ذكر ابنُ عطية (٨‏/‏٦٦٠) هذا الأثر، ثم قال معلّقًا: «ثم كشف الغيبُ أنْ كان من سنة الجماعة إلى قتْل مروان الجعْدي هذا القدر من الزمان بعينه، ثم إنّ القول يعارضه أنه قد مَلَك بنو أُميّة في غرب الأرض مدة غير هذه». وذكر هذا الأثر ابنُ كثير (١٤‏/‏٤٠٤-٤٠٥) ثم انتقده -مستندًا إلى دلالة التاريخ والعقل وأحوال النزول- فقال: «قلتُ: وقول القاسم بن الفضل الحداني إنه حسب مدة بني أُميّة فوجدها ألف شهر لا تزيد يومًا ولا تنقص، ليس بصحيح؛ فإنّ معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه استقلّ بالمُلك حين سَلّم إليه الحسن بن علي الإمرة سنة أربعين، واجتمعت البيعة لمعاوية، وسُمِّي ذلك عام الجماعة، ثم استمروا فيها متتابعين بالشام وغيرها، لم تخرج عنهم إلا مدة دولة عبد الله بن الزُّبير في الحرمين والأهواز وبعض البلاد قريبًا من تسع سنين، لكن لم تزل يدهم عن الإمرة بالكلية، بل عن بعض البلاد، إلى أن استلبهم بنو العباس الخلافة في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، فيكون مجموع مدتهم اثنتين وتسعين سنة، وذلك أزيد من ألف شهر، فإنّ الألف شهر عبارة عن ثلاث وثمانين سنة وأربعة أشهر، وكأن القاسم بن الفضل أسقط من مدتهم أيام ابن الزُّبير، وعلى هذا فتقارب ما قاله الصحة في الحساب، والله أعلم. ومما يدل على ضعف هذا الحديث أنه سيق لذمّ دولة بني أُميّة، ولو أريد ذلك لم يكن بهذا السياق؛ فإنّ تفضيل ليلة القدر على أيامهم لا يدل على ذمّ أيامهم، فإنّ ليلة القدر شريفة جدًّا، والسورة الكريمة إنما جاءتْ لمدح ليلة القدر، فكيف تُمدح بتفضيلها على أيام بني أُميّة التي هي مذمومة بمقتضى هذا الحديث. ثم الذي يُفهم من ولاية الألف شهر المذكورة في الآية هي أيام بني أُميّة، والسورة مكّيّة، فكيف يحال على ألف شهر هي دولة بني أُميّة، ولا يدل عليها لفظ الآية ولا معناها؟! والمنبر إنما صُنع بالمدينة بعد مدة من الهجرة، فهذا كلّه مما يدل على ضعف هذا الحديث ونكارته»

سورة البقرة — الآية ٢٩

قال محمد بن إسحاق -من طريق سَلَمة بن الفَضْل-: كان أوَّل ما خلق الله تبارك وتعالى النُّور والظُّلْمَة، ثم ميَّز بينهما، فجعل الظُّلْمَة ليلًا أسود مُظْلِمًا، وجعل النور نهارا مُضِيئًا مُبْصِرًا، ثم سَمَك السموات السبع من دخان، يقال -والله أعلم-: من دخان الماء، حتى استقللن، ولم يُحْبَكْنَ، وقد أغْطَش في السماء الدنيا ليلَها، وأخرج ضُحاها، فجرى فيها الليلُ والنهارُ، وليس فيها شمس ولا قمر ولا نجوم، ثم دَحى الأرض فأرساها بالجبال، وقدَّر فيها الأقوات، وبثَّ فيها ما أراد من الخَلْق، ففَرَغ من الأرض وما قَدَّر فيها من أقواتِها في أربعة أيام، ثم استوى إلى السماء وهي دخان -كما قال- فحَبَكَهُنَّ، وجعل في السماء الدنيا شمسَها وقمرَها ونجومَها، وأوحى في كل سماء أمرها، فأكمل خَلْقَهُنَّ في يومين، ففرغ من خلق السموات والأرض في ستة أيام، ثم استوى في اليوم السابع فوق سماواته، ثم قال للسماوات والأرض: ﴿ائتيا طوعا أو كرها﴾ [فصلت:١١] لِما أردتُّ بكما، فاطمَئِنّا عليه طوعا أو كرها. ﴿قالتا أتينا طائعين﴾

اختُلِف في المراد بقوله تعالى: ﴿عن يد﴾ في الآية على أربعة أقوال: أولها: عن قَهْرٍ منكم وغَلَبَة، واستسلام منهم وانقياد. وثانيها: أن يروا أنّ لنا في أخذها منهم نعمةً عليهم بحقن دمائهم بها. وثالثها: أن يؤدوها بأيديهم ولا ينفذونها مع رسلهم كما يفعله المتكبرون. ورابعها: عن غِنًى وقدرة منهم، فلا تؤخذ من عاجز عنها. ورجَّحَ ابنُ القيم (٢‏/‏٨) القولَ الأولَ، فقال: «الصحيح القول الأول، وعليه الناس». وإليه ذَهَبَ ابنُ كثير (٧‏/‏١٧٦). ويظهر مِن كلام ابن جرير (١١‏/‏٤٠٦-٤٠٧) أنّه جمع بين القولين الأول والثالث. ثم انتَقَدَ ابنُ القيم (٢‏/‏٨) القولَ الرابعَ؛ لبُعْده، وعدم وروده عن السلف، فقال: «أبْعَدَ كُلَّ البُعْدِ، ولم يُصِبْ مرادَ الله مَن قال:» المعنى: عن يد منهم، أي: عن قدرة على أدائها، فلا تؤخذ من عاجز عنها«. وهذا الحكم صحيح، وحملُ الآية عليه باطل، ولم يُفَسِّر به أحدٌ من الصحابة، ولا التابعين، ولا سلف الأمة، وإنما هو مِن حذاقة بعض المتأخرين»

سورة آل عمران — الآية ٥٩

عن محمد بن جعفر بن الزبير -من طريق ابن إسحاق-: ﴿إن مثل عيسى عند الله﴾ فاسمع ﴿كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون* الحق من ربك فلا تكن من الممترين﴾. فإن قالوا: خلق عيسى مِن غير ذَكَر، فقد خلقتُ آدم مِن تراب بتلك القدرة مِن غير أنثى ولا ذَكَر، فكان كما كان عيسى لحمًا ودمًا وشعرًا وبشرًا، فليس خلق عيسى مِن غير ذَكَرٍ بأعجبَ مِن هذا

سورة النساء — الآية ٦٦

عن محمد بن عباد بن جعفر: أنّ المُطَّلِب بن حَنطَب جاء عمرَ بن الخطاب، فقال: إنِّي قلتُ لامرأتي: أنتِ طالِقٌ ألْبَتَّةَ، قال عمر: وما حملك على ذلك؟ قال: القَدَرُ. قال: فتلا عمر: ﴿يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن﴾ [الطلاق:١]، وتلا: ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم﴾ هذه الآية. ثُمَّ قال: الواحدةُ تَبُتُّ! أرْجِعِ امرأتَك؛ هي واحدةٌ

سورة البقرة — الآية ٢٤٣

عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط-، نحوه. وزاد فيه: أن موتوا. فماتوا، حتى إذا هلكوا وبَلِيَتْ أجسادُهم مَرَّ بهم نبيٌّ يُقال له: حِزْقِيل. فلمّا رآهم وقف عليهم، فجعل يتفكر فيهم، ويلوي شِدْقَيْهِ وأصابعه، فأوحى الله إليه: يا حِزْقِيل، أتريد أن أريك فيهم كيف أحييهم؟ قال: وإنما كان تفكره أنّه تَعَجَّب من قدرة الله عليهم، فقال: نعم. فقيل له: نادِ: أيتها العظام. والباقي نحوه

سورة النساء — الآية ٢٤

عن عبد الله بن عباس -من طريق محمد بن كعب القرظي- قال: كان متعة النساء في أول الإسلام، كان الرجل يَقْدُمُ البلدةَ ليس معه مَن يُصْلِحُ له ضَيْعَتَه، ولا يَحْفَظُ متاعَه؛ فيتزوج المرأةَ إلى قَدْرِ ما يرى أنه يَفرُغُ من حاجته، فتَنظُرُ له متاعَه، وتُصْلِح له ضيعتَه. وكان يقرأ: (فَما اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُّسَمًّى) نسختها: ﴿محصنين غير مسافحين﴾. وكان الإحصانُ بيد الرجل؛ يُمسِك متى شاء، ويُطلِق متى شاء

سورة الأنعام — الآية ٩١

عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ إلى قوله: ﴿في خوضهم يلعبون﴾: هم اليهود والنصارى، قوم آتاهم الله علمًا، فلم يقتدوا به، ولم يأخذوا به، ولم يعملوا به، فذمَّهم الله في عملهم ذلك. ذُكِر لنا: أنّ أبا الدرداء كان يقول: إنّ مِن أكثرِ ما أنا مخاصم به غدًا أن يُقال: يا أبا الدرداء، قد علمتَ، فماذا عملتَ فيما علمتَ؟

سورة الأعراف — الآية ١٣٣

قال مقاتل بن سليمان: فنَكَثُوا العهد، فأرسل الله عليهم الجراد ثمانية أيام، ومُلِئت الأرض حتى كانوا لا يرون الأرض من كثرته قدر ذراع، فأكل النباتَ حتى خافوا ألّا يبقى لهم شيء، فقال فرعون: يا موسى، ادع لنا ربك أن يكشف عنّا؛ فنؤمن لك. فدعا موسى ربه، فبعث الله ريحًا، فاحتملت الجراد، فألقته في البحر، قالوا: قد بقي لنا ما نَتَبَلَّغ به حتى يُدركنا الغَيْث

سورة النور — الآية ١١

عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار-: ﴿والذي تولى كبره﴾ يعني: عِظَمَه ﴿منهم﴾ يعني: القَذَفَة، وهو ابن أُبَيّ رأس المنافقين، وهو الذي قال: ما بَرِئَتْ منه، وما بَرِىء منها. ﴿له عذاب عظيم﴾ وفي هذه الآية عبرة عظيمة لجميع المسلمين إذا كانت فيهم خطيئة، فمَن أعان عليها بفِعْل أو كلام، أو عَرَّض بها، أو أعجبه ذلك، أو رضي؛ فهو في تلك الخطيئة على قَدْر ما كان منه، وإذا كان خطيئة بين المسلمين فمَن شَهِد وكَرِه فهو مثل الغائب، ومَن غاب ورَضِي فهو مثل شاهد