عن نوف البِكاليّ -من طريق أبي عمران الجَوْنِيِّ- قال: كانت مريم عليها السلام فتاة بتولًا، وكان زكريا زوج أختها كفلها، فكانت معه، فكان يدخل عليها يُسَلِّمُ عليها، فتُقَرِّبُ إليه فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، فدخل عليها زكريا مرَّة، فقرَّبت إليه بعض ما كانت تُقَرِّب، ﴿قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب هنالك دعا زكريا ربه﴾ إلى قوله: ﴿آيتك أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا زمرا﴾ [آل عمران:٣٧-٤١]. قال: يُخْتَمُ على لسانك فلا تكلِّمُ الناس ﴿ثلاث ليال سويا﴾: صحيحًا. ﴿فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم﴾ كتب لهم ﴿أن سبحوا بكرة وعشيا﴾. قال: فبينما هي جالسة في منزلها إذا رجل قائم بين يديها قد هَتَكَ الحُجُبَ، فلمّا رأته قالت: ﴿إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا﴾. قال: فلما ذكرت الرحمن فزع جبريل عليه السلام، قال: ﴿إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا﴾ إلى قوله: ﴿وكان أمر مقضيا﴾. فنفخ في جيبها جبريلُ، فحملت، حتى إذا أثْقَلَتْ وجِعَتْ ما توجع النساء، وكانت في بيت النبوة، فاستحيت، وهربت حياءً مِن قومها، فأخذت نحو المشرق، وخرج قومها في طلبها، فجعلوا يسألون: رأيتم فتاة كذا وكذا؟ فلا يخبرهم أحد، وأخذها ﴿المخاض إلى جذع النخلة﴾ فتساندت إلى النخلة، قالت: ﴿يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا﴾ قال: حيضة من حيضة، ﴿فناداها من تحتها﴾ قال: جبريل مِن أقصى الوادي: ﴿أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا﴾ قال: جدولًا، ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا﴾. فلمّا قال لها جبريلُ اشتدَّ ظهرها، وطابت نفسها، فقطعت سَرَرَه، ولفَّته في خِرْقَة، وحملته، فلقي قومها راعي بقر وهم في طلبها، قالوا: يا راعي، هل رأيت فتاة كذا وكذا؟ قال: لا، ولكن رأيت الليلة مِن بقري شيئًا لم أره منها قطُّ فيما خلا. قال: وما رأيتها منها؟ قال: رأيتها باتت سُجَّدًا نحو هذا الوادي. فانطلقوا حيث وصف لهم، فلما رأتهم مريم جلست، وجعلت تُرضِع عيسى، فجاؤوا حتى وقفوا عليها، فقالوا: ﴿يا مريم لقد جئت شيئا فريا﴾ قال: أمرًا عظيمًا، ﴿فأشارت إليه﴾ أن كلِّموه، فعجبوا منها، ﴿قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبي﴾؟! والمهد: حِجْرُها. فلما قالوا ذلك ترك عيسى ثديَها، واتَّكأ على يساره، ثم تكلم، ﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا﴾. قال: واختلف الناس فيه
اختُلف في معنى: ﴿إرَمَ﴾ على أقوال: الأول: أنها اسم بلدة، واختُلف في تعيينها على قولين: أحدهما: الإسكندرية. ثانيهما: دمشق. الثاني: عُنِيَ بها: أُمّة. الثالث: القديمة. الرابع: أنها قبيلة من عاد. الخامس: هو جَدُّ عادٍ. السادس: الهالك. وعلَّق ابنُ كثير (١٤/٣٤٣) على القول الرابع -وهو قول قتادة، والسُّدِّيّ- بقوله: «وهذا قول حسن جيد قوي». وذكر ابنُ جرير (٢٤/٣٦٤) -مستندًا إلى اللغة- أنّ الصواب «أن يقال: إنّ إرَم إمّا اسم بلدةٍ كانت عاد تسكنها، فلذلك رُدَّتْ على عادَ على الإتباع لها، ولم تُجْرَ مِن أجل ذلك، وإمّا اسم قبيلة فلم تُجْرَ أيضًا كما لا تُجْرى أسماء القبائل كتميم وبكر وما أشبه ذلك إذا أرادوا به قبيلةً». وانتقده ابنُ كثير (١٤/٣٤٥) -مستندًا إلى السياق- قائلًا: «وقول ابن جرير: يحتمل أن يكون المراد بقوله: ﴿إرم﴾ قبيلة أو بلدة كانت عاد تسكنها فلذلك لم تُصرف. فيه نظر؛ لأنّ المراد من السياق إنما هو الإخبار عن القبيلة، ولهذا قال بعده: ﴿وثَمُودَ الذيْنَ جابُوا الصَّخْرَ بِالوادِ﴾، يعني: يقطعون الصخر بالوادي». ورجَّح ابنُ جرير -مستندًا إلى القراءات- القول الرابع، وهو قول قتادة، فقال: «وأشبه الأقوال فيه بالصواب عندي: أنها اسمُ قبيلةٍ من عاد، ولذلك جاءت القراءة بتَرْك إضافة عاد إليها، وتَرْكِ إجرائها، كما يقال: ألم تَر ما فعل ربّك بتميم نهشل. فتُرِك نهشل -وهي قبيلةٌ- فتُرِك إجراؤها لذلك، وهي في موضع خفضٍ بالرَّد على تميمَ، ولو كانت»إرم«اسمَ بلدة أو اسمَ جدٍّ لعادٍ لجاءت القراءة بإضافة عادَ إليها، كما يقال: هذا عمرو زبيد، وحاتم طيئ، وأعشى هَمْدان، ولكنها اسم قبيلةٍ منها فيما أرى كما قال قتادة، والله أعلم، فلذلك أجمعت القرأة فيها على ترك الإضافة وترك الإجراء». وانتقد ابنُ جرير (٢٤/٣٦٤) القول الثالث -وهو قول مجاهد- -مستندًا إلى اللغة- بأنه «قولٌ لا معنى له؛ لأنّ ذلك لو كان معناه لكان مخفوضًا بالتنوين، وفي تَرْك الإجراء الدليل على أنه ليس بنعتٍ ولا صفةٍ». وانتقد ابنُ عطية (٨/٦٠٧) مَن عيَّن البلدة بالإسكندرية أو دمشق قائلًا: «وهذان القولان ضعيفان». ووافقه ابنُ كثير (١٤/٣٤٤) -مستندًا إلى السياق، والدلالة العقلية- فقال: «ومَن زعم أنّ المراد بقوله: ﴿إرم ذات العماد﴾ مدينة إمّا دمشق، كما رُوي عن سعيد بن المسيّب، وعكرمة، أو إسكندرية كما روي عن القُرَظيّ أو غيرهما، ففيه نظر، فإنه كيف يلتئم الكلام على هذا: ﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إرَمَ ذاتِ العِمادِ﴾ إن جُعل ذلك بدلًا أو عطف بيان، فإنه لا يتسق الكلام حينئذ. ثم المراد إنما هو الإخبار عن إهلاك القبيلة المُسمّاة بعاد، وما أحلّ الله بهم من بأسه الذي لا يُردُّ، لا أنّ المراد الإخبار عن مدينة أو إقليم»
اختلف في معنى: ﴿الصَّمَد﴾ في هذه الآية على أقوال: الأول: هو الذي لا جوف له، ولا يأكل ولا يشرب. الثاني: الذي لا يخرج منه شيء. الثالث: الذي لم يلد ولم يولد. الرابع: السيّد الذي قد انتهى في سؤدده. الخامس: هو الباقي الذي لا يفنى. ووجَّه ابنُ عطية (٨/٧١١) القول بأن المعنى: «الذي لا جوف له» بقوله: «كأنه بمعنى: المُصمَت». ووجَّه ابنُ كثير (١٤/٥١٣) القول الثالث -وهو قول الربيع بن أنس، وما في معناه- بقوله: «كأنه جعل ما بعده تفسيرًا له، وهو قوله: ﴿لم يلد ولم يولد﴾». ثم علَّق عليه بقوله: «وهو تفسير جيد». وذكر ابنُ جرير (٢٤/٧٣٧) أنّ ""﴿الصَّمَد﴾ عند العرب هو السيِّد الذي يُصمَد إليه، الذي لا أحد فوقَه، وكذلك تُسمِّي أشرافها. ومنه قَوْل الشّاعر:ألا بَكَرَ النّاعِي بِخَيْرَيْ بَنِي أسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدوقال الزِّبْرِقانُ:ولا رَهِينَةَ إلّا سَيِّدٌ صَمَدُ"". ثمَّ رجَّح القول الرابع -مستندًا إلى اللغة- قائلًا: «فإذ كان ذلك كذلك فالذي هو أولى بتأويل الكلمة: المعنى المعروف من كلام من نزل القرآن بلسانه، ولو كان حديث ابن بُرَيْدة عن أبيه صحيحًا كان أولى الأقوال بالصحة؛ لأنّ رسول الله أعلمُ بما عَنى الله -جلَّ ثناؤه-، وبما أنزَل عليه». وذكر ابنُ تيمية (٧/٢٨٥) أنّ معنى ﴿الصَّمَد﴾: «فيه للسلف أقوال متعددة قد يظن أنها مختلفة؛ وليس كذلك». ورجَّح أنّ «كلّها صواب، والمشهور منها قولان: أحدهما: أنّ الصَّمَد هو الذي لا جوف له. والثاني: أنه السيّد الذي يُصمَد إليه في الحوائج. والأول هو قول أكثر السلف من الصحابة والتابعين وطائفة من أهل اللغة، والثاني قول طائفة من السلف والخلف وجمهور اللغويين». وذكر (٧/٣٦٩) في موضع آخر هذين القولين المشهورين، ثم قال: «وكلا القولين حقّ؛ فإنّ لفظ»الصَّمَد«في اللغة يتناول هذا وهذا، والصَّمَد في اللغة: السيد؛ والصَّمَد أيضًا: المُصمد، والمُصمد: المُصمت، وكلاهما معروف في اللغة. ولهذا قال يحيى بن أبي كثير: الملائكة صَمد، والآدميون جوف. وهذا أيضًا دليل آخر؛ فإنه إذا كانت الملائكة - وهم مخلوقون من النور كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة عن النبي أنه قال: «خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجان من نار، وخُلق آدم مما وصف لكم»-، فإذا كانوا مخلوقين من نور؛ وهم لا يأكلون ولا يشربون، بل هم صَمد ليسوا جوفًا كالإنسان، وهم يتكلّمون ويسمعون ويُبصرون ويصعدون وينزلون كما ثبت ذلك بالنصوص الصحيحة، وهم مع ذلك لا تماثل صفاتهم وأفعالهم صفات الإنسان وفعله؛ فالخالق تعالى أعظم مباينة لمخلوقاته مِن مباينة الملائكة للآدميين؛ فإنّ كليهما مخلوق، والمخلوق أقرب إلى مشابهة المخلوق من المخلوق إلى الخالق»
عن حُذيفة بن اليمان، قال: لقد رأيتُنا ليلة الأحزاب ونحن صافُّون قعود، وأبو سفيان ومَن معه مِن الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفلَ مِنّا نخافهم على ذرارينا، وما أتت علينا ليلةٌ قط أشد ظلمة، ولا أشد ريحًا، في أصوات ريحها أمثال الصواعق، وهي ظلمة ما يرى أحد مِنّا إصبعه، فجعل المنافقون يستأذنون النبي ﷺ، ويقولون: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾. فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، فيتسلّلون، ونحن ثلاثمائة أو نحو ذلك، إذ استقبلنا رسول الله ﷺ رجلًا رجلًا، حتى مرَّ عَلَيَّ، وما علي جُنَّة مِن العدو ولا من البَرد إلا مِرْطٌ لامرأتي، ما يجاوز ركبتيّ، فأتاني وأنا جاثٍ على ركبتيّ، فقال: «مَن هذا؟». قلت: حذيفة بن اليمان. قال: «حذيفة بن اليمان؟». فتقاصرتُ إلى الأرض، فقلت: بلى، يا رسول الله؛ كراهية أن أقوم. قال: «قم». فقمت، فقال: «إنّه كان في القوم خبر، فأْتِنِي بخبر القوم». قال: وأنا من أشد الناس فزعًا، وأشدهم قُرًّا، فخرجتُ، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم، احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته». قال: فواللهِ، ما خلق الله فَزعًا ولا قُرًّا في جوفي إلا خرج مِن جوفي فما أجد منه شيئًا، فلما ولّيتُ قال: «يا حذيفة بن اليمان، لا تُحدِثنّ في القوم شيئا حتى تأتيني». فخرجتُ، حتى إذا دنوتُ من عسكر القوم نظرتُ في ضوء نار لهم توقد، وإذا رجلٌ أدهم ضخم يقول بيده على النار، ويمسح خاصرته ويقول: الرحيلَ الرحيلَ. ثم دخلتُ العسكر، فإذا أدنى الناس مِنِّي بنو عامر يقولون: يا آل عامر، الرحيلَ الرحيلَ، لا مُقام لكم. وإذا الريح في عسْكرهم ما تجاوز عسْكرهم شبرًا، فواللهِ، إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفُرشهم، الريح تضربهم، ثم خرجتُ نحو النبي ﷺ، فلما انتصفت في الطريق أو نحو ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارسًا متعمِّمين، فقالوا: أخبِر صاحبك أنّ الله كفاه القوم. فرجعت إلى رسول الله ﷺ وهو مُشتمل في شَمْلة يصلي، وكان إذا حزبه أمر صلّى، فأخبرته خبرَ القوم أني تركتهم يرتحلون؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾
عن علي بن حسين، وعكرمة مولى ابن عباس، وأبي صالح باذام، وقتادة بن دعامة، وإسماعيل السُّدِّيّ، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، نحو ذلك
عن أنس بن مالك -من طريق النّضر- قال: إنّ الله إذا أسكن أهلَ الجنّةِ الجنّةَ، وأهل النارِ النارَ؛ هبط إلى مَرجٍ مِن الجنة أفْيح، فمدّ بينه وبين خلْقه حُجُبًا مِن لؤلؤ، وحُجُبًا من نور، ثم وُضِعتْ منابر النور، وسُرُر النور، وكراسي النور، ثم أُذِن لرجل على الله، بين يديه أمثال الجبال مِن النور، يُسمع دويّ تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم، فمَدّ أهلُ الجنة أعناقَهم، فقيل: مَن هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا المَجْبُول بيده، والمعلَّم الأسماء، أُمِرت الملائكة فسَجدتْ له، والذي أُبيحتْ له الجنّة؛ آدم، قد أُذن له على الله. ثم يُؤذن لرجل آخر بين يديه أمثال الجبال مِن النور، يُسمَع دويّ تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم، فمَدّ أهل الجنّة أعناقهم، فقيل: مَن هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا الذي قد اتَّخذه الله خليلًا، وجُعِلَت النار عليه بردًا وسلامًا؛ إبراهيم، قد أُذن له على الله. ثم أُذن لرجل آخر على الله بين يديه أمثال الجبال مِن النور، يُسمَع معه دويّ تسبيح الملائكة، وصَفْق أجنحتهم، فمَدّ أهلُ الجنّة أعناقهم، فقيل: مَن هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا الذي اصطفاه الله برسالته، وقرّبه نجيًّا، وكلّمه كلامًا؛ موسى، قد أُذن له على الله. ثم يُؤذن لرجل آخر معه مثل جميع مواكب النّبيّين قبله، من بين يديه أمثال الجبال مِن النور، يُسمَع دويّ تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم، فمَدّ أهل الجنّة أعناقهم، فقيل: مَن هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا أول شافع، وأول مُشفّع، وأكثر الناس واردة، وسيد ولد آدم، وأول مَن تنشقّ عن ذؤابته الأرض، وصاحب لواء الحمد، قد أُذِن له على الله. فجلس النّبيّون على منابر النور، والصِّدّيقون على سُرر النور، والشهداء على كراسي النور، وجلس سائر الناس على كُثْبان المِسْك الأذْفر الأبيض، ثم ناداهم الرّبّ تعالى مِن وراء الحُجُب: مرحبًا بعبادي وزُوّاري وجيراني ووفْدي، يا ملائكتي، انهَضُوا إلى عبادي فأطعِموهم. فقَرّبتْ إليهم مِن لحوم طيرٍ كأنها البُخْتُ، لا ريش لها ولا عَظْم، فأكَلوا، ثم ناداهم الرّبّ عز وجل مِن وراء الحُجُب: مرحبًا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي، أكَلوا؟ اسقُوهم. فنهض إليهم غِلمانٌ كأنهم اللؤلؤ المكنون بأباريق الذهب والفِضّة بأشربةٍ مختلفة لذيذة، لذّة آخرها كلذّة أولها، لا يُصدّعون عنها ولا يُنزِفون. ثم ناداهم الرّبّ عز وجل من وراء الحُجُب: مرحبًا بعبادي وزُوّاري وجيراني ووفْدي، أكلوا وشربوا؟ فكِّهوهم. فيُقَرّب إليهم على أطباق مُكلَّلة بالياقوت والمَرْجان، مِن الرّطب الذي سمّى الله، أشدّ بياضًا من اللبن، وأطيب عذوبة من العسل. فأكلوا، ثم ناداهم الرّبّ مِن وراء الحُجُب: مرحبًا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفْدي، أكلوا وشربوا وفَكِهوا؟ اكسُوهم. ففُتِحتْ لهم ثمار الجنة بحُلَلٍ مصقُولة بنور الرحمن، فأُلبِسوها، ثم ناداهم الرّبّ عز وجل من وراء الحُجُب: مرحبًا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفْدي، أكلوا وشربوا وفَكِهوا وكُسوا؟ طيِّبوهم. فهاجتْ عليهم ريح -يُقال لها: المُثيرة- بأباريق المِسْك الأبيض الأذْفر، فنَفَحَتْ على وجوههم من غير غُبار ولا قَتامٍ، ثم ناداهم الرّبّ عز وجل من وراء الحُجُب: مرحبًا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفْدي، أكلوا وشربوا وفَكِهوا وكُسوا وطُيّبوا، وعزّتي، لأتجلّين لهم حتى ينظروا إليّ. فذلك انتهاء العطاء، وفضْل المزيد، فتجلّى لهم الرّبّ، ثم قال: السلام عليكم عبادي، انظروا إلَيَّ، فقد رضيتُ عنكم. فتداعتْ قصور الجنّة وشجرها: سبحانك. أربع مرات، وخرّ القوم سُجّدًا، فناداهم الرّبّ: عبادي، ارفعوا رؤوسكم؛ فإنها ليست بدار عمل، ولا دار نَصب؛ إنما هي دار جزاء وثواب، وعزّتي، ما خلقتُها إلا من أجلكم، وما من ساعة ذكرتموني فيها في دار الدنيا إلا ذكرتُكم فوق عرشي
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد-: أنّ نفرًا من قريش ومن أشراف كلِّ قبيلة اجتمَعوا لِيَدْخلوا دار الندوة، واعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رَأَوْه قالوا: مَن أنت؟ قال: شيخٌ من أهل نَجْد، سمعتُ بما اجتمَعْتم له؛ فأرَدْتُ أن أحضُرَكم، ولن يَعْدَمَكم مِنِّي رَأْي ونصح. قالوا: أجل، فادخل. فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، فواللهِ، لَيُوشِكَنَّ أن يُواتِيَكم في أمركم بأمره. فقال قائل: احبِسوه في وثاق، ثم تَرَبَّصوا به المنون حتى يهلك كما هلك مَن كان قبله مِن الشعراء؛ زُهَيرٌ ونابِغَة، فإنما هو كأحدهم. فقال عدوُّ الله الشيخُ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأْي، والله لَيَخْرُجَنَّ رأْيُه مِن مَحْبِسِه لأصحابه، فلَيُوشِكَنَّ أن يَثِبوا عليه حتى يأخذوه مِن أيديكم، ثم يمنعوه منكم، فما آمَنُ عليكم أن يُخْرِجوكم مِن بلادكم، فانظروا في غير هذا الرَّأْي. فقال قائل منهم: فأخْرِجوه مِن بين أظهركم فاستريحوا منه، فإنه إذا خرج لم يضُرَّكم ما صَنَع وأين وقَع، وإذا غاب عنكم أذاهُ استرحتم منه، وكان أمره في غيركم. فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأْي، ألَمْ تَرَوْا حلاوة قوله، وطَلاقة لسانه، وأَخْذَه للقلوب بما يُستَمَعُ مِن حديثه، والله لئن فعلتم ثم اسْتَعْرَض العربَ لَتَجْتَمِعَنَّ إليه، ثم لَيَسِيرَنَّ إليكم حتى يُخْرِجَكم مِن بلادكم ويَقْتُلَ أشرافكم. قالوا: صدَق والله، فانظروا رَأْيًا غير هذا. فقال أبو جهل: والله، لَأُشِيرَنَّ عليكم برأيٍ أبْصَرْتُموه بعد، ما أرى غيرَه. قالوا: وما هذا؟ قال: نأخذ مِن كلِّ قبيلة غلامًا وسِيطًا شابًّا نَهْدًا، ثم يُعْطى كلُّ غلام منهم سيفًا صارِمًا، ثم يضربونه، يعني: ضربةَ رجل واحد، فإذا قتلتموه تفرَّق دمُه في القبائل كلِّها، فلا أظنُّ هذا الحيَّ من بني هاشم يَقْدِرون على حرب قريش كلِّهم، وإنّهم إذا رَأَوْا ذلك قَبِلوا العَقْلَ، واسترحنا وقطَعْنا عنّا أذاه. فقال الشيخ النَّجديُّ: هذا والله هو الرأي، القولُ ما قال الفتى، لا أرى غيرَه. فتفرَّقوا على ذلك وهم مُجْمِعُون له، فأتى جبريلُ رسولَ الله ﷺ، فأمَره ألّا يَبِيتَ في مَضْجعِه الذي كان يَبِيتُ فيه، وأخبره بمكر القوم، فلم يَبِتْ رسول الله ﷺ في بيته تلك الليلة، وأَذِن الله له عند ذلك في الخروج، وأمَرهم بالهجرة، وافترَض عليهم القتال، فأنزَل الله: ﴿أذن للذين يقاتلون﴾ [الحج:٣٩]. فكانت هاتان الآيتان أولَ ما نزل في الحرب، وأنزل عليه بعد قدومه المدينة يذكُرُ نعمتَه عليه: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ الآية
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين﴾: هم رهط خمسة من قريش، عَضَهُوا القرآن؛ زعم بعضُهم أنّه سِحْر، وزعم بعضُهم أنّه شِعْر، وزعم بعضهم أنّه أساطير الأولين؛ أما أحدهم فالأسود بن عبد يغوث، أتى على نبي الله ﷺ وهو عند البيت، فقال له الملَك: كيف تجد هذا؟ قال: «بئس عبد الله، على أنه خالي». قال: كفيناك. ثم أتى عليه الوليد بن المغيرة، فقال له الملَك: كيف تجد هذا؟ قال: «بئس عبد الله». قال: كفيناك. ثم أتى عليه عديُّ بن قيس أخو بني سهم، فقال الملك: كيف تجد هذا؟ قال: «بئس عبد الله». قال: كَفَيْناك. ثم أتى عليه الأسود بن المطلب، فقال له الملك: كيف تجد هذا؟ قال: «بئس عبد الله». قال: كفيناك. ثم أتى عليه العاص بن وائل، فقال له الملك: كيف تجد هذا. قال: «بئس عبد الله». قال: كفيناك. فأمّا الأسود بن عبد يغوث فأُتِي بغصن مِن شوك، فضرب به وجهه، حتى سالت حدقتاه على وجهه، فكان بعد ذلك يقول: دعا عليَّ محمدٌ بدعوة، ودعوت عليه بأخرى، فاستجاب الله له فِيَّ، واستجاب الله لي فيه، دعا علي أن أثكل وأن أعمى، فكان كذلك، ودعوت عليه أن يصير شريدًا طريدًا، فطردناه مع يهود يثرب وسُرّاق الحجيج، وكان كذلك. وأما الوليد بن المغيرة فذهب يرتدي، فتعلق بردائه سَهْم غَرْب، فأصاب أكحله أو أبجله، فأُتِي في كل ذلك، فمات. وأما العاص بن وائل فوطئ على شوكة، فأُتِي في ذلك؛ جعل يتساقط لحمُه عضوًا عضوًا، فمات وهو كذلك. وأما الأسود بن المطلب وعدي بن قيس فلا أدري ما أصابهما. ذُكِر لنا: أنّ نبي الله ﷺ يوم بدر نهى أصحابَه عن قتل أبي البَخْتَري، وقال: «خذوه أخْذًا، فإنّه قد كان له بلاء». فقال له أصحاب النبي ﷺ: يا أبا البختري، إنّا قد نُهِينا عن قتلك، فهلم إلى الأَمَنَة والأمان. فقال أبو البختري: وابن أخي معي. فقالوا: لم نُؤْمَر إلا بك. فراودوه ثلاث مرات، فأبى إلا وابن أخيه معه، قال: فأغلظ للنبي ﷺ الكلام، فحمل عليه رجل مِن القوم، فطعنه، فقتله، فجاء قاتِلُه وكأنّما على ظهره جَبَلٌ أوثقه مخافة أن يلومه النبيُّ ﷺ، فلما أخبر بقوله قال النبي ﷺ: «أبْعَدَه اللهُ، وأَسْحَقَه». وهم المستهزئون الذين قال الله: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾، وهم الخمسة الذين قيل فيهم: ﴿إنا كفيناك المستهزئين﴾ استهزءوا بكتاب الله، ونبيه ﷺ
عن معمر، عن قتادة، قال: وضع الله البيتَ مع آدم حين أهبط اللهُ آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورِجلاه في الأرض، وكانت الملائكة تهابه، فنقص إلى ستين ذراعًا، فحزن آدمُ إذ فَقَد أصوات الملائكة وتسبيحَهم، فشكا ذلك إلى الله، فقال الله: يا آدم، إنِّي قد أهْبَطتُ لك بيتًا يُطاف به كما يُطاف حول عرشي، ويُصَلّى عنده كما يُصَلّى عند عرشي، فاخرج إليه. فخرج اليه آدم، ومدَّ له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفاوز بَعْدُ على ذلك. وأتى آدمُ، فطاف به ومَن بعده مِن الأنبياء، قال معمر: وأخبرني أبان أنّ البيت أُهْبِط ياقوتة واحدة، أو درة واحدة. قال معمر: وبلغني: أنّ سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا، حتى اذا أغرق الله قوم نوح فُقِد، وبقِيَ أساسه، فبوَّأه الله لإبراهيم، فبناه بعد ذلك، فذلك قول الله: ﴿واذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾، قال مَعْمَر: قال ابن جُرَيج: قال ناس: أرسل اللهُ سبحانه سحابةً فيها رأس، فقال الرأس: يا إبراهيم، إنّ ربك يأمرك أن تأخذ قدر هذه السحابة. فجعل ينظر إليها، ويخط قدرها، قال الرأس: قد فعلتَ؟ قال: نعم. ثم ارْتَفَعَتْ، فحفر، فأبرز عن أساس ثابت في الأرض، قال ابن جريج: قال مجاهد: أقبل الملَك والصُّرَد والسكينةُ مع إبراهيم من الشام، فقالت السكينة: يا إبراهيم، ربِّض على البيت. قال: فلذلك لا يطوف البيتَ أعرابيٌّ ولا ملِك مِن هذه الملوك إلا رأيت عليه السكينة والوقار، قال ابن جريج: وقال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: وكان اللهُ استودع الركن أبا قبيس، فلمّا بنى إبراهيمُ ناداه أبو قبيس، فقال: يا إبراهيم، هذاالركن فِيَّ، فخده. فحفر عنه، فوضعه، فلمّا فرغ إبراهيمُ مِن بنائه قال: قد فعلتُ، يا رب، فأرِنا مناسكنا -أبرِزها لنا، وعلِّمناها-. فبعث الله جبريلَ، فحجَّ به، حتى إذا رأى عرفة قال: قد عرفتُ. وكان أتاها قبل ذلك مرَّة، قال: فلذلك سُمِّيَت: عرفة، حتى إذا كان يوم النحر عرض له الشيطان، فقال: احصِبْ. فحصبه بسبع حصيات، ثم اليوم الثاني، فالثالث، فسدَّ ما بين الجبلين -يعني: إبليس-، فلذلك كان رمي الجمار، قال: اعلُ على ثبير. فعلاه، فنادى: يا عباد الله، أجيبوا الله، يا عباد الله، أطيعوا الله. فسمع دعوته مَن بين الأبحر السَّبْعِ مِمَّن كان في قلبه مثقالُ ذَرَّة من الإيمان، فهي التي أعطى الله إبراهيمَ في المناسك، قوله: لبيك اللهم لبيك. ولم يَزَلْ على وجه الأرض سبعةٌ مسلمون فصاعدًا، فلولا ذلك هلكت الأرض ومَن عليها
عن عبد الله بن عباس -من طريق شَهْر بن حَوْشَب- أنه قال: إذا كان يوم القيامة مُدّت الأرض مَدّ الأديم، وزِيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد؛ جِنّهم وإنسِهم، فإذا كان ذلك اليوم قِيضتْ هذه السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض جِنّهم وإنسِهم بضعْفٍ، فإذا نُثِروا على وجه الأرض فزعوا منهم، فيقولون: أفيكم ربّنا؟ فيَفزعون مِن قولهم، ويقولون: سبحان ربّنا، ليس فينا، وهو آتٍ. ثم تُقاض السماء الثانية، ولَأهل السماء الثانية وحدهم أكثر مِن أهل السماء الدنيا ومِن جميع أهل الأرض بضعْف جِنّهم وإنسِهم، فإذا نُثِروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض، فيقولون: أفيكم ربّنا؟ فيَفزعون من قولهم، ويقولون: سبحان ربّنا، ليس فينا، وهو آتٍ. ثم تُقاض السموات سماء سماء، كلما قِيضتْ سماء عن أهلها كانت أكثر من أهل السموات التي تحتها ومن جميع أهل الأرض بضعْفٍ، فإذا نُثِروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض، فيقولون لهم مثل ذلك، ويرجعون إليهم مثل ذلك، حتى تُقاض السماء السابعة، فلَأهل السماء السابعة أكثر من أهل ست سموات ومِن جميع أهل الأرض بضعْفٍ، فيجيء الله فيهم، والأمم جُثًا صفوف، وينادي منادٍ: ستعلمون اليوم مَن أصحاب الكرم، لِيَقُم الحَمُّادون لله على كل حال. قال: فيقومون، فيَسْرَحون إلى الجنة؛ ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم مَن أصحاب الكرم، أين الذين كانت ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]؟ فيقومون، فيَسْرَحون إلى الجنة؛ ثم ينادي الثالثة: ستعلمون اليوم مَن أصحاب الكرم، أين الذين ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأَبْصارُ﴾ [النور:٣٧]؟ فيقومون، فيَسْرَحون إلى الجنة، فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة خرج عُنقٌ من النار، فأشرف على الخلائق، له عينان تُبصِران، ولسان فصيح، فيقول: إنّي وُكِّلتُ منكم بثلاثة: بكلّ جبّار عنيد. فيَلْقُطُهم من الصفوف لَقْط الطير حبَّ السِّمْسم، فيُحبس بهم في جهنم، ثم يخرج ثانية، فيقول: إني وُكِّلتُ منكم بمن آذى الله ورسوله. فيَلْقُطُهم لَقْط الطير حبَّ السِّمْسم، فيُحبس بهم في جهنم، ثم يخرج ثالثة، قال عوف، قال أبو المنهال: حسبتُ أنه يقول: وُكِّلتُ بأصحاب التصاوير. فيَلتقطهم من الصفوف لَقْط الطير حبَّ السِّمْسم، فيُحبس بهم في جهنم، فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة ومن هؤلاء ثلاثة نُشرت الصحف، ووُضعت الموازين، ودُعي الخلائق للحساب