رجّح ابنُ كثير (١٠/٥١١-٥١٢) مستندًا إلى السياق أن الذين أرسل عليهم حاصبًا هم عاد، وأن الذين أخذتهم الصيحة ثمود، وأن الذي خسف به قارون، وأن الذين أغرقوا فرعون ووزيره هامان، وجنوده، ثم قال: «وهذا الذي ذكرناه ظاهر سياق الآية، وهو من باب اللف والنشر، وهو أنه ذكر الأمم المكذبة، ثم قال: ﴿فكلا أخذنا بذنبه﴾ الآية، أي: من هؤلاء المذكورين». ثم انتقد مستندًا إلى ضعف الأثر وإلى السياق ما ورد في قول ابن عباس من طريق ابن جريج، فقال: «قد روي أن ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله: ﴿فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا﴾ قال: قوم لوط، ﴿ومنهم من أغرقنا﴾ قال: قوم نوح. وهذا منقطع عن ابن عباس؛ فإن ابن جريج لم يدركه. ثم قد ذكر في هذه السورة إهلاك قوم نوح بالطوفان، وقوم لوط بإنزال الرجز من السماء، وطال السياق والفصل بين ذلك وبين هذا السياق». وانتقد كذلك قول قتادة أنه فسر ﴿فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا﴾ قوم لوط. وأنه فسر: ﴿ومنهم من أخذته الصيحة﴾ أنهم قوم شعيب بقوله: «وهذا بعيدٌ أيضًا؛ لِما تقدم»
انتقد ابن تيمية (٦/٢٣٤) ما أفاده هذا القول من أنهم لما ابتدعوها كتب عليهم إتمامها مستندًا لظاهر الآية، والدلالة العقلية، فقال: «وليس في الآية ما يدلُّ على ذلك، فإنه قال: ﴿ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها﴾، فلم يذكر أنه كتب عليهم نفس الرّهبانيّة ولا إتمامها ولا رعايتها، بل أخبر أنهم ابتدعوا بدعة، وأنّ تلك البدعة لم يَرْعَوها حقّ رعايتها. فإن قيل: قوله تعالى: ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ يدلّ على أنهم لو رَعَوها حقّ رعايتها لكانوا ممدوحين. قيل: ليس في الكلام ما يدلّ على ذلك، بل يدلّ على أنهم -مع عدم الرعاية- يستحقّون من الذّم ما لا يستحقّونه بدون ذلك، فيكون ذمّ من ابتدع البدعة ولم يَرعَها حقّ رعايتها أعظم من ذمّ مَن رعاها، وإن لم يكن واحد منهما محمودًا، بل مذمومًا، مثل: نصارى بني تغلب ونحوهم ممن دخل في النصرانية ولم يقوموا بواجباتها، بل أخذوا منها ما وافق أهواءهم، فكان كفرهم وذمّهم أغلظ مِمّن هو أقلُّ شرًّا منهم، والنار دركات، كما أنّ الجنة درجات»
أفادت الآثار أنّ معنى: ﴿كلا﴾ في هذه الآية، أي: أنّ الله أنكر أن يكون سبب كرامته مَن أكرم كثرةَ ماله، وسبب إهانة مَن أهان قِلّةَ ماله. ونقل ابنُ جرير (٢٤/٣٧٨ بتصرف) عن آخرين: «أنّ الله -جلَّ ثناؤه- أنكر حَمْدَ الإنسان ربَّه على نِعَمِه دون فقره، وشكواه الفاقة، وقالوا: معنى الكلام: كلا، أي: لم يكن ينبغي أن يكون هكذا، ولكن كان ينبغي أن يحمَدَه على الأمرين جميعًا؛ على الغنى والفقر». ثم رجَّح (٢٤/٣٧٨) القول الأول مستندًا إلى السياق، وعلَّل ذلك بقوله: «لدلالة قوله: ﴿بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾ والآيات التي بعدها على أنّه إنّما أهان مَن أهان بأنه لا يُكرِم اليتيم، ولا يحضّ على طعام المسكين، وسائر المعاني التي عدّد، وفي إبانته عن السبب الذي من أجله أهان مَن أهان الدلالة الواضحة على سبب تكريمه من أكرم، وفي تَبْيِينه ذلك عَقِيب قوله: ﴿فَأَمّا الإنْسانُ إذا ما ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ ونَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أكْرَمَن وأَمّا إذا ما ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أهانَنْ﴾ بيانٌ واضحٌ عن أنّ الذي أنكر مِن قوله ما وصفنا»
عن ابن عباس -من طريق الضحاك- عن النبي - ﷺ -، قال: «إنّ الله أنزَلَ عَلَيَّ سورة لم يُنزِلها على أحد من الأنبياء والرسل من قبلي». قال النبي - ﷺ -: «قال الله تعالى: قسمت هذه السورة بيني وبين عبادي؛ فاتحة الكتاب، جعلت نصفها لي ونصفها لهم، وآية بيني وبينهم، فإذا قال العبد: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ قال الله:عبدي دعاني باسمين رقيقين، أحدهما أرق من الآخر، فالرحيم أرق من الرحمن، وكلاهما رقيقان...»
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- ﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ يقول: يكاد مُحْكَم القرآن يدُلُّ على عورات المنافقين، ﴿كُلَّما أضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ يقول: كُلَّما أصاب المنافقون من الإسلام عِزًّا اطْمَأَنُّوا، وإن أصاب الإسلام نَكْبَةً قاموا ليرجعوا إلى الكفر، يقول: ﴿وإذا أظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا﴾. كقوله: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة﴾ [الحج: ١١] إلى آخر الآية
قال عطاء: أقام رسول الله ﷺ بعد أحد أربعين يومًا يدعو على أربعة من ملوك كِندة: مشرح، وأحمده، ولحي، وأختهم العمودة، وعلى بطن من هذيل يُقال لهم: لحيان، وعلى بطون من سُلَيم: رعل وذكوان وعُصَيَّة والقارة، وكان يقول: «اللَّهُمَّ، اشْدُدْ وطأتَك على مُضَر، واجعلها عليهم سنينَ كسِنِي يوسف»، فأجاب الله دعاءه، وأقحطوا حتى أكلوا أولادهم وأكلوا الكلاب والميتة والعظام المحرقة، فلما انقضت الأربعون نزلت هذه الآية
عن عَطّاف بن خالد، قال: بَلَغَنِي: أنّه لَمّا نزل قولُه: ﴿ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا﴾ صاح إبليسُ بجنوده، وحثا على رأسِه الترابَ، ودعا بالويل والثبور، حتى جاءته جنودُه مِن كل برٍّ وبحر، فقالوا: ما لك يا سيِّدنا؟ قال: آيةٌ نزلت في كتاب الله لا يَضُرُّ بعدها أحدًا من بني آدم ذنبٌ. قالوا: وما هي؟ فأخبرهم، قالوا: نفتح لهم بابَ الأهواء فلا يتوبون، ولا يستغفرون، ولا يرون إلا أنّهم على الحق. فرَضِي منهم بذلك
عن عمر بن الخطاب -من طريق كُلَيْبٍ- قال: خطب عمرُ يوم الجمعة، فقرأ آل عمران، وكان يعجبه إذا خطب أن يقرأها، فلمّا انتهى إلى قوله: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾ قال: لَمّا كان يومُ أُحُدٍ هزمناهم، ففررتُ حتى صَعِدتُ الجبل، فلقد رأيتُني أنزُو كَأَنَّنِي أرْوى، والناس يقولون: قُتِل محمد. فقلت: لا أجد أحدًا يقول: قُتِل محمد إلا قتلتُه. حتى اجتمعنا على الجبل؛ فنزلت: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان﴾ الآية كلها
عن عبد الملك ابن جريج، قال: أُخبرت أن أبا سفيان لما راح هو وأصحابه يوم أحد منقلبين، قال المسلمون للنبي ﷺ: إنهم عامدون إلى المدينة، يا رسول الله. فقال: «إن رَكِبوا الخيل وتركوا الأثقال فهم عامدوها، وإن جلسوا على الأثقال وتركوا الخيل فقد أرعبهم الله، فليسوا بعامديها». فركبوا الأثقال، ثم ندب أناسًا يتبعونهم ليروا أن بهم قوة، فاتبعوهم ليلتين أو ثلاثًا، فنزلت: ﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾ الآية
قال محمد بن السائب الكلبي: نزلت في كعب بن الأشرف، ومالك بن الضَّيْف، ووهب بن يهوذا، وزيد بن التابوت، وفِنحاص بن عازوراء، وحُيَيِّ بن أخطب، أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: أتزعم أن الله بعثك إلينا رسولًا، وأنزل عليك كتابًا، وأن الله قد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن برسول يزعم أنه من عند الله حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك. فأنزل الله تعالى هذه الآية