اختُلِف في الرأْفة المنهيّ عنها في الآية على قولين: أحدهما: أنّها الرأفة التي تؤدِّي إلى ترْكِ إقامة حدّ الله عليهما، والمعنى: لا بُدَّ من إقامة الحدّ. والآخر: أنّها الرأفة التي تؤدِّي إلى تخفيف الضرب عنهما، والمعنى: أوجعوهما ضربًا. ورجَّحَ ابنُ جرير (١٧/١٤٤) القولَ الأولَ -وهو قول ابن عمر، مجاهد، وابن جريج، وعطاء، وسعيد بن جبير، وأبي مجلز، وابن زيد، وغيرهم- استنادًا إلى ظاهر لفظ الآية، والدلالة العقلية، فقال: «إنّما قُلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب لدلالة قول الله بعده: ﴿في دين الله﴾، يعني: في طاعة الله التي أمركم بها. ومعلومٌ أنّ دين الله الذي أمر به في الزانيين: إقامة الحد عليهما على ما أمر مِن جلد كل واحد منهما مائة جلدة، مع أنّ الشدّة في الضرب لا حدّ لها يوقف عليه، وكل ضرب أوجع فهو شديد، وليس للذي يوجع في الشدة حدٌّ لا زيادة فيه فيؤمر به. وغير جائز وصفه -جلّ ثناؤه- بأنّه أمر بما لا سبيل للمأمور به إلى معرفته، وإذا كان ذلك كذلك فالذي للمأمورين إلى معرفته السبيل هو عدد الجلد على ما أمر به، وذلك هو إقامة الحد على ما قلنا». واختاره كذلك ابنُ كثير (١٠/١٦٣) مستندًا إلى أقوال السلف
أفادت الآثارُ اختلافَ المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾؛ فقيل: نهيٌ من الله عن دعاء رسول الله ﷺ بالغِلْظة والجفاء، وأمرٌ أن يُدعا بلين وتواضع. وقيل: نهيٌ من الله عن التعرض لإسخاط الرسول ﷺ، فإنّه إذا دعا على شخص فدعوته موجِبة. ورجَّح ابنُ جرير (١٧/٣٨٩) مستندًا إلى السياق القول الثاني، وهو قول ابن عباس من طريق العوفي، وعلَّل ذلك بقوله: «أن الذي قبْل قوله: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ نهيٌ مِن الله المؤمنين أن يأتوا من الانصراف عنه في الأمر الذي يجمع جميعهم ما يكرهه، والذي بعده وعيدٌ للمنصرفين عنه بغير إذنه، فالذي بينهما بأن يكون تحذيرًا لهم سُخْطَه أن يضطرَّه إلى الدعاء عليهم أشبهُ مِن أن يكون أمرًا لهم بما لم يَجْرِ له ذِكْرٌ من تعظيمه وتوقيره بالقول والدعاء». ورجَّح ابنُ عطية (٦/٤١٤)، وابنُ كثير (١٠/٢٨٠) مستندًا إلى السياق القول الأول، فقال ابنُ عطية بعد أن ذَكَر القولين: «والأول أصحّ». ولم يذكر مستندًا. وقال ابنُ كثير: «وهو الظاهر من السياق». وانتقد ابنُ عطية القول الثاني مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية قائلًا: «ولفظ الآية يدفع هذا المعنى»
ذكر ابنُ عطية (٦/٤٦٣) أن قوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ يحتمل تأويلين: الأول: أن يكون المعنى: لم يكن خرورهم بهذه الصفة، بل يكون سجدًا وبكيًّا. ثم وجّهه بقوله: «وهذا كما تقول: لم يخرج زيد للحرب جزعًا. أي: إنما خرج جريئًا مقدمًا». الثاني: هو أن يخروا صمًّا وعميانًا هي صفة للكافر، وهي عبارة عن إعراضهم وجهدهم في ذلك. ثم علّق عليه بقوله: «وكان المستمع للذكر قائم القناة قويم الأمر؛ فإذا أعرض وضلَّ كان ذلك خرورًا، وهو السقوط على غير نظام ولا ترتيب، وإن كان قد شبه به الذي يخر ساجدًا، ولكن أصله أنه على غير ترتيب». وقال ابنُ جرير (١٧/٥٢٨) موجّهًا معنى الآية: «فإن قال قائل: وما معنى قوله: ﴿يخروا عليها صما وعميانا﴾؟ أوَيَخِرُّ الكافرون صمًّا وعميانًا إذا ذُكِّروا بآيات الله، فينفي عن هؤلاء ما هو صفة للكفار؟! قيل: نعم، الكافر إذا تُلِيَت عليه آيات الله خرَّ عليها أصم وأعمى، وخره عليها كذلك إقامته على الكفر، وذلك نظير قول العرب: سببت فلانًا فقام يبكي. بمعنى: فظلَّ يبكي، ولا قيام هنالك، ولعله أن يكون بكى قاعدًا، وكما يقال: نهيت فلانًا عن كذا، فقعد يشتمني. ومعنى ذلك: فجعل يشتمني، وظل يشتمني، ولا قعود هنالك، ولكن ذلك قد جرى على ألسن العرب، حتى قد فهموا معناه»
في ﴿لَذِكْرٌ﴾ قولان: أحدهما: الشرف. الثاني: أنه لذكر لك ولقومك تذكرون به أمر الدين وتعملون به. ونسبه ابنُ عطية (٧/٥٥٠-٥٥١) للحسن بن أبي الحسن، وذكر أنّ الآية تحتمل القولين، وأنّ «القوم» -على القول الأول-: قريش، ثم العرب، وعلى الثاني: أمته بأجمعها. ورجَّح ابنُ تيمية (٥/٥٢٦) القول الثاني، وذكر أنه أصح القولين. وانتقد الأول الذي قاله ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والسُّدّيّ، وابن زيد، ومقاتل، ومجاهد، مستندًا إلى ظاهر الآية، والدلالة العقلية، فقال: «وليس بشيء؛ فإنّ القرآن هو شرفٌ لِمَن آمن به مِن قومه وغيرهم، وليس شرفًا لجميع قومه، بل مَن كذّب به منهم كان أحقّ بالذّم كما قال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد:١]، وقال تعالى: ﴿وكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وهُوَ الحَقّ﴾ [الأنعام:٦٦]، بخلاف كونه تذكرة وذكرى؛ فإنّه تذكرة لهم ولغيرهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا أسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أجْرًا إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنعام:٩٠]، فعمّ العالمين جميعهم، فقال: ﴿وما تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِن أجْرٍ إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾»
عن عطاء بن أبي رباح -من طريق ابن جُرَيْج- أنّهم قالوا: يا نبيَّ الله، بنو إسرائيل أكرمُ على الله مِنّا، كانوا إذا أذنب أحدُهم أصبحتْ كفارةُ ذنبه مكتوبةً في عَتَبَةِ بابه: اجْدَع أُذُنَك، اجْدَع أنفَك، افعلْ. فسكت رسول الله ﷺ؛ فنزلت: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين﴾ إلى قوله: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم﴾. فقال رسول الله ﷺ: «ألا أخبركم بخير من ذلك؟». فقرأ هؤلاء الآيات
عن حبيب بن عبيد: أنّ حبيب بن مسلمة أتى برجل قد غَلَّ، فربطه إلى جانب المسجد، وأمر بمتاعه فأُحْرِق، فلمّا صلى قام في الناس، فحمِد الله، وأثنى عليه، وذكر الغلول وما أنزل اللهُ فيه، فقام عوف بن مالك، فقال: يا أيها الناس، إيّاكم وما لا كفارة له من الذنوب، فإنّ الرجل يزني ثم يتوبُ فيتوبُ الله عليه، وإنّ الله تعالى يقول: ﴿وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة﴾، وإنّ الله يبعث آكل الربا يوم القيامة مجنونًا مُخَنَّقًا
عن إسماعيل السدي، قال: لما ندم أبو سفيان وأصحابه على الرجوع عن رسول الله ﷺ وأصحابه، وقالوا: ارْجِعوا فاسْتَأْصِلوهم. فقذف الله في قلوبهم الرعب، فهُزِموا، فلَقَوْا أعرابيًا، فجعلوا له جُعْلًا، فقالوا له: إن لقيت محمدًا وأصحابه فأخبرهم أنّا قد جمعنا لهم. فأخبر الله رسوله ﷺ، فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد، فلَقَوا الأعرابيَّ في الطريق، فأخبرهم الخبر، فقالوا: «حسبنا الله ونعم الوكيل». ثم رجعوا من حمراء الأسد؛ فأنزل الله فيهم وفي الأعرابي الذي لقيهم: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ الآية
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فانقلبوا﴾ يعني: فرجعوا إلى المدينة ﴿بنعمة من الله وفضل﴾ يعني: الرزق، وذلك أنهم أصابوا سرية في الصفراء، وذلك في ذي القعدة، ﴿لم يمسسهم سوء﴾ من عدوهم في وجوههم، ﴿واتبعوا رضوان الله﴾ يعني: رضى الله في الاستجابة لله عز وجل، وللرسول ﷺ في طلب المشركين، يقول الله سبحانه: ﴿والله ذو فضل عظيم﴾ على أهل طاعته.... قال مقاتل: فنزلت هذه الآيات في ذي القعدة بذي الحُلَيْفة حين انصرفوا عن طلب أبى سفيان وأصحابه بعد قتال أُحد
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير، وعكرمة- قال دخل رسولُ الله ﷺ بيت المِدْراس على جماعةٍ من يهود، فدعاهم إلى الله، فقال له النُّعمان بن عمرو والحارث بن زيد: على أيِّ دينٍ أنت، يا محمد؟ قال: «على مِلَّةِ إبراهيم، ودينِه». قالا: فإنّ إبراهيم كان يهودِيًّا. فقال لهما رسول الله ﷺ: «فهَلُمّا إلى التوراة، فهي بيننا وبينكم». فأبَيا عليه؛ فأنزل اللهُ: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم﴾ إلى قوله: ﴿وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون﴾
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي وائل- قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن حلف على يمين هو فيها فاجر لِيَقتطع بها مالَ امرئٍ مسلم؛ لقي الله وهو عليه غضبان». فقال الأشعث بن قيس: فِيَّ -واللهِ- كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض، فجحدني، فقدمته إلى النبي ﷺ، فقال لي رسول الله ﷺ: «ألك بَيِّنة؟». قلت: لا. فقال لليهودي: «احلِفْ». فقلت: يا رسول الله، إذن يحلف فيذهب مالي. فأنزل الله: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾ إلى آخر الآية