قال يحيى بن سلّام: وبلَغني: أنّ عابِدًا كان في بني إسرائيل قد خرج من الدنيا، واتَّخذ دِيرًا يتعبّد فيه، فطلبه الشيطان أن يُزيله، فلم يستطع عليه، فلما رأى ذلك الشيطانُ جاء إلى ابنة الملِك، فدخل فيها، فأخذها، فدَعَوا لها الأطباء، فلم يُغنوا عنها شيئًا، فتكلّم على لسانها، فقال: لا ينفعها شيءٌ إلا أن تأتُوا بها إلى فلان الرّاهب، فيدعو لها. فذهبوا بها إليه، فجعلوها عنده، فأصابها يومًا ما كان بها، فانكشفتْ، وكانت امرأة حسناء؛ فأعجبه بياضها وحُسنها، فوقع بها، فأَحبَلها، فذهب الشيطان إلى أبيها وإخوتها، فأخبَرهم، وقال له: اقتلها، وادفنها، لا يُعلَم أنك قتلتَها. فقتَلها الرّاهب، ودفنَها إلى أصل حائط، وجاء أبوها وإخوتها، وجاء الشيطان بين أيديهم، فسبَقهم إلى الرّاهب، وقال: إنّ القوم قد علِموا ما صنعتَ بالمرأة، فإن سجدتَ لي سجدةً رددتُهم عنك. فسجَد له، فلما سجَد له أخزاه الله، وتبرّأ منه الشيطان، وجاء أبوها وإخوتها، فاستخرَجوها من حيث دَفنها، وعَمدوا إلى الرّاهب، فصلَبوه. فضرب الله مثل المنافقين حين خَذلوا اليهود، فلم ينصروهم، وقد كانوا وعدوهم النّصرة، كمثَل الشيطان في هذه الآية: ﴿إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ وكذب، قال الله: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾
عن أبي العالية الرياحي، وأبي مالك غزوان الغفاري، والربيع بن أنس، مثل ذلك
اخْتُلِفَ في ثبوت حكم هذه الآية أو نسخه على ثلاثة أقوال: أولها: أنّها محكمة، وغير جائز للرجل أخذُ شيء مما آتاها إذا أراد طلاقها، إلا أن تكون هي المريدةَ الطلاقَ. وثانيها: أنّها محكمة، وغير جائز للرجل أخذُ شيء مما آتاها منها بحال، سواء أكانت هي المريدةَ الطلاقَ أو هو. وهذا قول بكر بن عبد الله المزني. وثالثها: أنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿ولا يَحِلُّ لَكُمْ أن تَأْخُذُوا مِمّا ءاتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إلاَّ أن يَخافا ألاَّ يُقِيما حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة:٢٢٩]. وهذا قول ابن زيد. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٦/٥٤٧-٥٤٨ بتصرف) القولَ الأولَ لعدم ورود دليل للنسخ يعتمد عليه، مع إمكان الجمعِ بينهما، وقال: «ذلك أنّ الناسخ من الأحكام ما نَفى خلافَه من الأحكام، وليس في قوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾ نَفْيُ حكمِ قوله: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ ألا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:٢٢٩]؛ لأنّ الذي حرَّم اللهُ على الرجل بقوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا﴾ أخذُ ما آتاها منها إذا كان هو المريدَ طلاقَها، وأمّا الذي أباح له أخذَه منها بقوله: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيما افْتَدَتْ بِهِ﴾ فهو إذا كانت هي المريدةَ طلاقَه وهو له كارِهٌ، وليس في حكم إحدى الآيتين نفيُ حكم الأخرى. وإذ كان ذلك كذلك لم يجُز أن يُحكم لإحداهما بأنها ناسخة وللأخرى بأنها منسوخة إلا بحُجَّةٍ يجبُ التسليم لها». وانتَقَدَ القولَ الثاني لمخالفته ما ثبت في السّنّة، فقال: «وأما ما قاله بكر بن عبد الله المزني مِن أنّه ليس لزوج المختلعة أخذُ ما أعطته على فراقه إياها إذا كانت هي الطالبةَ الفرقةَ وهو الكاره فليس بصواب؛ لصحة الخبَرِ عن رسول الله ﷺ بأنه أمرَ ثابت بن قيس بن شماس بأخذ ما كان ساق إلى زوجته وفراقِها إذ طلبت فراقه، وكان النشوز من قِبَلها». وانتَقَدَ ابنُ عطية (٢/٥٠٥ بتصرف) القولين الثاني والثالث بقوله: «مِن شاذِّ الأقوال في هذه الآية أنّ بكر بن عبد الله المزني قال: لا يجوز أن يؤخذ من المختلعة قليلٌ ولا كثير، وإن كانت هي المريدة للطلاق. ومنها أنّ ابن زيد قال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله﴾. وليس في شيء من هذه الآيات ناسخٌ ولا منسوخ، وكلها ينبني بعضُها مع بعض»
عن سَبْرَة الجهني، قال: أذِنَ لنا رسول الله ﷺ عامَ فتح مكة في متعة النساء، فخرَجتُ أنا ورجلٌ مِن قومي، ولي عليه فَضْلٌ في الجَمال، وهو قريب مِن الدَّمامة، مع كل واحد منا بُردٌ، أما بُرْدِي فخَلِقٌ، وأما بُرْدُ ابنِ عمي فبُرْدٌ جديدٌ غَضٌّ، حتى إذا كُنّا بأعلى مكة تَلَقَّتْنا فتاةٌ مِثل البَكْرَة العَنَطْنَطَة، فقلنا: هل لكِ أن يستمتع منكِ أحدُنا؟ قالت: وما تبذلان؟ فنشر كلُّ واحدٍ منا بُرْدَه، فجعلت تنظر إلى الرجلين، فإذا رآها صاحبي قال: إنّ بُردَ هذا خَلِقٌ مَحٌّ، وبُردي جديد غَضٌّ. فتقول: وبرد هذا لا بأس به. ثم استمتعتُ منها، فلم تخرج حتى حرَّمها رسول الله ﷺ
عن عُروة بن الزبير -من طريق أبي الأسود- قال: بعَث رسولُ الله ﷺ أبا بكرٍ أميرًا على الناسِ سنةَ تسعٍ، وكتَب له سُنَنَ الحجِّ، وبعَث معه عليَّ بنَ أبي طالب بآياتٍ من براءة، فأمَره أن يُؤَذِّنَ بمكة، وبمِنًى، وبعرفة، وبالمشاعر كلِّها بأنّه بَرِئت ذمَّةُ لله وذِمَّةُ رسولِه مِن كلِّ مشركٍ حَجَّ بعدَ العام، أو طاف بالبيتِ عُريان، وأجَّل مَن كان بينَه وبينَ رسول الله ﷺ عهدٌ أربعةَ أشهر. وسار عليٌّ على راحلتِه في الناسِ كلِّهم يَقْرَأُ عليهم القرآن: ﴿براءة من الله ورسوله﴾. وقرأ عليهم: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ الآية [الأعراف:٣١]
عن عليِّ بن أبي طالب -من طريق أبي الصهباء البكري- قال: افترَقَتْ بنو إسرائيل بعدَ موسى إحدى وسبعينَ فرقةً، كلُّها في النارِ إلا فرقةً، وافترَقَتِ النصارى بعد عيسى على اثنتين وسبعين فرقةً، كلُّها في النار إلا فرقةً، وتفتِرُق هذه الأمةُ على ثلاثٍ وسبعين فرقةً، كلُّها في النار إلا فرقةً؛ فأمّا اليهودُ فإنّ الله يقول: ﴿ومِن قَومِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِ وبِهِ يَعدِلُون﴾. فهذه التي تنجو، وأما النصارى فإنّ الله يقول: ﴿مِنهُم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة:٦٦]. فهذه التي تنجو، وأمّا نحن فيقول: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِ وبِهِ يَعدِلُون﴾ [الأعراف:١٨١]. فهذه التي تنجو مِن هذه الأُمَّة
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وإن منهم﴾ يعني: من اليهود ﴿لفريقا﴾ يعني: طائفة، منهم: كعب بن الأشرف، ومالك بن الضَّيْف، وأبو ياسر، وجُدَيّ بن أخطب، وشعبة بن عمرو ﴿يلوون ألسنتهم بالكتاب﴾ يعني باللَّيِّ: التحريف بالألسن فى أمر محمد ﷺ؛ ﴿لتحسبوه من الكتاب﴾ يعني: التوراة. يقول الله عز وجل: ﴿وما هو من الكتاب﴾ كتبوا -يعني: من التوراة- غير نعت محمد ﷺ، ومحوا نعته، ﴿ويقولون هو﴾ هذا النعت ﴿من عند الله وما هو من عند الله﴾ ولكنهم كتبوه، ﴿ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾ أنّهم كَذَبَة، وليس ذلك نعت محمد ﷺ
عن محمد بن إسحاق -من طريق ابن إدريس- في قوله: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾، قال: هم الفِتْية الذين خرجوا مع قريش، احْتَبَسَهم آباؤُهم فخَرَجُوا وهم على الارتياب، فلما رأوا قِلَّةَ أصحاب رسول الله ﷺ، قالوا: ﴿غرَّ هؤلاء دينُهم﴾ حينَ قدِموا على ما قدِموا عليه مِن قلَّة عَددِهم وكثرة عدوِّهم، وهم فِتية مِن قريش، مُسمَّون خمسة؛ قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكهِ بن المغيرة المخزوميّان، والحارث بن زَمْعَة، وعلي بن أمية بن خلف، والعاصي بن مُنَبِّه
عن عكرمة مولى ابن عباس، والحسن البصري -من طريق يزيد- قالا: في سورة النحل: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم﴾، ثم نسخ، واستثنى من ذلك، فقال: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم﴾، وهو عبد الله بن أبي سَرْح الذي كان يكتب لرسول الله - ﷺ -، فأزلَّه الشيطان، فلحق بالكفار، فأمر به النَّبِي - ﷺ - أن يُقتل يوم فتح مكة، فاستجار له أبو عمرو عثمان بن عفان، فأجاره النَّبِي - ﷺ -
قال مقاتل بن سليمان: قوله: ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ حين دعا إلى دين آبائه ومِلّتهم، نزلت هذه الآية في بني المُغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم؛ منهم الوليد بن المُغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المُغيرة، وعبد الله بن أبي أُمَيّة، وعبد الله بن مخزوم، وعثمان ونوفل ابني عبد الله بن المُغيرة، والعاص، وقيس، وعبد شمس، وبني الوليد سبعة؛ الوليد، وخالد، وعمارة، وهشام، والعاص، وقيس، وعبد شمس، بنو الوليد بن المُغيرة