قال مقاتل بن سليمان: ثم ينادي منادٍ بالأسود بن عبد الأسد؛ أخي عبد الله المؤمن، فيريد الشقي أن يدنوَ، فينتهرونه، ويشقّ صدره حتى يخرج قلبُه مِن وراء ظهره مِن بين كتفيه، ويُعطى كتابه، ويُجعل كلّ حسنة عملها في دهره في باطن صحيفته؛ لأنه لم يؤمن بالإيمان، وتُجعل سيئاته ظاهر صحيفته، ويُحجب عن الله عز وجل، فلا يراه، ولكن ينادي منادٍ من عند العرش يذكّره مساوئه، فكلما ذكر مساوئه قال: أنا أعرف هذا، لعنه الله. فتجيء اللعنة من عند الله عز وجل حتى تقع عليه، فيُلطّخ باللعنة، فيصير جسده مسيرة شهر في طول مسيرة ثلاثة أيام ولياليهن، ورأسه مثل الأقرع، وهو جبل عظيم بالشام وأنيابه مثل أُحُد، وحدقتاه مثل جبل حِراء الذي بمكة، ومنخره مثل الورقين، وهما جبلان، وشعره في الكثرة، مثل الأجمة، وفي الطول مثل القصب، وفي الغِلظ مثل الرماح، ويوضع على رأسه تاج مِن نار، ويُلبس جُبّة مِن نحاس ذائب، ويُقلّد حجرًا من كبريت، مثل الجبل تشتعل فيه النار، وتُغلّ يداه إلى عنقه، ويَسودّ وجهه، وهو أشد سوادًا من القبر في ليلة مظلمة، وتزرقّ عيناه، فيرجع إلى إخوانه، فأول ما يرونه يفزع منه الخلائق، حتى يُمسكوا على آنافهم مِن شدة نَتنه، فيقولون: لقد أهان اللهُ هذا العبد، لقد أخزى الله هذا العبد. فينظرون إلى كتابه، فإذا سيئاته ظاهرة، وليس له من الحسنات شيء، يقولون: أما كان لهذا العبد في الله عز وجل حاجة، ولا خافه يومًا قط، ولا ساعة، فحُقّ لهذا العبد إذ أخزاه الله وعذّبه. فتلعنه الملائكة أجمعون، فإذا رجع إلى الموقف لم يعرفه أصحابه، فيقول: أما تعرفوني؟ قالوا: لا، واللهِ. فيقول: أنا الأسود بن عبد الأسد، فينادي بأعلى صوته، فيقول: ﴿يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ ولَمْ أدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ القاضِيَةَ ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥-٢٨]. يقول: يا ليت كان الموت أنْ أموت فأستريح من هذا البلاء، هلك عنى حُجّتي اليوم. ثم يقول: الويل. فيُبشّر أخوه المؤمنين، ويُبشّر هذا الكفار، فذلك قوله تعالى: ﴿وأَمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾
اختُلف في المراد بقوله: ﴿بل يريد الإنسان ليفجر أمامه﴾ على أقوال: الأول: معناه: أن يُعجِّل الذَّنب، ويُسوّف التوبة. الثاني: بل يريد أن يرتكب الآثام في الدنيا لقوة أمله، ولا يذكر الموت. الثالث: بل يريد الإنسان ليَكفر بالحقّ الذي بين يدي القيامة. الرابع: بل يريد الإنسان الكافر أن يُكذّب بالقيامة. ورجَّح ابنُ القيم (٣/٢٢٧-٢٢٨) -مستندًا إلى السياق، واللغة- القول الأخير الذي قاله ابن عباس من طريق علي، وقاله ابن زيد، فقال: «ويُرجّح هذا القول لفظة ﴿بلى﴾؛ فإنها تُعطي أنّ الإنسان لم يؤمن بيوم القيامة، مع هذا البيان والحُجّة، بل هو مريد للتكذيب به، ويُرجّحه أيضًا أنّ السياق كلّه في ذم المُكذّب بيوم القيامة، لا في ذم العاصي والفاجر، وأيضًا فإنّ ما قبل الآية وما بعدها يدل على المراد. فإنه قال: ﴿أيَحْسَبُ الأِنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ فأنكر -سبحانه- عليه حِسْبانه أنّ الله لا يَجمع عظامه، ثم قَرّر قدرته على ذلك، ثم أنكر عليه إرادة التكذيب بيوم القيامة. فالأول حِسبانٌ منه أن لا يُحييه بعد موته. والثاني: تكذيب منه بيوم البعث، وأنه يريد أن يُكذّب بما وضح وبان دليل وقوعه وثبوته؛ فهو مريد للتكذيب به. ثم أخبر عن تصريحه بالتكذيب، فقال: ﴿يَسْأَلُ أيّانَ يَوْمُ القِيامَةِ﴾، فالأول إرادة التكذيب، والثاني نطق بالتكذيب وتكلم به». وبنحوه ابنُ كثير (١٤/١٩٤)، فقال: «وهذا هو الأظهر من المراد؛ ولهذا قال بعده: ﴿يسأل أيان يوم القيامة﴾ أي: يقول متى يكون يوم القيامة؟! وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه، وتكذيب لوجوده، كما قال تعالى: ﴿ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون﴾ [سبأ:٢٩-٣٠]». وذكر ابنُ جرير (٢٣/٤٧٧) أنّ الضمير في قوله: ﴿أمامه﴾ على القول الثالث الذي قاله ابن عباس عائد على «يوم القيامة». وبنحوه قال ابنُ عطية (٨/٤٧٢)، ثم بيّن أنّ المعنى -على هذا القول-: «أنّ الإنسان هو في زمان وجوده أمام يوم القيامة وبين يديه، ويوم القيامة خلفه، فهو يريد شهواته ليَفْجُر في تكذيبه بالبعْث، وغير ذلك بين يدي يوم القيامة، وهو لا يعرف قدر الضرر الذي هو فيه»
قال مقاتل بن سليمان: فلمّا قتله عَشِيَّةً من آخر النهار لم يدرِ ما يصنع، وندِم، ولم يكن يومئذ على الأرض بناء ولا قبر، فحمله على عاتقه، فإذا أعيا وضعه بين يديه، ثم ينظر إليه ويبكي ساعة، ثم يحمله، ففعل ذلك ثلاثة أيام، فلما كان في الليلة الثالثة بعث الله غرابين يقتتلان، فقتل أحدُهما صاحبَه، وهو ينظر، ثم حفر بمنقاره في الأرض، فلمّا فرغ منه أخذ بمنقاره رِجْلَ الغراب الميت حتى قذفه في الحفيرة، ثم سَوّى الحفيرة بالأرض، وقابيل ينظر، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ قالَ﴾ قابيل: ﴿يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ﴾ يقول: أعجزت أن أعْلَمَ مِن العلم مثل ما عَلِم هذا الغراب، ﴿فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي﴾ يقول: فأُغَطِّي عورة أخي كما وارى هذا الغراب صاحبه، ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ بقتله أخاه، فعمد عند ذلك قابيل فحفر في الأرض بيده، ثم قذف أخاه في الحفيرة، فسوّى عليه تراب الحفيرة كما فعل الغراب بصاحبه، فلما دفنه ألقى الله عز وجل عليه الخوف، يعني: على قابيل، لأنّه أول مَن أخاف، فانطلق هاربًا، فنودي مِن السماء: يا قابيل، أين أخوك هابيل؟ قال: أوَرقيبًا كنتُ عليه؟! ليذهب حيث شاء، قال المنادي: أما تدري أين هو؟ قال: لا. قال المنادي: إنّ لسانك وقلبك ويديك ورجليك وجميع جسدك يشهدون عليك أنّك قتلته ظُلمًا. فلمّا أنكر شَهِدَت عليه جوارحُه، فقال المنادي: أين تنجو مِن ربك؟ إنّ إلهي يقول: إنّك ملعون بكل أرض، وخائف ممن يستقبلك، ولا خير فيك، ولا في ذريتك. فانطَلَق جائعًا حتى أتى ساحل البحر، فجعل يأخذ الطيرَ، فيضرب بها الجبل، فيقتلها، ويأكلها، فمِن أجل ذلك حرَّم الله الموقوذة، وكانت الدواب والطير والسباع لا يخاف بعضها من بعض حتى قتل قابيلُ هابيلَ، فلحقت الطير بالسماء، والوحش بالبرية والجبال، ولحقت السباع بالغياض، وكانت قبل ذلك تستأنس إلى آدم عليه السلام وتأتيه، وغضبت الأرض على الكفار من يومئذ، فمِن ثم يضغط الكافر في الأرض حتى تختلف أضلاعُه، ويَتَّسع على المؤمن قبره حتى ما يرى طرفاه. وتزوَّج شِيتُ بنُ آدم ليوذا التي وُلِدت مع هابيل، وبعث الله عز وجل ملَكًا إلى قابيل، فعلَّق رجله، وجعل عليه ثلاث سُرادِقات من نار، كلما دار دارت السُّرادِقات معه، فمكث بذلك حينًا، ثم حلَّ عنه
وجَّه ابن كثير (٧/٧٤) قولَ ابن عباس والسدي قائلًا: «وهذا يحتمل أن يكون هذا التمييز في الآخرة، كقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أشْرَكُوا مَكانَكُمْ أنْتُمْ وشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ [يونس:٢٨]، وقال تعالى: ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم:١٤]، وقال في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣]، وقال تعالى: ﴿وامْتازُوا اليَوْمَ أيُّها المُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩]. ويحتمل أن يكون هذا التمييز في الدنيا، بما يظهر من أعمالهم للمؤمنين، وتكون»اللام«مُعَلِّلة لِما جعل الله للكفار من مال ينفقونه في الصد عن سبيل الله، أي: إنما أقْدَرْناهم على ذلك: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، أي: من يطيعه بقتال أعدائه الكافرين، أو يعصيه بالنكول عن ذلك، كقوله: ﴿وما أصابَكُمْ يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ * ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ الآية [آل عمران:١٦٦، ١٦٧]، وقال تعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلى الغَيْبِ﴾ الآية [آل عمران:١٧٩]، وقال تعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ ويَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، ونظيرتها في براءة أيضًا». ووجَّهه ابن عطية (٤/١٨٨) قائلًا: «واللام -على هذا التأويل- من قوله: ﴿لِيَمِيزَ﴾ متعلق بـ﴿يُحْشَرُونَ﴾، والمعنى: أنّ الله يحشر الكافرين إلى جهنم لِيَمِيز الكافرين من المؤمنين بأن يجمع الكافرين جميعًا فيلقيهم في جهنم». وزاد ابن عطية قولًا آخر حكاه عن ابن سلّام والزجاج أنهما قالا: «المعني بـ»الخبيث«المال الذي أنفقه المشركون في الصد عن سبيل الله، والطيب هو ما أنفقه المؤمنون في سبيل الله». ووجّهه بقوله: «واللام على هذا التأويل من قوله ﴿ليميز﴾ متعلقة بـ﴿يغلبون﴾، والمعنى: الكفار ينفقون أموالهم فتكون عليهم حسرة ثم يغلبون مع نفقتها، وذلك ليميز الله الفرق بين الخبيث والطيب فيخذل أهل الخبيث وينصر أهل الطيب، وقوله تعالى -على هذا التأويل-: ﴿ويجعل الخبيث بعضه على بعض﴾ إلى قوله: ﴿في جهنم﴾ مترتب على ما رُوي عن رسول الله ﷺ أن الله تعالى يخرج من الأموال ما كان صدقة أو قربة يوم القيامة ثم يأمر بسائر ذلك فيلقى في النار»
عن عبد الله بن عباس -من طريق عبيد الله بن عبد الله- أنّه قال: ما نَصَرَ اللهُ نبيَّه في مَوْطِنٍ كما نصر يومَ أحد. فأنكروا ذلك! فقال ابنُ عباس: بيني وبين مَن أنكر ذلك كتابُ الله؛ إنّ الله يقول في يوم أحد: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾ يقول ابن عباس: والحَسُّ: القتلُ. ﴿حتى إذا فشلتم﴾ إلى قوله: ﴿ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾ وإنّما عنى بهذا الرماة، وذلك أنّ النبيَّ ﷺ أقامهم في موضع، ثم قال: «احْمُوا ظهورَنا، فإن رأيتمونا نُقْتَلُ فلا تنصرونا، وإن رأيتمونا قد غنِمنا فلا تشاركونا». فلَمّا غنِم النبيُّ ﷺ، وأباحوا عسكر المشركين؛ انكَفَأَتِ الرُّماةُ جميعًا، فدخلوا في العسكر يَنتَهِبُون، والتَفَّتْ صفوف المسلمين فهم هكذا -وشَبَّك بين يديه- والتبسوا، فلَمّا أخَلَّ الرُّماةُ تلك الخَلَّة التي كانوا فيها؛ دخل الخيلُ من ذلك الموضع على الصحابة، فضرب بعضُهم بعضًا، والتبسوا، وقُتِل من المسلمين ناس كثير، وقد كان لرسول الله ﷺ وأصحابه أوَّل النهار، حتى قُتِل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة، وجال المسلمون جَوْلَةً نحو الجبل، ولم يبلغوا حيث يقول الناس: الغار. إنما كانوا تحت المِهْراس، وصاح الشيطان: قُتِل محمد. فلم يُشَكَّ فيه أنّه حقٌّ، فما زِلْنا كذلك ما نَشُكُّ أنّه قُتِل حتى طلع بين السَّعْدَيْن، نعرِفُه بتَكَفُّئِهِ إذا مشى، ففرحنا، حتى كأنّه لم يُصِبْنا ما أصابنا، فرَقِي نحونا وهو يقول: «اشْتَدَّ غضبُ اللهِ على قومٍ دَمَّوْا وجهَ نبيِّهم». ويقول مرة أخرى: «اللَّهُمَّ، إنّه ليس لهم أن يعلونا». حتى انتهى إلينا، فمكث ساعة، فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: اعلُ، هُبَل. اعْلُ، هُبَل. أين ابنُ أبي كَبْشَة؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: ألا أُجِيبُه، يا رسول الله؟ قال: «بلى». فلمّا قال: اعلُ، هُبَل. قال عمر: اللهُ أعلى وأجلُّ. فعاد، فقال: أين ابن أبي كبشة؟ أين ابن أبي قحافة؟ فقال عمر: هذا رسولُ الله، وهذا أبو بكر، وها أنا عمر. فقال: يومٌ بيوم بدر، الأيّامُ دُوَلٌ، والحربُ سِجالٌ. فقال عمرُ: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. قال: إنّكم لَتَزْعُمُون ذلك؛ لقد خِبْنا إذن وخسِرنا. ثُمَّ قال أبو سفيان: إنّكم ستجدون في قتلاكم مُثْلَةً، ولم يكن ذلك عن رأي سُراتِنا. ثُمَّ أدْرَكَتْهُ حَمِيَّةُ الجاهلية، فقال: أما إنّه كان ذلك ولم نكرهه
عن وهب بن مُنبِّه -من طريق عبد الصمد- قال: إذا كان يومُ القيامة يقولُ الله عز وجل: يا إسرافيلُ، هاتِ ما وكَّلتُك به. فيقولُ: نعم، يا ربِّ، في الصُّور كذا وكذا ثقبةً، وكذا روحٍ؛ للإنس منها كذا وكذا، وللجِنِّ منها كذا وكذا، وللشياطينِ منها كذا وكذا، وللوحوشِ منها كذا وكذا، وللطير منها كذا وكذا، وللبهائم منها كذا وكذا، وللهوامِّ منها كذا وكذا، وللحيتان منها كذا وكذا. فيقولُ اللهُ عز وجل: خُذْه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْلٍ، لا يزيدُ ولا يَنقُصُ، ثم يقولُ اللهُ عز وجل: هاتِ ما وكَّلتُك، يا ميكائيلُ. فيقول: نعم، يا ربِّ، أنزلتُ من السماءِ كذا وكذا كيلةً، وزِنَةَ كذا وكذا مِثْقالًا، وزِنَة كذا وكذا قِيراطًا، وزِنَة كذا وكذا خَرْدَلَةً، وزِنَة كذا وكذا ذرَّةً، أنزلت في سنة كذا وكذا كذا وكذا، وفي شهرِ كذا وكذا كذا وكذا، وفي جمعةِ كذا وكذا كذا وكذا، وفي يوم كذا وكذا كذا وكذا، وفي ساعة كذا وكذا كذا وكذا، أنزلتُ للزرع منه كذا وكذا، وأنزلتُ للشياطين منه كذا وكذا، وأنزلتُ للإنسِ منه كذا وكذا، وأنزلت للبهائم كذا وكذا، وأنزلتُ للوحوشِ كذا وكذا، وللطيرِ كذا وكذا، وللحيتان كذا وكذا، وللهوامِّ كذا وكذا، فذلك كلُّه كذا وكذا. فيقولُ: خذه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْل، لا يزيدُ ولا ينقص. ثم يقول: يا جبريلُ، هاتِ ما وكلتُك به. فيقولُ: نعم، يا ربِّ، أنزلتُ على نبيِّك فلان كذا وكذا آية، في شهر كذا وكذا في جمعة كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وأنزلت على نبيك فلان كذا وكذا آية، وكذا وكذا سورة، فيها كذا وكذا آيةً، فذلك كذا وكذا آيةً، فذلك كذا وكذا حرفًا، وأهلكتُ كذا وكذا مدينةً، وخسفتُ بكذا وكذا. فيقول: خُذه من اللَّوح. فإذا هو مِثْلًا بمِثْل، لا يزيدُ ولا ينقص. ثم يقولُ: هاتِ ما وكلتُك به، يا عِزرائيلُ. فيقول: نعم، يا ربِّ، قبضتُ روح كذا وكذا إنسيٍّ، وكذا وكذا جنيٍّ، وكذا وكذا شيطانٍ، وكذا وكذا غريقٍ، وكذا وكذا حريقٍ، وكذا وكذا كافرٍ، وكذا وكذا شهيدٍ، وكذا وكذا هديمٍ، وكذا وكذا لديغٍ، وكذا وكذا في سهلٍ، وكذا وكذا في جبلِ، وكذا وكذا طيرًا، وكذا وكذا هوامٍّ، وكذا وكذا وحش، فذلك كذا وكذا، جملتُه كذا وكذا. فيقولُ: خذه من اللَّوْح. فإذا مِثْلًا بمِثْلٍ، لا يزيدُ ولا ينقص
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «إنما الشفاعة يوم القيامة لِمَن عمل الكبائر مِن أُمّتي ثم ماتوا عليها، فهم في الباب الأول مِن جهنم، لا تسودّ وجوههم، ولا تزرقّ أعينهم، ولا يُغلّون بالأغلال، ولا يُقرنون مع الشياطين، ولا يُضربون بالمقامع، ولا يُطرحون في الأدراك؛ منهم مَن يمكث فيها ساعة ثم يخرج، ومنهم مَن يمكث يومًا ثم يخرج، ومنهم مَن يمكث فيها شهرًا ثم يخرج، ومنهم مَن يمكث فيها سنة ثم يخرج، وأطولهم مُكثًا فيها مثل الدنيا مِن يوم خُلقتْ إلى يوم أُفنيتْ، وذلك سبعة آلاف سنة، ثم إنّ الله عز وجل إذا أراد أنْ يُخرج المُوحِّدين منها قذف في قلوب أهل الأديان، فقالوا لهم: كُنّا نحن وأنتم جميعًا في الدنيا، فآمنتم وكفرنا، وصدّقتم وكذّبنا، وأقررتم وجحدنا، فما أغنى ذلك عنكم، نحن وأنتم فيها جميعًا سواء، تُعذّبون كما نُعذّب، وتُخلّدون كما نُخلّد. فيغضب الله عند ذلك غضبًا لم يغضبه من شيء فيما مضى، ولا يغضب مِن شيء فيما بقي، فيُخرج أهل التوحيد منها إلى عين بين الجنة والصراط يُقال لها: نهر الحياة، فيُرشّ عليهم مِن الماء، فيَنبُتون كما تَنبُت الحبّة في حميل السيل، ما يلي الظِّلّ منها أخضر، وما يلي الشمس منها أصفر، ثم يدخلون الجنة، فيُكتب في جباههم: عتقاء الله من النار، إلا رجلًا واحدًا، فإنه يمكث فيها بعدهم ألف سنة، فينادي: يا حنّان، يا منّان. فيبعث الله إليه مَلكًا ليُخرجه، فيخوض في النار في طلبه سبعين عامًا لا يقدر عليه، ثم يرجع فيقول: يا ربِّ، إنك أمرتني أنْ أُخرج عبدك فلانًا من النار، وإني طلبتُه في النار منذ سبعين سنة فلم أقدر عليه. فيقول الله عز وجل: انطلِق، فهو في وادي كذا وكذا، تحت صخرة، فأخرِجه. فيذهب، فيُخرجه منها، فيُدخله الجنة، ثم إنّ الجهنّميين يطلبون إلى الله أن يمحو ذلك الاسم عنهم، فيبعث الله إليهم مَلكًا، فيمحو عن جباههم، ثم إنه يقال لأهل الجنة ومَن دخلها من الجهنّميين: اطّلعوا إلى أهل النار. فيطّلعون إليهم، فيرى الرجل أباه، ويرى أخاه، ويرى جاره، ويرى صديقه، ويرى العبد مولاه، ثم إنّ الله عز وجل يبعث إليهم ملائكة بأطباق من نار، ومسامير من نار، وعَمد من نار، فيُطبق عليهم بتلك الأطباق، ويُشدّ بتلك المسامير، ويُمدّ بتلك العمد، ولا يبقى فيها خلل يدخل فيه روح، ولا يخرج منه غمّ، وينساهم الجبّار على عرشه، ويتشاغل أهل الجنة بنعيمهم، ولا يستغيثون بعدها أبدًا، وينقطع الكلام، فيكون كلامهم زفيرًا وشهيقًا، فذلك قوله: ﴿إنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ يقول: مُطْبَقة»
اختُلِف في معنى «الحين» في قوله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ على أقوال: الأول: تؤتي أكلها كل غداة وعشية، وكل ساعة. الثاني: كل ستة أشهر، من طلوعها إلى جذاذها. الثالث: كل سنة. الرابع: كل شهرين. ورجَّح ابنُ جرير (١٣/٦٥٠-٦٥١) مستندًا إلى الدلالة العقلية القولَ الأول، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي ومن طريق أبي ظبيان وما في معناه، وعلَّل ذلك بقوله: «لأنّ الله -تعالى ذِكْره- ضرب ما تؤتي هذه الشجرة كل حين مِن الأُكُل لعمل المؤمن وكلامه مثلًا، ولا شكَّ أنّ المؤمن يرتفع له إلى الله في كلِّ يومٍ صالح مِن العمل والقول، لا في كلِّ سنة، أو في كلِّ ستة أشهر، أو في كلِّ شهرين، فإذ كان ذلك كذلك، فلا شك أنّ المَثَل لا يكون خلافًا للمُمَثَّل به في المعنى... فإن قال قائل: فأيُّ نخلةٍ تؤتي في كلِّ وقت أُكُلًا صيفًا وشتاءً؟ قيل: أمّا في الشتاء فإنّ الطَّلْعَ مِن أُكُلِها، وأمّا في الصيف فالبلح والبُسْرُ والرُّطَب والتمر، وذلك كلُّه من أُكُلِها». واستند إلى الآثار عن قتادة، والربيع بن أنس في أنّ النخلة يؤكل ثمرها في الشتاء والصيف. وعلَّق ابنُ عطية (٥/٢٤٥) على القول الأول بقوله: «وهكذا يشبهها المؤمن الذي هو في جميع أيامه في عمل، والكلمة التي أخرجها والصادر عنها من الأعمال مُسْتَمِر، فيشبه أنّ الله تعالى إنما شبَّه المؤمن أو الكلمة بالشجرة في حال إثمارها، إذ تلك أفضل أحوالها، وتأويل الطبري في ذلك أن أُكُل الطَّلْع في الشتاء، وأن أُكُل الثمر في كل وقت من أوقات العام هو إتيان أُكُل وإن فارق النخل، وإن فرضنا التشبيه بها على الإطلاق وهي إنما تؤتي في وقت دون وقت، فالمعنى: كشجرة لا تخل بما جعلت له من الإتيان بالأُكل في الأوقات المعلومة، فكذلك هو المؤمن لا يُخلّ بما يُسِّر له من الأعمال الصالحة، أو الكلمة التي لا تغيب بركتها والأعمال الصادرة عنها، بل هي في حفظ النظام كالشجرة الطيبة في حفظ وقتها المعلوم». ووجَّه ابنُ عطية القول الثاني والثالث والرابع بأن مَن «قال: الحين سنة. راعى أنّ ثمر النخلة وجناها إنما يأتي كل سنة، ومن قال: ستة أشهر. راعى مِن وقت جداد النخل إلى حملها مِن الوقت المقبل. وقيل: إنّ التشبيه وقع بالنخل الذي يثمر مرتين في العام. ومن قال: شهرين. قال: هي مدة الجني في النخل. وكلهم أفتى بقوله في الإتيان على الحين». ورجَّح ابنُ كثير (٨/١٩٧) مستندًا إلى دلالة السياق القول الأول، فقال: «والظاهر من السياق: أن المؤمن مثله كمثل شجرة لا يزال يوجد منها ثمر في كل وقت، من صيف أو شتاء، أو ليل أو نهار، كذلك المؤمن لا يزال يرفع له عمل صالح آناء الليل وأطراف النهار، في كل وقت وحين»
عن أنس، قال: بينما نحن حول رسول ﷺ إذ قال: «أتاني جبريل وفي يده كالمرآة البيضاء في وسطها كالنّكتة السوداء، قلتُ: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا يوم الجُمُعة، يَعرضه عليك ربُّك ليكون لك عيدًا، ولأُمّتك من بعدك. قلتُ: يا جبريل، فما هذه النّكتة السوداء؟ قال: هذه الساعة، وهي تقوم يوم الجُمُعة، وهو سيّد أيام الدنيا، ونحن ندعوه في الجنة يوم المَزيد. قلتُ: يا جبريل، ولِمَ تَدْعُونه يوم المَزيد؟ قال: لأنّ الله عز وجل اتخذ في الجنة واديًا أفيحَ مِن مِسكٍ أبيض، فإذا كان يوم الجُمُعة نزل ربُّنا على كرسيّه إلى ذلك الوادي، وقد حُفَّ العرش بمنابر من ذهب مُكلَّلة بالجوهر، وقد حُفَّتْ تلك المنابر بكراسي من نور، ثم يُؤْذَن لأهل الغُرفات، فيُقبِلون يَخوضون كَثيب المِسك إلى الرُّكَب، عليهم أسورة الذّهب والفِضّة، وثياب السُّندس والحرير، حتى يَنتهوا إلى ذلك الوادي، فإذا اطمأنوا فيه جُلوسًا بَعث الله عز وجل عليهم ريحًا يُقال لها: المُثِيرة. فثارتْ يَنابيع المِسك الأبيض في وجوههم، وثيابهم، وهم يومئذ جُردٌ مُرْدٌ مُكَحَّلون، أبناء ثلاث وثلاثين، يَضرب جِمامُهم إلى سُرَرِهم، على صورة آدم يوم خَلَقه الله عز وجل، فيُنادي ربّ العزّة -تبارك وتعالى- رضوان، وهو خازن الجنة، فيقول: يا رضوان، ارفع الحُجُب بيني وبين عبادي وزُوّاري. فإذا رَفع الحُجُب بينه وبينهم فرَأوا بهاءه ونوره هبّوا له سُجودًا، فيُناديهم عز وجل بصوته: ارفعوا رؤوسكم، فإنما كانت العبادة في الدنيا، وأنتم اليوم في دار الجزاء، سَلُوني ما شئتم، فأنا ربّكم الذي صدَقتُكم وعدي، وأَتممتُ عليكم نعمتي، فهذا محلّ كرامتي، فسَلُوني ما شئتم. فيقولون: ربّنا، وأيَّ خيرٍ لَمْ تفعله بنا؟! ألستَ الذي أعنتَنا على سكرات الموت، وآنستْ منا الوَحْشة في ظُلمة القبور، وآمَنتَ روْعتنا عند النفخة في الصُّور؟! ألستَ أقلتَنا عَثراتنا، وسَترتْ علينا القبيح من فِعْلنا، وثبَّتَ على جسر جهنم أقدامنا؟! ألستَ الذي أدنيتَنا من جوارك، وأَسْمعتَنا من لَذاذة مَنطقك، وتَجلّيتَ لنا بنورك؟! فأي خيرٍ لمْ تفعله بنا؟! فيعود عز وجل فيُناديهم بصوته، فيقول: أنا ربّكم الذي صدَقتُكم وعدي، وأَتممتُ عليكم نعمتي، فسَلُوني. فيقولون: نسألك رِضاك. فيقول: برضاي عنكم أقلتُكم عَثراتكم، وسَترتُ عليكم القبيح من أموركم، وأَدنيتُ مني جواركم، وأَسمعتُكم لذاذة مَنطقي، وتَجلّيتُ لكم بنوري، فهذا محلّ كرامتي، فسَلُوني. فيسألونه حتى تنتهي مسألتهم، ثم يقول عز وجل: سَلُوني. فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، ثم يقول عز وجل: سَلُوني. فيقولون: رضينا ربّنا وسلّمنا. فيزيدهم من مزيد فضله وكرامته، ويزيد زهرة الجنة ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خَطر على قلب بشر، ويكون كذلك حتى مقدار متفرقهم من الجُمُعة». قال أنس: فقلتُ: بأبي وأمي يا رسول الله، وما مِقدار تفرُّقهم؟ قال: «كقدْر الجُمُعة إلى الجُمُعة». قال: «ثم يَحمل عرشَ ربّنا العِلِّيون، معهم الملائكة والنّبيّون، ثم يُؤْذَن لأهل الغُرفات فيعودون إلى غُرفهم، وهم غرفتان زُمرُّدتان خَضراوان، وليسوا إلى شيء أشوق منهم إلى يوم الجُمُعة، ليَنظروا إلى ربّهم، وليَزيدهم من مزيد فضله وكرامته». قال أنس: سمعتُه من رسول الله ﷺ وليس بيني وبينه أحد
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا﴾، قال: إنّ الله بعَث صالحًا إلى ثمود، فدعاهم، فكذَّبوه، فقال لهم ما ذكر الله في القرآن، فسألوا أن يأتيَهم بآيةٍ، فجاءهم بالناقة لها شِرْبٌ ولهم شِرْبُ يوم معلومٍ، وقال: ﴿ذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء﴾. فأقرُّوا بها جميعًا، فذلك قوله: ﴿فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾ [فصلت: ١٧]. وكانوا قد أقرُّوا به على وجه النفاق والتَّقِيَّة، فكانت الناقةُ لها شِرْبٌ، فيومَ تشرَبُ فيه الماء تمرُّ بين جبلين فيزْحَمانها، ففيهما أثرُها حتى الساعة، ثم تأتي فتقِفُ لهم حتى يَحْتَلِبون الَّلبنَ، فترويهم، ويوم يشرَبون الماء لا تأتيهم، وكان معها فصيلٌ لها، فقال لهم صالحٌ: إنه يولدُ في شهركم هذا مولودٌ يكون هلا كُكم على يدَيْه. فوُلِد لتسعة منهم في ذلك الشهر، فذبَحوا أبناءَهم، ثم وُلِد للعاشر، فأبى أن يذبَحَ ابنه، وكان لم يولَدْ له قبلَه شيءٌ، وكان أبو العاشر أزرق أحمر، فنَبت نباتًا سريعًا، فإذا مرَّ بالتسعة فرأَوْه قالوا: لو كان أبناؤُنا أحياءً كانوا مثلَ هذا. فغَضِب التسعةُ على صالحٍ لأنه أمرهم بذبح أبنائهم، فـ ﴿تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون﴾ [النمل: ٤٩]. قالوا: نخرج، فيرى النّاسُ أنّا قد خرجنا إلى سفر، فنأتي الغار، فنكون فيه، حتى إذا كان الليلُ وخرج صالحٌ إلى المسجد أتيناه فقتلناه، ثم رجعنا إلى الغار فكُنّا فيه، ثم رجعنا فقلنا: ﴿ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون﴾، يُصَدِّقوننا يعلمون أنّا قد خرجنا إلى سفر. فانطلقوا، فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا من الليل، فسقط عليهم الغار، فقتلهم، فذلك قوله: ﴿وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون﴾ حتى بلغ ههنا: ﴿فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين﴾ [النمل: ٤٨ - ٥١]. وكبر الغلام ابن العاشر، ونبتنباتًا عجبًا من السرعة، فجلس مع قوم يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجون به شرابهم، وكان ذلك اليوم يوم شرب الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتد ذلك عليهم، وقالوا في شأن الناقة: ما نصنع نحن باللبن؟ لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه هذه الناقة فنسقيه أنعامَنا وحروثَنا كان خيرًا لنا. فقال الغلام ابن العاشر: هل لكم في أن أعقرها لكم؟ قالوا: نعم. فأظهروا دينهم، فأتاها الغلام، فلما بصرت به شدَّت عليه، فهرب منها، فلما رأى ذلك دخل خلف صخرةٍ على طريقها، فاسْتَتَر بها، فقال: أحيشوها عَلَيَّ. فأحاشوها عليه، فلمّا جازَت به نادوه: عليك. فتناولها، فعقرها، فسقطت، فذلك قوله تعالى: ﴿فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر﴾ [القمر: ٢٩]. وأظهروا حينئذ أمرهم، وعقروا الناقة، وعتوا عن أمر ربهم، وقالوا: يا صالح، ائتنا بما تعدنا. وفزع ناس منهم إلى صالح، وأخبروه أنّ الناقة قد عقرت، فقال: عَلَيَّ بالفصيل. فطلبوا الفصيل، فوجدوه على رابية من الأرض، فطلبوه، فارتفعت به حتى حلقت به في السماء، فلم يقدروا عليه، ثم رغا الفصيل إلى الله، فأوحى الله إلى صالح أن مُرْهُم فليتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، فقال لهم صالح: ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام﴾ [هود: ٦٥]، وآية ذلك أن تصبح وجوهكم أول يوم مصفرة، والثاني مُحْمَرَّة، واليوم الثالث مُسْوَدَّة، واليوم الرابع فيه العذاب. فلما رأوا العلامات تكفَّنوا، وتَحَنَّطوا، ولطخوا أنفسهم بالمُرِّ، ولبسوا الأنطاع، وحفروا الأسراب، فدخلوا فيها ينتظرون الصيحة، حتى جاءهم العذاب، فهلكوا، فذلك قوله: فـ ﴿دمرناهم وقومهم أجمعين﴾ [النمل: ٥١]. (ز)