اسْتَدْرَكَ ابنُ جرير (١٩/٥٤٨-٥٤٩) على هذه القراءة مستندًا إلى اللغة بقوله: ""هذه القراءة التي ذكرها السدي عن ابن عباس أنه كان يقرأ في ﴿مُطَّلِعُون﴾ إن كانت محفوظة عنه فإنها من شواذ الحروف، وذلك أنّ العرب لا تؤثر في المَكْنِي من الأسماء [الضمير] إذا اتصل بفاعل على الإضافة في جمع أو توحيد، لا يكادون أن يقولوا: أنت مكلمني، ولا: أنتما مكلماني، ولا: أنتم مكلموني، ولا: مكلمونني، وإنما يقولون: أنت مكلمي، وأنتما مكلماي، وأنتم مكلمي. وإن قال قائل منهم ذلك، قاله على وجه الغلط توهمًا به: أنت تكلمني، وأنتما تكلمانني، وأنتم تكلمونني، كما قال الشاعر:وما أدري وظني كل ظن... أمسلمني إلى قومي شراحي؟ فقال: مسلمني. وليس ذلك وجه الكلام، بل وجه الكلام: أمسلمي. فأما إذا كان الاسم ظاهرًا، ولم يكن متصلًا بالفاعل، فإنهم ربما أضافوا، وربما لم يضيفوا، فيقال: هذا مكلم أخاك، ومكلم أخيك، وهذان مكلما أخيك، ومكلمان أخاك، وهؤلاء مكلمو أخيك، ومكلمون أخاك؛ وإنما تختار الإضافة في المكني المتصل بفاعل لمصير الحرفين باتصال أحدهما بصاحبه، كالحرف الواحد"". وقال ابنُ عطية (٧/٢٨٧): «رَدَّ هذه القراءةَ أبو حاتم وغيره، ولَحَّنُوها، وذلك أنها جمعت بين ياء الإضافة ونون المتكلم، والوجه أن يقال: مُطْلِعِيَّ. ووَجَّهَ القراءة أبو الفتح ابن جني، وقال: أنزل الفاعل منزلة الفعل المضارع»
عن أبي رَوْق عطية بن الحارث الهمداني -من طريق بِشْرِ بن عُمارة- قال: كل شيء في القرآن «جعل» فهو: خلق[[أخرجه ابن جرير ١/٤٧٥. وعزاه السيوطي إليه من قول الضحاك. قال الشيخ شاكر في تحقيقه لتفسير ابن جرير ١/٤٤٨ معللًا ذلك: «وأبو روق يكثر رواية التفسير عن الضحاك، فلعل ذِكْر الضحاك سقط من الناسخين في بعض نسخ الطبري». لكن السيوطي في الإتقان (ط: مجمع الملك فهد) ١/٩٩٩ عزا هذا الأثر إلى ابن جرير من قول أبي روق.]][[c=١٣٥]]
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إلا ما قد سلف﴾؛ لأنّ العرب كانت تفعل ذلك قبل التحريم، وذلك أنّ [محصنًا] مات أبوه، فشدَّ على امرأته فتزوجها، وهو محصن بن أبي قيس بن الأسلت الأنصاري، من بني الحارث بن الخزرج، وكبشة بنت معن بن معبد، وفي شريك وفي امرأته كجة. وقال سبحانه: ﴿إلا ما قد سلف﴾؛ لأنّ العرب كانوا ينكحون نساء الآباء. ثُمَّ حُرِّم النسب والصهر ولم يقل: إلا ما قد سلف؛ لأنّ العرب كانت لا تنكح النسب والصهر. وقال عز وجل في الأختين: ﴿إلا ما قد سلف﴾؛ لأنهم كانوا يجمعون بينهما
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ نزلت في عَوْف بن مالك الأَشْجعيّ، جاء إلى النبي ﷺ، فشكا إليه الحاجةَ والفاقةَ، فأمره النبيُّ ﷺ بالصبر، وكان ابنٌ له أسيرًا في أيدي مشركي العرب، فهَرب منهم، فأصاب منهم إبلًا ومتاعًا، ثم إنه رجع إلى أبيه، فانطلَق أبوه إلى النبي ﷺ، فأخبرَه بالخبر، وسأله: أيحلّ له أن يأكل مِن الذي أتاه ابنه؟ فقال له النبي ﷺ: «نعم». فأنزل الله تعالى: ﴿ومَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾
قال ابنُ عطية (٣/٤٩٣ بتصرف): «وقال ربيعة، والشعبي، ومالك فيما روي عنه، وأبو حنيفة: بلوغ الأشد: البلوغ، مع أن لا يثبت سفه. وحكى الزجاج عن فرقة: ثمانية عشرة سنة، وضعَّفه، ورجح البلوغ مع الرشد. والفقه ما رجح الزجاج، وهو قول مالك». ثم رجَّح قولهم مستندًا إلى مناسبة الموضع، فقال: «وهذا أصحُّ الأقوال وأليقُها بهذا الموضع». وانتقد ابنُ كثير (٦/٢١٥) قول مَن قال إنّه: ثلاثون، أو أربعون، أو ستون سنة، فقال: «وهذا كله بعيد هاهنا»
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾: إلى أهل العهد؛ خُزاعة، ومُدْلِجٍ، ومَن كان له عهدٌ، وغيرِهم، أقبَل رسول الله ﷺ مِن تبوك حينَ فرَغ منها، فأراد الحج، ثم قال: «إنّه يَحْضُرُ البيتَ مشركون يَطُوفون عُراةً، فلا أُحِبُّ أن أحُجَّ حتى لا يكونَ ذلك». فأرسَل أبا بكرٍ وعليًّا، فطافا في الناس بذي المجاز، وبأمكنتِهم التي كانوا يَبِيعون بها، وبالموْسِم كلِّه، فآذَنوا أصحابَ العهد أن يَأمَنوا أربعةَ أشهرٍ، وهي الأشهرُ الحرُمُ المُنسَلِخاتُ المُتَوالِياتُ؛ عشرون من آخِر ذي الحجة إلى عَشْرٍ تَخْلُو من ربيعٍ الآخِر، ثم لا عهدَ لهم، وآذَن الناسَ كلَّهم بالقتال إلى أن يَمُوتوا
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال: قَدِم الحُطَمُ بن هند البَكْرِيّ المدينةَ في عِير له تحمل طعامًا، فباعه، ثم دخل على النبي ﷺ، فبايعه وأسلم، فلَمّا ولّى خارجًا نَظَر إليه، فقال لِمَن عنده: «لقد دخل عَلَيَّ بوجه فاجِر، ووَلّى بقَفا غادِر». فلما قَدِم اليمامة ارْتَدَّ عن الإسلام، وخرج في عِير له تحمل الطعام في ذي القعدة يريد مكة، فلما سمع به أصحاب النبي ﷺ تَهَيَّأ للخروج إليه نفرٌ من المهاجرين والأنصار لِيَقْتَطِعُوه في عِيرِه، فأنزل الله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾ الآية، فانتهى القوم
قال مقاتل بن سليمان: ﴿واسْأَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ﴾، اسمها: أيْلَة، على مسيرة يومين من البحر، بين المدينة والشام، مُسِخُوا على عهد داود عليه السلام قِرَدَةً، يعني: اليهود، وإنّما أمَر اللهُ النبيَّ ﷺ أن يسألهم: أمَسَخَ اللهُ منكم قِرَدَةً وخنازير؟ لأنهم قالوا: إنّا أبناء الله وأحباؤه، وإنّ الله لا يُعَذِّبنا في الدنيا، ولا في الآخرة؛ لِأَنّا مِن سِبْطِ خليله إبراهيم، ومِن سِبْط إسرائيل، وهو بِكْرُ نَبِيِّه، ومِن سِبْطِ كليم الله موسى، ومِن سِبْطِ ولده عزيز، فنحن مِن أولادهم، فقال الله لنبيه ﷺ: ﴿واسْأَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ﴾، أما عذَّبهم الله بذنوبهم؟
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- في قوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾، يقول: لا يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا، ثُمَّ عذر أهلها في حال عذر، غير الذكر، فإنّ الله لم يجعل له حدًّا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في ترْكه إلا مغلوبًا على عقله، فقال: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء:١٠٣]، بالليل والنهار، في البر والبحر، في السفر والحضر، في الغِنى والفقر، والصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال، وقال: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٢]، فإذا فعلتم ذلك صلّى عليكم هو وملائكته، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ ومَلائِكَتُهُ﴾
اختُلِف في تفسير قوله: ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ على ثلاثة أقوال: الأول: عنى بالسوء كل معصية لله. والثاني: المراد: من يعمل سوءًا من أهل الكفر يجز به. والثالث: معنى السوء في هذا الموضع: الشرك. ورجَّح ابنُ جرير (٧/٥١٩-٥٢٠ بتصرف) القول الأول مستندًا إلى السُّنَّة، ودلالة العموم، فقال: «لعموم الآية كُلَّ عاملِ سوءٍ، من غير أن يخص أو يستثنى منهم أحد، فهي على عمومها؛ إذ لم يكن في الآية دلالة على خصوصها، ولا قامت حُجَّة بذلك من خبرٍ عن الرسول ﷺ. وبنحو الذي قلنا في ذلك تظاهرت الأخبار عن سول اللهﷺ». وساق أثر أبي بكر وما في معناه -مما سيأتي-. وبنحوه قال ابنُ كثير (٤/٢٩١)