قال مقاتل بن سليمان: ﴿وآتَيْناهُمْ﴾ يقول: وأعطيناهم ﴿مِنَ الآياتِ﴾ حين فَلَق لهم البحر، وأهلك عدوّهم فرعون، وظلّل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسَّلْوى، والحَجَر والعمود، والتوراة فيها بيان كلّ شيء، فكلّ هذا الخير ابتلاهم الله به، فلم يشكروا ربّهم، فذلك قوله: ﴿وآتَيْناهُمْ مِنَ الآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ﴾ يعني: النِّعم البيّنة، كقوله: ﴿نَّ هَذا لَهُوَ البَلاءُ المُبِينُ﴾ [الصافات:١٠٦]، يعني: النِّعَم البيّنة
قال مقاتل بن سليمان: ثم نَعَت المسلمين، فقال: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أحْسَنَ ما عَمِلُوا﴾ يقول: نجزيهم بإحسانهم، ولا نجزيهم بمساوئهم، والكفار يجزيهم بإساءتهم ويُبطل إحسانهم؛ لأنهم عملوا ما ليس بحسنة، ثم رجع إلى المؤمنين فقال: ﴿ونَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ ولا يفعل ذلك بالكفار ﴿فِي﴾ يعني: مع ﴿أصْحابِ الجَنَّةِ وعْدَ الصِّدْقِ﴾ يعني: وعْد الحقّ، وهو الجنة ﴿الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ وعدهم الله تعالى الجنة في الآخرة على ألْسِنَة الرسل في الدنيا
عن قتادة بن دعامة -من طريق سعيد- ﴿واعْلَمُوا أنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، قال: هؤلاء أصحاب نبيِّ الله ﷺ، لو أطاعهم نبيُّ الله ﷺ في كثير من الأمر لعَنِتوا، فأنتم -واللهِ- أسخف قلوبًا، وأطيش عقولًا، فاتّهَم رجلٌ رأيَه، وانتصح كتاب الله؛ فإنّ كتاب الله ثِقة لِمَن أخذ به وانتهى إليه، وإنّ ما سوى كتاب الله تغرير
قال مقاتل بن سليمان: ثم ذكر الأنصار، فأثنى عليهم حين طابتْ أنفسُهم عن الفيء، إذ جعل المهاجرين دونهم، فقال: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ﴾ يعني: أوطنوا دار المدينة مِن قبل هجرة المؤمنين إليهم بسنين، ثم قال: ﴿و﴾تبؤوا ﴿الإيمانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ مِن قبل هجرة المهاجرين، ثم قال للأنصار: ﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ مِن المؤمنين، ﴿ولا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ﴾ يعني: قلوبهم ﴿حاجَةً مِمّا أُوتُوا﴾ يعني: مما أعطى إخوانهم المهاجرين من الفيء
قال مقاتل بن سليمان:... وذلك أنّ المؤمنين قالوا: لو نعلَم أيَّ الأعمال أحبّ إلى الله لعمِلناه. فأنزل الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ يعني في طاعته صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾... فأخبرهم اللهُ بأحبّ الأعمال إليه بعد الإيمان، فكرهوا القتال، فوعَظهم الله، وأدّبهم، فقال: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ نَزَلت هذه الآية في الأنصار في الأَوْس والخَزْرج؛ منهم عبد الله بن رَواحة وغيره
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ يعني: جمْع أهل السموات وجمْع أهل الأرض ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُن﴾ يعني: أهل الهدى تَغبن أهل الضلالة، فلا غَبْن أعظم منه، فريق في الجنة وفريق في السعير، ﴿ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ﴾ أنّه واحد لا شريك له، ﴿ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ لا يموتون، ﴿ذَلِكَ﴾ الثواب الذي ذكر الله تعالى، هو ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «إنّ أول شيء خَلَق الله القلم، ثم خَلَق النُّون، وهي الدَّواة، ثم قال له: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة؛ من عملٍ، أو أثر، أو رِزق، أو أجَل. فكَتب ما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة، وذلك قوله: ﴿ن والقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ﴾، ثم خَتَم على فِي القلم، فلم يَنطق ولا يَنطق إلى يوم القيامة، ثم خَلَق الله العقل، فقال: وعزّتي، لأُكمِّلنّك فيمن أحببتُ، ولأُنقِصنّك فيمَن أبغضتُ»
عن مجاهد بن جبر -من طريق ليث- ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ﴾، قال: مِن مُنتهى أمْره مِن أسفل الأرضين إلى مُنتهى أمْره مِن فوق السماوات مقدار خمسين ألف سنة، و﴿يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة:٥]، يعني بذلك: نَزل الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مِقداره ألف سنة؛ لأن ما بين السماء إلى الأرض مسيرة خمس مائة عام
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿وأَلَّوِ اسْتَقامُوا عَلى الطَّرِيقَةِ﴾ قال: هذا مَثَلٌ ضربه الله، كقوله: ﴿ولَوْ أنَّهُمْ أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة:٦٦]، وقوله تعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦]. والماء الغَدَق يعني: الماء الكثير؛ ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ لنَبْتليهم فيه
عن عبد الرحمن بن ميمون الأَودي: أنّ كعب [الأحبار] دخل يومًا على عمر بن الخطاب، فقال له عمر: حَدِّثني إلى ما تنتهي شفاعة محمد ﷺ يوم القيامة؟ فقال كعب: قد أخبَرك الله في القرآن؛ إنّ الله يقول: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ إلى قوله: ﴿اليَقِينُ﴾. قال كعب: فيَشفع يومئذ حتى يَبلغ مَن لم يُصلِّ صلاة قطّ، ولم يُطعم مسكينًا قطّ، ولم يُؤمن ببعثٍ قطّ، فإذا بَلغت هؤلاء لم يبق أحد فيه خير