قال مقاتل بن سليمان: ﴿قُلْ أعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ وذلك أنّ لَبِيد بن عاصم بن مالك، ويقال: ابن أعصم اليهودي، سَحر النبي ﷺ في إحدى عشرة عُقدة في وتَرٍ، فجعله في بئر لها سبع موانى في جُفّ طَلْعةٍ كان النبي ﷺ يستند إليها، فَدَبّ فيه السِّحر، واشتدّ عليه ثلاث ليالٍ، حتى مرض مرضًا شديدًا، وجزعت النساء، فنَزَلَت المعوّذات، فبينما رسول الله ﷺ نائم إذ رأى كأن مَلَكين قد أتياه، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما شكواه؟ قال: أصابه طِبّ -يقول: سِحر-. قال: فمَن طبَّه؟ قال: لَبِيد بن أعصم اليهودي. قال: في أي شيء؟ قال: في قِشر طَلْعة. قال: فأين هو؟ قال: في بئر فلان. قال: فما دواؤه؟ قال: تُنزف البئر، ثم يُخرج قِشر الطَّلعة، فيحرقه، ثم يحِل العُقد، كلّ عُقدة بآية من المُعوّذتين، فذلك شفاؤه. فلما استيقظ النبي ﷺ وجّه علي بن أبي طالب إلى البئر، فاستخرج السِّحر، وجاء به، فأَحرق ذلك القِشر. ويقال: إنّ جبريل أخبر النبي ﷺ بمكان السِّحر، وقال جبريل للنبي ﷺ: حُلّ عُقدة، واقرأ آية. ففعل النبي ﷺ ذلك، فجعل يذهب عنه ما كان يجد حتى برأ وانتشر للنساء

انتَقَدَ ابنُ جرير (٣‏/‏٨٢-٨٣) قولَ ابن عباس هذا، وما ماثله، مستندًا إلى أحوال النزول، فقال: «أمّا الفرائض والأحكام فإنّه قد اخْتُلِف فيها: هل كانت أُكْمِلَتْ ذلك اليوم أم لا؟ فرُوِي عن ابن عباس والسدي ما ذكرنا عنهما قبلُ. ورُوِي عن البَراء بن عازِب أنّ آخر آية نزلت من القرآن: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ﴾ [النساء:١٧٦]، ولا يَدْفَع ذو عِلْم أنّ الوحي لم ينقطع عن رسول الله ﷺ إلى أن قُبِض، بل كان الوحي قبل وفاته أكْثَرَ ما كان تَتابُعًا. فإذ كان ذلك كذلك، وكان قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَةِ﴾ آخرَها نُزُولًا، وكان ذلك من الأحكام والفرائض؛ كان معلومًا أنّ معنى قوله: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ على خلاف الوجه الذي تَأَوَّله مَن تَأَوَّلَه، أعني: كمال العبادات والأحكام والفرائض. فإن قال قائل: فما جَعْلُ قَوْلِ مَن قال:»قد نَزَل بعد ذلك فَرْضٌ«أوْلى مِن قَوْلِ مَن قال:»لم يَنزِلْ«؟ قِيل: لأنّ الذي قال:»لم يَنزِل«مُخْبِرٌ أنّه لا يَعْلَمُ نُزُول فَرْضٍ، والنَّفْيُ لا يكون شهادةً، والشَّهادَةُ قولُ مَن قالَ:»نَزَلَ«، وغيرُ جائزٍ دَفْعُ خبر الصادق فيما أمكن أن يكون فيه صادقًا»

اختُلِف في قراءة قوله: ﴿يرثني ويرث من آل يعقوب﴾؛ فقرأ قوم: ﴿يرثُني ويرثُ﴾ برفع الحرفين كليهما، وقرأ آخرون: ‹يَرِثْنِي ويَرِثْ› بجزم الحرفين على الجزاء والشرط. وذكر ابنُ جرير (١٥‏/‏٤٦٠) أن قراءة الضم بمعنى: فهب الذي يرثني ويرث من آل يعقوب، وعلى أنّ ﴿يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ من صلة الولي. وذكر أن قراءة الجزم بمعنى: فهب لي من لدنك وليًا فإنه يرثني إذا وهبْته لي. وبنحوه ابنُ عطية (٦‏/‏٩). ونقل ابنُ جرير عمَّن قرءوا بالجزم أنهم قالوا: إنما حسُن ذلك في هذا الموضع؛ لأن ﴿يرثني﴾ من آية غير التي قبلها. وإنما يحسُن أن يكون مثل هذا صلة، إذا كان غير منقطع عما هو له صلة، كقوله: ﴿ردءا يصدقني﴾ [القصص:٣٤]. ورجَّح قراءةَ الرفع، وانتقد الأخرى مستندًا إلى اللغة، ودلالة العقل، فقال: «لأنّ الولي نكرة، وأنّ زكريا إنما سأل ربه أن يهب له وليًّا يكون بهذه الصفة، كما روي عن رسول الله ﷺ، لا أنّه سأله ولِيًّا، ثم أخبر أنّه إذا وهب له ذلك كانت هذه صفته؛ لأن ذلك لو كان كذلك كان ذلك من زكريا دخولًا في علْم الغيب الذي قد حجبه الله عن خلقه». وبنحوه ابنُ عطية (٦‏/‏٩)

قال ابنُ عطية (٨‏/‏١٨): «قوله تعالى: ﴿بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان﴾ يحتمل معنيين: أحدهما: بئس اسم تكتسبونه بعصيانكم ونبزكم بالألقاب فتكونون فُسّاقًا بالمعصية بعد إيمانكم. والثاني: بئس ما يقول الرجل لأخيه: يا فاسق بعد إيمانه». وذهب ابنُ جرير (٢١‏/‏٣٧٢)، وابنُ تيمية (٦‏/‏٧٥) إلى المعنى الأول الذي ذكره ابن عطية استنادًا إلى السياق. وانتَقَدَ ابنُ تيمية (٣‏/‏٩) المعنى الثاني لدلالة القرآن، والسنة، فقال: «قيل: معناه: لا تسمّيه فاسقًا ولا كافرًا بعد إيمانه. وهذا ضعيف، بل المراد: بئس الاسم أن تكونوا فُسّاقًا بعد إيمانكم، كما قال تعالى في الذي كذب: ﴿إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا﴾ فسمّاه فاسقًا، وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «سِباب المسلم فسوق، وقِتاله كُفر». يقول: فإذا ساببتم المسلم وسخرتم منه ولمزتموه استحققتم أن تُسمّوا فُسّاقًا وقد قال في آية القذف: ﴿ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون﴾ [النور:٤]. يقول: فإذا أتيتم بهذه الأمور التي تستحقّون بها أن تُسمّوا فُسّاقًا كنتم قد استحققتم اسم الفسوق بعد الإيمان، وإلا فهم في تنابزهم ما كانوا يقولون: فاسق، كافر، فإن النبي ﷺ قدم المدينة وبعضهم يُلَقِّب بعضًا»

سورة آل عمران — الآية ١٢٨

عن سالم بن عبد الله -من طريق حنظلة بن أبي سفيان- قال: وقوله عز وجل: ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم﴾ نزلت في سُهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، كان النبي ﷺ يدعو في الصلاة، فنزلت فيهم هذه الآية

سورة آل عمران — الآية ١٣٣

عن كُرَيْبٍ، قال: أرسلني ابنُ عباس إلى رجلٍ مِن أهل الكتاب أسأله عن هذه الآية: ﴿وجنة عرضها السماوات والأرض﴾. فأخرج أسفارَ موسى، فجعل ينظر، قال: سبع سموات وسبع أرضين تُلْفَقُ كما تُلْفَقُ الثيابُ بعضُها إلى بعض، هذا عرضُها، وأما طولُها فلا يَقْدُرُ قدرَه إلا اللهُ

سورة آل عمران — الآية ١٤٤

عن عمر بن الخطاب -من طريق ابن عباس- أنّه قال: كنتُ أتأوَّل هذه الآية: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ [البقرة:١٤٣]، فواللهِ، إن كنتُ لأظُنُّ أنه سيبقى في أمته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها، وإنّه هو الذي حَمَلَنِي على أن قلتُ ما قلتُ

سورة آل عمران — الآية ١٥٥

عن إسماعيل السُّدِّيِّ -من طريق أسباط- قال: لَمّا انهزموا يومئذٍ تفرَّق عن رسول الله ﷺ أصحابُه، فدخل بعضُهم المدينةَ، وانطلق بعضُهم فوقَ الجبل إلى الصخرة، فقاموا عليها، فذكر الله عز وجل الذين انهزموا فدخلوا المدينة؛ فقال: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾ الآية

سورة آل عمران — الآية ١٥٧

عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- ﴿ولئن قتلتم في سبيل الله﴾ الآية، أي: إنّ الموت كائنٌ لا بد منه؛ فموتٌ في سبيل الله أو قتلٌ خيرٌ -لو علموا وأيقنوا- مما يجمعون من الدنيا التي لها يتأخرون عن الجهاد تَخَوُّفَ الموت والقتل، لِما جمعوا من زهيد الدنيا، زهادةً في الآخرة

سورة آل عمران — الآية ١٦٤

عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في الآية، قال: مَنٌّ مِن الله عظيم، مِن غير دعوة ولا رغبةٍ مِن هذه الأمة، جعله الله رحمةً لهم، يخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط مستقيم، بعثه اللهُ إلى قومٍ لا يعلمون فعلَّمهم، وإلى قومٍ لا أدَبَ لهم فأدَّبهم