جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
القول في تأويل قوله تعالى :
﴿وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوّلَ مَرّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾.
قال أبو جعفر : اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم : معنى ذلك : لو أنا جئناهم بآية كما سألوا ما آمنوا كما لم يؤمنوا بما قبلها أوّل مرّة، لأن الله حال بينهم وبين ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وَنُقَلّبُ أفْئِدَتَهُمْ وأبْصَارَهُمْ كما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوّلَ مَرّة. . . الآية، قال : لما جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبت قلوبهم على شيء ورُدّت عن كلّ أمر.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله : وَنُقَلّبُ أفْئِدَتَهُمْ وأبْصَارَهُمْ قال : نمنعهم من ذلك كما فعلنا بهم أوّل مرّة. وقرأ : كما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوّلَ مَرّة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد : وَنُقَلّبُ أفْئِدَتَهُمْ وأبْصَارَهُمْ قال : نحول بينهم وبين الإيمان، ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أوّل مرّة.
وقال آخرون : معنى ذلك : ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لو ردّوا من الآخرة إلى الدنيا، فلا يؤمنون كما فعلنا بهم ذلك، فلم يؤمنوا في الدنيا. قالوا : وذلك نظير قوله : وَلَوْ رُدّوا لعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ. ذكر من قال ذلك :
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قال : أخبر الله سبحانه ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم قبل أن يعملوه، قال : وَلا يُنَبّئُكَ مِثْلَ خَبِير : إنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا على ما فَرّطْتُ فِي جَنْبِ اللّهِ وَإنْ كنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ أوُ تَقُولَ لَوْ أنّ اللّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ المُتّقِينَ أوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العَذَابَ لَوْ أنّ لي كَرّةً فأكُونَ مِنَ المُحْسِنينَ يقول : من المهتدين. فأخبر الله سبحانه، أنهم لو ردّوا لعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون، وقال : وَنُقَلّبُ أفْئِدَتَهُمْ وأبْصَارَهُمْ كما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوّلَ مَرّة قال : لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى، كما حلنا بينهم وبينه أوّل مرّة وهم في الدنيا.
وأولى التأويلات في ذلك عندي بالصواب أن يقال : إن الله جلّ ثناؤه أخبر عن هؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمننّ بها، أنه يقلب أفئدتهم وأبصارهم ويصرّفها كيف شاء، وأن ذلك بيده يقيمه إذا شاء ويزيغه إذا أراد، وأنّ قوله : كما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أوّلَ مَرّة دليل على محذوف من الكلام، وأن قوله «كما » تشبيه ما بعده بشيء قبله. وإذ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون معنى الكلام : ونقلب أفئدتهم فنزيغها عن الإيمان، وأبصارهم عن رؤية الحقّ ومعرفة موضع الحجة، وإن جاءتهم الاَية التي سألوها فلا يؤمنوا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله كما لم يؤمنوا بتقليبنا إياها قبل مجيئها مرّة قبل ذلك. وإذا كان ذلك تأويله كانت الهاء من قوله : كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ كناية ذكر التقليب.
القول في تأويل قوله تعالى : وَنَذَرُهُمْ فِي طُغيانِهِمْ يَعْمَهُونَ.
يقول تعالى ذكره : ونذر هؤلاء المشركين الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمننّ بها عند مجيئها في تمرّدهم على الله واعتدائهم في حدوده، يتردّدون لا يهتدون لحقّ ولا يبصرون صواباً، قد غلب عليهم الخذلان واستحوذ عليهم الشيطان.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: معنى ذلك: لو أنَّا جئناهم بآية كما سألوا، ما آمنوا، كما لم يؤمنوا بما قبلَها أول مرة، لأن الله حال بينهم وبين ذلك:
* ذكر من قال ذلك:
١٣٧٥١- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة) الآية، قال: لما جحد المشركون ما أنزل الله، لم تثبت قلوبهم على شيء، ورُدَّتْ عن كل أمر.
١٣٧٥٢- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم)، قال: نمنعهم من ذلك، كما فعلنا بهم أول مرة. وقرأ: (كما لم يؤمنوا به أول مرة).
١٣٧٥٣- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد: (ونقلب أفئدتهم وأبصارهم)، قال: نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم لو رُدُّوا من الآخرة إلى الدنيا فلا يؤمنون، كما فعلنا بهم ذلك، فلم يؤمنوا في الدنيا. قالوا: وذلك نظير قوله (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ)، [سورة الأنعام: ٢٨].
* ذكر من قال قال ذلك:
١٣٧٥٤- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في ذلك عندي بالصواب أن يقال: إن الله جل ثناؤه، أخبر عن هؤلاء الذين أقسموا بالله جهدَ أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها: أنَّه يقلب أفئدتهم وأبصارهم ويصرِّفها كيف شاء، وأنّ ذلك بيده يقيمه إذا شاء، ويزيغه إذا أراد= وأنّ قوله: (كما لم يؤمنوا به أول مرة)، دليل على محذوف من الكلام= وأنّ قوله:"كما" تشبيه ما بعده بشيء قبله.
وإذْ كان ذلك كذلك، فالواجب أن يكون معنى الكلام: ونقلب أفئدتَهم، فنزيغها عن الإيمان، وأبصارَهم عن رؤية الحق ومعرفة موضع الحجة، وإن جاءتهم الآية التي سألوها، فلا يؤمنوا بالله ورسوله وما جاء به من عند الله، كما لم يؤمنوا بتقليبنا إياها قبلَ مجيئها مرَّة قبل ذلك.
* * *
| ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه | )) فأثبت نص المخطوطة، وزدت ما زدته بين القوسين حتى ستقيم الكلام. |
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره: ونذر هؤلاء المشركين الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم: لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها عند مجيئها (١) = في تمرُّدهم على الله واعتدائهم في حدوده، (٢) يتردَّدون، لا يهتدون لحق، ولا يبصرون صوابًا، (٣) قد غلب عليهم الخِذْلان، واستحوذ عليهم الشيطانُ.
* * *
(٢) انظر تفسير ((الطغيان)) فيما سلف ١٠: ٤٧٥، تعليق: ٢، والمراجع هناك.
(٣) انظر تفسير ((العمه)) فيما سلف ١: ٣٠٩ - ٣١١.
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
وقال مجاهد :﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ [ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ]﴾(١) ونحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية، فلا يؤمنون، كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة.
وكذا قال عِكْرِمة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
وقال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال : أخبر الله ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم قبل أن يعملوه. قال :﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]، [ وقال ](٢)
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ [ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ. أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ ](٣) لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٦ - ٥٨] فأخبر سبحانه أنهم لو ردوا لم يقدروا على الهدى، وقال :﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقال ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال : لو ردوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا. وقوله :﴿وَنَذَرُهُمْ﴾ أي : نتركهم ﴿فِي طُغْيَانِهِمْ﴾(٤) قال ابن عباس والسُّدِّي : في كفرهم. وقال أبو العالية والربيع بن أنس وقتادة : في ضلالهم.
﴿يَعْمَهُونَ﴾ قال الأعمش : يلعبون. وقال ابن عباس، ومجاهد، وأبو العالية، والربيع، وأبو مالك، وغيره : في كفرهم يترددون.
٢ زيادة من أ..
٣ زيادة من م، أ، وفي هـ: "إلى قوله"..
٤ في م، أ: "في طغيانهم يعمهون".
.
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
وهذا من عدل الله، وحكمته بعباده، فإنهم الذين جنوا على أنفسهم، وفتح لهم الباب فلم يدخلوا، وبين لهم الطريق فلم يسلكوا، فبعد ذلك إذا حرموا التوفيق، كان مناسبا لأحوالهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
أي: وأقسم المشركون المكذبون للرسول محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: قسما اجتهدوا فيه وأكدوه. ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ تدل على صدق محمد ﷺ ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ وهذا الكلام الذي صدر منهم، لم يكن قصدهم فيه الرشاد، وإنما قصدهم دفع الاعتراض عليهم، ورد ما جاء به الرسول قطعا، فإن الله أيد رسوله صلى الله عليه وسلم، بالآيات البينات، والأدلة الواضحات، التي -عند الالتفات لها- لا تبقي أدنى شبهة ولا إشكال في صحة ما جاء به، فطلبهم -بعد ذلك- للآيات من باب التعنت، الذي لا يلزم إجابته، بل قد يكون المنع من إجابتهم أصلح لهم، فإن الله جرت سنته في عباده، أن المقترحين للآيات على رسلهم، إذا جاءتهم، فلم يؤمنوا بها -أنه يعاجلهم بالعقوبة، ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: هو الذي يرسلها إذا شاء، ويمنعها إذا شاء، ليس لي من الأمر شيء، فطلبكم مني الآيات ظلم، وطلب لما لا أملك، وإنما توجهون إلى توضيح ما جئتكم به، وتصديقه، وقد حصل، ومع ذلك، فليس معلوما، أنهم إذا جاءتهم الآيات يؤمنون ويصدقون، بل الغالب ممن هذه حاله، أنه لا يؤمن، ولهذا قال: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾.
﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي: ونعاقبهم، إذا لم يؤمنوا أول مرة يأتيهم فيها الداعي، وتقوم عليهم الحجة، بتقليب القلوب، والحيلولة بينهم وبين الإيمان، وعدم التوفيق لسلوك الصراط المستقيم.
وهذا من عدل الله، وحكمته بعباده، فإنهم الذين جنوا على أنفسهم، وفتح لهم الباب فلم يدخلوا، وبين لهم الطريق فلم يسلكوا، فبعد ذلك إذا حرموا التوفيق، كان مناسبا لأحوالهم.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٠٧ كتب)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- يَعْمَهُونَ
- يَتَحَيَّرُونَ.
إعراب الآية ١١٠ من سورة الأنعام
من كتاب: إعراب القرآن
[سورة الأنعام (٦) : آية ١٠٩]
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)وقرأ طلحة بن مصرّف وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بالنون الخفيفة. قال سيبويه: قال الخليل: وَما يُشْعِرُكُمْ ثم أوجب فقال: (إنّا). قال أبو جعفر: هذه قراءة مجاهد وأبي عمرو وابن كثير، وقرأ أهل المدينة والأعمش وحمزة أَنَّها «٢» بفتح الهمزة قال الخليل: «أنها» بمعنى «لعلها» «٣». قال أبو جعفر:
التمام على هذه القراءة أيضا وَما يُشْعِرُكُمْ ثم ابتدأ فقال (أنّها) وفيه معنى الإيجاب وهذا موجود في كلام العرب أن تأتي لعل وعسى بمعنى ما سيكون فأما قول الكسائي:
أنّ «لا» زائدة فخطأ عند البصريين لأنها إنما تزاد فيما لا يشكل وقرأ حمزة وحده لا تؤمنوا «٤» بالتاء.
[سورة الأنعام (٦) : آية ١١٠]
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ «أول مرة» هذه آية مشكلة ولا سيما وفيها وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ فالمعنى ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم يوم القيامة على لهب النار كما لم يؤمنوا في الدنيا ونذرهم في الدنيا أي نمهلهم ولا نعاقبهم فبعض الآية في الآخرة وبعضها في الدنيا ونظيرها وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ [الغاشية: ٢] فهذا في الآخرة عامِلَةٌ ناصِبَةٌ [الغاشية: ٣] فهذا في الدنيا.
[سورة الأنعام (٦) : آية ١١١]
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (١١١)أَنَّنا في موضع رفع. وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا «٥» قال هارون القارئ:
أي عيانا وقال محمد بن يزيد يكون قبلا بمعنى ناحية كما تقول: لي قبل فلان مال و (قبلا) بضم القاف والباء وفيه ثلاثة أقوال: فمذهب الفراء أنه بمعنى ضمناء كما قال أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا [الإسراء: ٩٢] وقول الأخفش بمعنى قبيل وعلى
(٢) انظر البحر المحيط ٤/ ٢٠٣.
(٣) انظر معاني الفراء: ١/ ٣٥٠.
(٤) انظر تيسير الداني ٨٧، والبحر المحيط ٤/ ٢٠٤.
(٥) انظر تيسير الداني ٨٧. [.....]
سبب نزول الآية ١١٠ من سورة الأنعام
من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي
أخبرنا محمد بن موسى بن الفضل، قال: حدَّثنا محمد بن يعقوب الأموي، قال: حدَّثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدَّثنا يونس بن بكير، عن أبي مَعْشَرَ، عن محمد بن كَعْب، قال:
كلمت رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشٌ، فقالوا: يا محمد [إنك] تخبرنا أن موسى عليه السلام كانت معه عصا ضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عَشْرَة عيناً، وأن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى، وأن ثمود كانت لهم ناقة، فائتنا ببعض تلك الآيات حتى نصدقك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّ شيء تحبون أن آتيكم به؟ فقالوا: تجعل لنا الصَّفَا ذهباً. قال: فإن فعلت تصدقوني؟ قالوا: نعم، والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعين. فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو، فجاءه جبريل عليه السلام وقال: إن شئتَ أصبح الصفا ذهباً، ولكني لم أرسل آية فلم يُصَدَّق بها إلا أنزلت العذاب، وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتركهم حتى يتوب تائبهم. فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.
القراءات في الآية ١١٠ من سورة الأنعام
اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية
طُغْيَانِهِمْ
بالإمالة وإسكان الميم
بالفتح وإسكان الميم
بالفتح وصلة الميم
الموضوعات القرآنية للآية ١١٠ من سورة الأنعام
٤ موضوعات تتناولها هذه الآية
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٢٣ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
٢٢ قولًاعن أبي العالية الرياحي -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿في طغيانهم﴾، يعني: في ضلالتهم١
عن قتادة بن دعامة، والربيع، نحو ذلك١
عن أبي مالك غزوان الغفاري -من طريق السدي- قوله: ﴿ونذرهم﴾، يعني: نتَخَلّى عنهم١
قال عطاء: ﴿ونذرهم﴾: نخذلهم، وندعهم في ضلالتهم١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾، يعني: في ضلالتهم١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قوله: ﴿يعمهون﴾، قال: يتمادَون١
عن إسماعيل السُّدِّيّ، نحو ذلك١
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- قوله: ﴿يعمهون﴾، قال: في كفرهم يترددون١
عن أبي العالية الرياحي، وأبي مالك غزوان الغفاري، والربيع بن أنس، مثل ذلك١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح، وابن جريج- في قوله: ﴿ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾، قال: يتَردَّدون١
قال عطاء: ﴿ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾: نخذلهم، وندعهم في ضلالتهم يتمادَوْن١
عن سليمان بن مهران الأعمش -من طريق سفيان- ﴿في طغيانهم يعمهون﴾، قال: يلعبون١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يعمهون﴾: يترددون، لا نُخرِجهم منها أبدًا١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- في قوله: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾، قال: لَمّا جحد المشركون ما أنزل الله لم تثبُتْ قلوبهم على شيء، ورُدَّت عن كلِّ أمر١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: أخبر الله سبحانه ما العبادُ قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه، قال: ﴿ولا ينبئك مثل خبير﴾ [فاطر:١٤]، ﴿أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين. أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين. أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين﴾ [الزمر:٥٦-٥٨]، يقول: من المهتدين. فأخبر الله سبحانه أنّهم لو رُدُّوا لَعادوا لما نهوا عنه، وإنهم لكاذبون، وقال: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾، قال: لو رُدُّوا إلى الدنيا لحيل بينهم وبين الهدى، كما حلنا بينهم وبينه أول مرة وهم في الدنيا١
قال عبد الله بن عباس: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾، يعني: نَحُول بينهم وبين الإيمان، ولو جئناهم بالآيات التي سألوا ما آمنوا بها، كما لم يؤمنوا بالتي قبلها؛ مثل انشقاق القمر وغيره، عقوبة لهم على ذلك١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن جُرَيْج- في قوله: ﴿ونقلب أفئدتهم﴾، قال: نَحُولُ بينَهم وبين الإيمان لو جاءتهم كلُّ آية، كما حُلْنا بينَهم وبينَه أولَ مرة١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق عطاء الخرساني- في قوله: ﴿ونقلب أفئدتهم﴾ الآية، قال: جاءهم محمد ﷺ بالبينات فلم يُؤمنوا به، فقلَّبْنا أبصارهم وأفئدتهم، ولو جاءتهم كلُّ آية مثلَ ذلك لم يُؤْمنوا إلا أن يشاء الله١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ونقلب أفئدتهم﴾ يعني: قلوبهم، ﴿وأبصارهم﴾ عن الإيمان، ﴿كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾ يقول: كما لم يؤمن بها أوائلُهم من الأمم الخالية بما سألوا من الآيات قبلها، فكذلك كفار أهل مكة لا يُصَدِّقون بها إن جاءتهم آية١٢
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- في قوله: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾، قال: نمنعهم من ذلك كما فعلنا بهم أول مرة. وقرأ: ﴿كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق الضحاك- قوله: ﴿في طغيانهم﴾: في كفرهم١
عن إسماعيل السُّدِّيّ، مثل ذلك١
آثار متعلقة بالآية
قول واحدعن أم الدرداء: أنّ أبا الدرداء لَمّا احتُضِر جعل يقول: مَن يعملُ لمثلِ يومي هذا؟ مَن يعملُ لمثلِ ساعتي هذه؟ مَن يعملُ لمثل مَضْجَعي هذا؟ ثم يقول: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾. ثم يُغْمى عليه، ثم يُفيقُ، فيقولُها، حتى قُبِض١
وقفات تدبرية في الآية ١١٠ من سورة الأنعام
١٤ وقفةً في هذه الآية
-
﴿ ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة.. ﴾ سلبهم الله فهم الشريعة...وحرمهم البصيرة في النصوص... عقوبة لهم حين أعرضوا أول مرة !
— نايف الفيصل
-
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ احشد إنصافك لتقييم أفكار الآخرين حينما تراها لأول مرة ربما تكون هي الفرصة الأخيرة لترى أفكارهم محايدة دون أن تشوهها مواقفك المسبقة.
— عبدالله بلقاسم
-
(ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) من عرض عليه حق فرده ولم يقبله عوقب بفساد قلبه وعقله ورأيه
— ابن قيم الجوزية (ابن القيم)
-
﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم﴾ نحول بينهم وبين الإيمان ولو جاءتهم كل آية فلا يؤمنون كما حلنا بينهم وبين الإيمان أول مرة .
— مجاهد بن جبر
-
من خالف الحق أول مرة، التبس عليه الحق في كل مرة: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ).
— خالد المزيني
-
العينان هما ربيئة القلب، وليس من الأعضاء أشد ارتباطًا بالقلب من العينين؛ ولهذا جمع الله بينهما في قوله: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ)، (يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) ، (وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ)، (قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ - أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ) ؛ ولأن كليهما له النظر: فنظر القلب الظاهر بالعينين، والباطن به وحده.
— ابن تيمية
-
دلت هذه الآية على الإنسان إذا علم الحق ولم يذعن له من أول وهلة، فإن ذلك قد يفوته والعياذ بالله.
— محمد بن صالح ابن عثيمين
-
(ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون)اعتراض على الدين يفقد قيمة القلب والبصر فيحرمهما فهم الواضح الشريم
— محاسن التاويل
-
ليس من اﻷعضاء أشد ارتباطا بالقلب من العينين ؛ لذا جمع بينهما في قوله : {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم} {تتقلب فيه القلوب واﻷبصار} . [ابن تيمية]
— محاسن التاويل
-
{ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ } بصرك منفذ إلى قلبك، فشدد حراستك عليه؛ لئلا ينفذ إليه ما يفسده.
— محمد الغرير
-
{وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ} الإعراض عن إتباع الحق من أول مرة يفقد صاحبه فرصة الانتفاع به عقوبة له
— مجالس التدبر
-
﴿وَﻧُﻘَﻠِّﺐُ ﺃَﻓْﺌِﺪَﺗَﻬُﻢ﴾ ثق تماما أن أمر قلبك ليس بيدك! كرها كان أو الحب وحتى يكون اختياره سليما فتقرب لربك ليقرب لقلبك ما ينفعك .
— روائع القرآن
ووقفتانِ أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.
ترجمات معاني الآية ١١٠ من سورة الأنعام
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(110) And We will turn away their hearts and their eyes just as they refused to believe in it [i.e., the revelation] the first time. And We will leave them in their transgression, wandering blindly.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا