النبيُّ ﷺ هذه الآية: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾
قال محمد بن السائب الكلبي -من طريق مَعْمَر- ﴿إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وفَسادٌ كَبِيرٌ﴾، قال: كان أناس من المشركين يأتون، فيقولون: لا نكون مع المسلمين، ولا مع الكفار. فأمرهم الله تعالى إما أن يدخلوا مع المسلمين، وإما أن يلحقوا بالكفار