عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبرِ ولَمّا يُلْحَدْ، فجلس رسول الله ﷺ، وجلسنا حوله، وكأنّ على رءوسنا الطيرَ، وفي يده عُودٌ ينكُتُ به في الأرض، فرفع رأسه، فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر». مرتين أو ثلاثًا، ثم قال: «إنّ العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبالٍ من الآخرة نزل إليه ملائكةٌ من السماء بيض الوجوه، كأنّ وجوهم الشمسُ، معهم أكفانٌ من كفن الجنة، وحَنوطٌ من حَنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مدَّ البصر، ثم يجيءُ مَلَك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقولُ: أيَّتها النفسُ الطيِّبةُ، اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان. فتخرج تسيلُ كما تسيل القطرةُ مِن فِي السِّقاء، وإن كنتم ترون غير ذلك، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طَرْفَة عين حتى يأخُذوها، فيجعلوها في ذلك الكَفَن، وفي ذلك الحَنُوط، فيخرجُ منها كأَطْيَبِ نفحةِ مِسْكٍ وُجِدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يمرُّون على ملأٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروحُ الطيِّبُ؟! فيقولون: فلانُ بنُ فلانٍ. بأحسن أسمائه التي كانوا يسمُّونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيُفتح لهم، فيُشَيِّعه من كلِّ سماءٍ مُقَرَّبوها إلى السماء التي تليها، حتى يُنتهى به إلى السماء السابعة، فيقولُ الله: اكتبوا كتاب عبدي في عِلِّيِّين، وأعيدوه إلى الأرض، فإنِّي منها خلقتُهم، وفيها أعيدُهم، ومنها أُخرجُهم تارةً أخرى. فتُعاد رُوحُه في جسده، فيأتيه ملكان، فيُجْلِسانه، فيقولان له: مَن ربُّك؟ فيقولُ: ربِّي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولانِ له: ما هذا الرجل الذي بُعِث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. فيقولان له: وما عِلمُك؟ فيقول: قرأت كتاب الله، فآمنتُ به، وصدَّقتُ. فيُنادي مُنادٍ من السماءِ: أن صَدَق عبدي، فأَفْرِشُوهُ من الجنة، وأَلْبِسُوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة. فيأتيه من روحها وطيبها، ويُفْسَح له في قبره مَدَّ بصره، ويأتيه رجلٌ حسنُ الوجه، حسنُ الثِّياب، طَيِّبُ الريح، فيقولُ: أبشِرْ بالذي يَسُرُّك، هذا يومُك الذي كنت تُوعَدُ. فيقول له: مَن أنت؟ فوجهُك الوجهُ يجيءُ بالخير. فيقول: أنا عملُك الصالحُ. فيقول: ربِّ، أقِمِ الساعةَ، ربِّ، أقم الساعةَ حتى أرْجِعَ إلى أهلي ومالي». قال: «وإنّ العبد الكافر إذا كان في انقطاعٍ من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه من السماء ملائكةٌ سودُ الوجوه، معهم المُسُوُحُ، فيجلسون منه مَدَّ البصرِ، ثم يجيءُ مَلَك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيَّتها النفسُ الخبيثةُ، اخرجي إلى سخط من الله وغضب. فتفرَّق في جسده، فينتزعُها كما يُنتَزَع السَّفُّودُ مِن الصوف المبلولِ، فيأخذها، فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المُسُوح، ويخرج منها كأنتَنِ ريحِ جِيفَةٍ وُجِدَت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يَمُرُّون بها على ملأٍ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروحُ الخبيثُ؟ فيقولون: فلان بن فلان. بأقبح أسمائه التي كان يُسَمّى بها في الدنيا، حتى يُنتهى بها إلى السماء الدنيا، فيُسْتَفْتَحُ فلا يُفْتَحُ له». ثم قرأ رسول ُالله ﷺ: ﴿لا تُفتَّح لهُم أبوابُ السَّماء﴾. «فيقول الله عز وجل: اكتُبوا كتابه في سِجِّين، في الأرض السُّفلى. فتُطْرَح روحُه طَرْحًا». ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿ومن يُشرك بالله فكأنّما خرَّ من السماءِ فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيقٍ﴾ [الحج:٣١]. «فتُعادُ رُوحُه في جسده، ويأتيه مَلَكان، فيُجلِسانه، فيقولان له: مَن ربُّك؟ فيقول: هاه هاه. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مُنادٍ من السماء: أن كذب عبدي، فأَفْرِشُوهُ من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار. فيأتيه مِن حرِّها وسَمُومِها، ويُضَيَّق عليه قبرُه حتى تختلفَ فيه أضلاعُه، ويأتيه رجلٌ قبيحُ الوجه، قبيحُ الثياب، مُنتِنُ الِّريح، فيقول: أبشِرْ بالذي يسوءُك، هذا يومك الذي كنت تُوعَد. فيقول: مَن أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالشرِّ. فيقول: أنا عملك الخبيثُ. فيقول: ربِّ، لا تُقم الساعةَ»
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ وذلك أنّ عاتكة بنت عبد المطلب رأت في المنام: كأَنَّ فارسًا دخل المسجد الحرام، فنادى: يا آل فهر من قريش، انفروا في ليلة أو ليلتين. ثم صعد فوق الكعبة، فنادى مثلها، ثم صعد أبا قُبَيْس فنادى مثلها، ثم نقض صخرة من الجبل، فرفعها المنادي، فضرب بها الجبل، فانفلقت، فلم يبق بيت بمكة إلا دخلت قطعة منه فيه، فلَمّا أصبحت أخبرت أخاها العباس ورجلًا وعنده أبو جهل بن هشام، فقال أبو جهل: يا آل قريش، ألا تعذرونا من بني عبد المطلب! ، إنهم لا يرضون أن تنبأ رجالهم حتى تنبأت نساؤهم! ثم قال أبو جهل للعباس: تنبأت رجالكم، وتنبأت نساؤكم، والله لَتَنتَهُنَّ. وأَوْعَدَهم، فقال العباس: إن شئتم ناجَزْناكم الساعة. فلما قدم ضَمْضَم بن عمرو الغفاري قال: أدرِكوا العِير أو لا تدركوا. فعمد أبو جهل وأصحابه فأخذوا بأستار الكعبة، ثم قال أبو جهل: اللهم انصر أعلى الجندين، وأكرم القبيلتين. ثم خرجوا على كل صَعْب وذَلُول لِيُعِينُوا أبا سفيان، فترك أبو سفيان الطريق، وأغز على ساحل البحر، فقدم مكة، وسبق أبو جهل النبي ﷺ ومن معه من المشركين إلى ماء بدر، فلما التَقَوْا قال أبو جهل: اللهم اقض بيننا وبين محمد، اللهم أينا كان أحب إليك، وأرضى عندك فانصره. ففعل الله عز وجل ذلك، وهزم المشركين، وقتلهم، ونصر المؤمنين، فأنزل الله في قول أبي جهل: ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾
عن أبي رُهْمٍ كُلثوم بن الحُصين الغِفاري -وكان مِن الصحابة الذين بايعوا تحت الشجرة-، قال: أقبل رسولُ الله ﷺ حتى نزل بذي أوان، بينه وبين المدينة ساعة من نهار، وكان من مسجد ضرار قد أتَوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله، إنّا بنينا مسجدًا لذى العِلَّةِ والحاجة واللَّيْلَة الشّاتية واللَّيْلَة المَطِيرة، وإنّا نُحِبُّ أن تأتينا فتُصَلِّي لنا فيه. قال: «إنِّي على جَناح سفر، ولو قدِمنا -إن شاء الله- أتَيناكم، فصَلَّيْنا لكم فيه». فلمّا نزل بذى أوانٍ أتاه خبر المسجد، فدعا رسولُ الله ﷺ مالكَ بنَ الدُّخْشُم أخا بني سالم بن عوف، ومَعْنَ بن عَدِيٍّ أو أخاه عاصم بن عَدِيِّ أحد بَلْعَجْلان، فقال: «انطَلِقا إلى هذا المسجد الظالم أهلُه، فاهدِماه، وحَرِّقاه». فخرجا سريعين حتى أتَيا بني سالم بن عوف، وهم رهط مالك بن الدُّخْشُم، فقال مالك لمعن: أنظِرنى حتى أخرُج إليك. فدخل إلى أهله، فأخذ سَعَفًا مِن النخل، فأشعل فيه نارًا، ثم خرجا يَشْتَدّان وفيه أهله، فحَرَّقاه، وهَدَماه، وتَفرَّقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا﴾ إلى آخر القصة
عن البراء بن عازب، قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولَمّا يُلْحَد، فجلس رسولُ الله ﷺ، وجلسنا حوله وكأنّ على رؤوسنا الطيرَ، وفي يده عودٌ يَنكُتُ به في الأرض، فرفع رأسَه، فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين أو ثلاثًا. ثُمَّ قال: «إنّ العبدَ المؤمنَ إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبالٍ من الآخرة نزل إليه ملائكةٌ مِن السماء، بيض الوجوه، كأنّ وجوهَهم الشمسُ، معهم كفنٌ مِن أكفان الجنة، وحَنُوطٌ مِن حَنوطِ الجنة، حتى يجلسوا منه مَدَّ البصر، ثم يجيء مَلَكُ الموت، حتى يجلس عند رأسه، فيقولُ: أيَّتُها النفسُ المطمئنةُ، اخرجي إلى مغفرةٍ مِن الله ورضوان». قال: «فتخرُجُ تَسِيل كما تَسِيلُ القَطْرةُ مِن فِي السِّقاء، وإن كنتم تَرَوْنَ غير ذلك، فيأخذها، فإذا أخذها لم يَدَعُوها في يده طَرْفَة عينٍ، حتى يأخذوها فيجعَلوها في ذلك الكَفَن، وفي ذلك الحنوطِ، ويخرج منها أطْيَبُ نفحةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ على وجه الأرض، فيَصْعَدُون بها، فلا يَمُرُّون على مَلَأٍ مِن الملائكة إلا قالوا: ما هذا الرُّوح الطَّيِّبُ؟ فيقولون: فلانُ بن فلانٍ. بأحسن أسمائه التي كانوا يُسَمُّونه في الدنيا، وحتى يَنتَهُوا بها إلى السماء الدنيا، فيَسْتَفْتِحُون له، فيُفْتَح لهم، فيُشَيِّعُه مِن كلِّ سماء مُقَرَّبوها إلى السماء التي تليها، حتى يُنتَهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله: اكتُبوا كتابَ عبدي في عِلِّيِّين، وأَعْيِدُوه إلى الأرض، فإنِّي منها خلَقتُهم، وفيها أُعيدُهم، ومنها أخرجهم تارةً أخرى. فتُعادُ رُوحُه في جسده، فيأتيه مَلَكان، فيُجلِسانِه، فيقولان له: مَن ربُّك؟ فيقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينُك؟ فيقولُ: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعِث فيكم؟ فيقولُ: هو رسول الله. فيقولان له: وما عِلْمُك؟ فيقول: قرأتُ كتابَ الله، فآمنتُ به، وصَدَّقتُ. فيُنادي مُنادٍ مِن السماء: أن صدَق عبدي، فأَفرِشوه مِن الجنة، وألبِسوه مِن الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة. فيأتيه مِن روحها وطِيبها، ويُفسَحُ له في قبره مدَّ بصره، ويأتيه رجلٌ حسنُ الوجه حسنُ الثياب طيِّب الريح، فيقولُ: أبشِر بالذي يَسرُّك، هذا يومُك الذي كنت تُوعَدُ. فيقولُ: مَن أنت، فوجهُك الوجه يجيء بالخير؟ فيقول له: أنا عملك الصالحُ. فيقولُ: ربِّ، أقِم الساعة، ربِّ، أقِم الساعة، حتى أرجِعَ إلى أهلي ومالي». قال: «وإنّ العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبالٍ مِن الآخرة نزل إليه مِن السماء ملائكةٌ سُودُ الوجوه، معهم المُسوحُ، فيجلسون منه مَدَّ البصر، ثم يجيءُ ملَك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقولُ: أيَّتُها النفسُ الخبيثة، اخرجي إلى سَخَطٍ من الله وغَضَب. فتَفرَّقُ في جسده، فينتزعها كما يُنتَزَع السَّفُّودُ مِن الصُّوف المبلول، فيأخُذُها، فإذا أخذها لم يَدَعُوها في يده طَرْفَةَ عين حتى يجعلوها في تلك المُسُوح، ويخرج منها كأنتن ريحٍ جِيفةٍ وُجِدَت على وجه الأرض، فيصعدون بها، فلا يَمُرُّون بها على مَلَإٍ مِن الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيثُ؟ فيقولون: فلان بن فلانٍ. بأقبح أسمائه التي كان يُسَمّى بها في الدنيا، حتى يُنتَهى بها إلى السماء الدنيا، فيُسْتَفْتَحُ فلا يُفتَحُ له». ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لا تُفتَّح لهم أبوابُ السَّماءِ﴾ [الأعراف:٤٠]. «فيقول الله عز وجل: اكتُبوا كتابَه في سِجِّين في الأرض السُّفْلى. فتُطرَحُ رُوحُه طَرْحًا». ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿ومن يُشرك باللهِ فكأنّما خرَّ منَ السَّماءِ فَتَخْطَفُهُ الطيرُ أو تهوي به الريح في مكان سحيقٍ﴾ [الحج:٣١]. «فتُعادُ روحُه في جسدِه، ويأتيه ملكان، فيُجْلِسانِه، فيقولان له: مَن ربُّك؟ فيقول: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما دينُك؟ فيقولُ: هاه هاه، لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجلُ الذي بُعِث فيكم؟ فيقولُ: هاه هاه، لا أدري. فيُنادِي مُنادٍ مِن السماء: أن كَذَب عبدي، فأَفْرِشوه مِن النار، وافتحوا له بابًا إلى النار. فيأتيه مِن حرِّها وسَمُومِها، ويضيق عليه قبره حتى تختلِفَ فيه أضلاعُه، ويأتيه رجلٌ قبيحُ الوجه، قبيحُ الثياب، مُنتِنُ الرِّيح، فيقول: أبشِر بالذي يسوءك، هذا يومك الذي كنت تُوعَدُ. فيقولُ: مَن أنت، فوجهُك الوجه يجيء بالشرِّ؟ فيقول: أنا عملك الخبيثُ. فيقولُ: ربِّ، لا تُقِمِ الساعةَ»
قال يحيى بن سلام: ﴿ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم﴾، كانت تلك الأُمَّة الذين هربوا منهم قد بادت، وخُلِقت بعدهم أمة أخرى، وكانوا على الإسلام، ثم إنهم اختلفوا في البعث؛ فقال بعضهم: يبعث الناس في أجسادهم. وهؤلاء المؤمنون، وكان الملك منهم، وقال بعضهم: تبعث الأرواح بغير أجساد. فكفروا، وهذا قول أهل الكتاب اليوم، فاختلفوا، فبعث الله أصحاب الكهف آيةً ليُعْلِمَهم أنّ الناس يبعثون في أجسادهم. وقال في آية أخرى: ﴿يوم يقوم الروح﴾ [النبأ:٣٨] روح كل شيء في جسده. وهو قوله: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين﴾ [المطففين:٦]. فلما بعث أصحاب الكهف صاحبَهم بالدراهم ليشتري لهم بها طعامًا، وهم يرون أنها تلك الأمة المشركة الذين فروا منهم، فأمروا صاحبهم أن يتلطف ولا يشعر بهم أحدًا، فلما دخل المدينة، وهي مدينة بالروم يُقال لها: فسوس، فأخرج الدراهم ليشتري بها الطعام، استُنكرت الدراهم، وأُخِذَ، فذُهب به إلى ملك المدينة، فإذا الدراهم دراهم الملك الذي فروا منه، فقالوا: هذا رجل وجد كنزًا. فلما خاف على نفسه أن يُعَذَّب أطلع على أصحابه، فقال لهم الملك: قد بيَّن اللهُ لكم ما اختلفتم فيه، فأعلمكم أن الناس يبعثون في أجسادهم. فركب الملك والناسُ معه حتى انتهوا إلى الكهف، وتقدم الرجل حتى إذا دخل على أصحابه فرآهم ورأوه ماتوا؛ لأنهم قد كانت أتت عليهم آجالهم. فقال القوم: كيف نصنع بهؤلاء؟ ﴿فقالوا ابنوا عليهم بنيانا﴾ فـ﴿قال الذين غلبوا على أمرهم﴾ رؤساؤهم وأشرافهم. وقال بعضهم -مؤمنوهم-: ﴿لنتخذن عليهم مسجدا﴾
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ يعني: ذا بطش، وذلك أنّ النبي ﷺ حين بُعِث قال إبليس: مَن لهذا النبي الذي خرج مِن أرض تِهامة؟ فقال شيطان -واسمه: الأبيض- هو صاحب الأنبياء: أنا له. فأتى النبيَّ ﷺ، فوجده في بيت الصفا، فلما انصرف قام الأبيض في صورة جبريل ﷺ ليوحي إليه، فنزل جبريلُ عليه السلام، فقام بينه وبين النبي ﷺ، فدفعه جبريل ﷺ بيده دفعة هَيّنة، فوقع مِن مكة بأقصى الهند مِن فَرَقه، ﴿عِنْدَ ذِي العَرْشِ مَكِينٍ﴾ يقول: جبريل عليه السلام وجيهٌ عند الله، ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾ يعني: هنالك في السموات، وذلك أنّ النبي ﷺ ليلة عُرج به إلى السموات رأى إبراهيم ﷺ وموسى عليهما السلام، فصافحوه، وأداره جبريل على الملائكة في السموات، فاستبشروا به، وصافحوه، ورأى مالكًا خازن النار، فلم يُكلّمه، ولم يُسلّم عليه، فقال النبي ﷺ لجبريل عليه السلام: «مَن هذا؟». قال: هذا مالك، خازن جهنم، لم يَتكلّم قط، وهؤلاء النفر معه، فخزنة جهنم نُزعتْ منهم الرأفة والرحمة، وأُلقي عليهم العبوس والغضب على أهل جهنم، أما إنهم لو كلّموا أحدًا منذ خُلقوا لكلّموك؛ لكرامتك على الله عز وجل. فقال النبي ﷺ: «قل له فليكشف عن بابٍ منها». فكشف عن مثل منخَر الثور منها، فتَخَلْخَلَتْ فجاءتْ بأمر عظيم، حسبت أنها الساعة حتى أهيل منها النبي ﷺ، فقال لجبريل: مُره فليردّها. فأمره جبريل عليه السلام، فأطاعه مالك عليه السلام، فردّها، فذلك قوله: ﴿مُطاعٍ ثَمَّ﴾، ﴿أمِينٍ﴾ يُسمّى أمينًا لما استودعه عز وجل من أمْره في خَلْقه
اختُلِف أكان بعثهم ليعرفوا عظمة الله وسلطانه وقدرته على البعث؟ أم كان لقطع ما تجادل فيه أهل القرية من أمر الحشر وبعث الأجساد من القبور؟. ورجَّح ابنُ جرير (١٥/٢١١) مستندًا إلى ظاهر القرآن القول الثاني، فقال: «لأن الله -عز ذكره- كذلك أخبر عباده في كتابه، وإن الله أعثر عليهم القوم الذين أعثرهم عليهم ليتحقق عندهم -ببعث الله هؤلاء الفتية من رقدتهم بعد طول مدتها بهيئتهم يوم رقدوا، ولم يشيبوا على مر الأيام والليالي عليهم، ولم يهرموا على كر الدهور والأزمان فيهم- قدرته على بعث من أماته في الدنيا من قبره إلى موقف القيامة يوم القيامة؛ لأن الله -عز ذكره- بذلك أخبرنا، فقال: ﴿وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها﴾». وذكر ابنُ عطية (٥/٥٨٦-٥٨٧بتصرف) أن قوله تعالى: ﴿إذ يتنازعون بينهم﴾ تشير إلى القول الثاني. وأنه يحتمل أن يعمل في ﴿أنَّ﴾ على القول الثاني ﴿أعْثَرْنا﴾، ويحتمل أن يعمل فيه ﴿لِيَعْلَمُوا﴾. ثم ذكر أن الضمير في قوله:﴿لِيَعْلَمُوا﴾ يحتمل أن يعود على أصحاب الكهف، أي: يجعل الله أمرهم آية لهم دالة على بعث الأجساد من القبور. ثم قال: «وقوله: ﴿إذْ يَتَنازَعُونَ﴾ -على هذا التأويل- ابتداء خبر عن القوم الذين بعثوا على عهدهم، والعامل في ﴿إذْ﴾ فعل مضمر، تقديره: واذكر، ويحتمل أن يعمل فيه ﴿فَقالُوا﴾، ويكون المعنى: فقالوا إذ يتنازعون: ابنوا عليهم. والتنازع على هذا التأويل إنما هو في أمر البناء أو المسجد، لا في أمر القيامة»
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم﴾، قال: نزلت في مِقْيَس بن ضُبابة الكِنانِيّ، وذلك أنه أسلم وأخوه هشام بن ضُبابة، وكانا بالمدينة، فوجد مِقْيَس أخاه هشامًا ذات يوم قتيلًا في الأنصار في بني النجار، فانطلق إلى النبي ﷺ، فأخبره بذلك، فأرسل رسول الله ﷺ رجلًا من قريش من بني فهر ومعه مِقْيَس إلى بني النجار -ومنازلهم يومئذ بقباء- أن «ادفعوا إلى مِقْيَس قاتل أخيه إن علمتم ذلك، وإلا فادفعوا إليه الدية». فلما جاءهم الرسول قالوا: السمع والطاعة لله وللرسول، واللهِ، ما نعلم له قاتلًا، ولكن نؤدي إليه الدية. فدفعوا إلى مِقْيَس مائة من الإبل دية أخيه، فلما انصرف مِقْيَس والفهري راجِعَيْن من قباء إلى المدينة وبينهما ساعة، عمد مِقْيَس إلى الفهري رسول رسول الله ﷺ، فقتله، وارتدَّ عن الإسلام، وركب جملًا منها، وساق معه البقية، ولحق بمكة وهو يقول في شعر له: قتلت به فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَه سراة بني النجار أرباب فارِع وأدركت ثأري واضطجعت موسدًا وكنت إلى الأوثان أول راجع فنزلت فيه -بعد قتل النفس، وأخذ الدية، وارتدَّ عن الإسلام ولحق بمكة كافرًا-: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾
عن محمد ابن شهاب الزهري -من طريق يونس- قال: غزا رسولُ الله ﷺ غزوة تبوك، وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام، حتى إذا بلغ تبوك أقام بها بضع عشرة ليلة، ولَقِيَه بها وفْدُ أذْرُحَ ووَفْدُ أيْلَةَ، فصالحهم رسولُ الله ﷺ على الجزية. ثم قفل رسول الله ﷺ من تبوك ولم يُجاوِزْها، وأنزل الله: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾ الآيةَ. والثلاثةُ الذين خُلِّفُوا رهطٌ، منهم كعب بن مالك، وهو أحد بني سلِمة، ومرارة بن ربيعة، وهو أحد بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية، وهو من بني واقف، وكانوا تخلَّفوا عن رسول الله ﷺ في تلك الغزوة في بضعة وثمانين رجلًا، فلمّا رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة صدَقَه أولئك حديثهم، واعترفوا بذنوبهم، وكذَب سائرُهم، فحلفوا لرسول الله ﷺ ما حَبَسَهُم إلا العُذْرُ، فقَبِل منهم رسولُ الله، وبايعهم، ووكَلَهم في سرائرهم إلى الله، ونهى رسولُ الله ﷺ عن كلام الذين خُلِّفوا، وقال لهم حين حَدَّثوه حديثَهم، واعترفوا بذنوبهم: «قد صَدَقْتُم، فقوموا حتى يقضي الله فيكم». فلمّا أنزل الله القرآن تاب على الثلاثة، وقال للآخرين: ﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم﴾ حتى بلغ: ﴿لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ [التوبة:٩٥-٩٦]
عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أوَّل الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبدُ الأسود، وذلك أنّ الله تعالى بعث نبيًّا إلى أهل قريته، فلم يؤمن به من أهلِها أحدٌ إلا ذلك الأسود، ثم إنّ أهل القرية عَدَوْا على النبيِّ، فحفروا له بئرًا، فألقوه فيها، ثم أطْبَقُوا عليه بحجر ضخم، فكان ذلك العبدُ يذهب فيَحْتَطِب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه، فيشتري به طعامًا وشرابًا، ثم يأتي به إلى تلك البئر، فيرفع تلك الصخرة، فيُعينه الله عليها، فيُدْلِي طعامَه وشرابَه، ثم يرُدُّها كما كانت، فكان كذلك ما شاء الله أن يكون. ثم إنّه ذهب يومًا يحتطب كما كان يصنع، فجمع حطبه، وحزم حزمته، وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها وجد سِنَةً، فاضطجع، فنام، فضُرِب على أُذُنه سبعَ سنين نائمًا، ثم إنّه هَبَّ، فتَمَطّى، فتحول لشِقِّه الآخر، فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنّه هَبَّ، فاحتمل حزمته، ولا يحسب إلا أنّه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية، فباع حزمته، ثم اشترى طعامًا وشرابا ًكما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة في موضعها التي كانت فيه، فالتمسه، فلم يجده، وقد كان بدا لقومه بداءٌ، فاستخرجوه، فآمنوا به وصدَّقوه، وكان النبيُّ يسألهم عن ذلك الأسود: ما فعل؟ فيقولون له: ما ندري. حتى قُبِض ذلك النبيُّ، فأهَبَّ اللهُ الأسودَ مِن نومته بعد ذلك. إنّ ذلك الأسود لَأول مَن يدخل الجنة»