محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١ من سورة الصف في ٩٤ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، و٢٢ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١ من سورة الصف

٩٤ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
بسم الله الرحمَن الرحيم :
القول في تأويل قوله تعالى :﴿سَبّحَ لِلّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾.
يقول جلّ ثناؤه : سَبّحَ لِلّهِ ما فِي السّمَوَاتِ السبع وَما فِي الأرْضِ من الخلق، مُذعنين له بالألوهة والربوبية وَهُوَ العَزِيزُ في نقمته ممن عصاه منهم، فكفر به، وخالف أمره الْحَكِيمُ في تدبيره إياهم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
تفسير سورة الصف

بسم الله الرحمن الرحيم

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (٣)﴾
يقول جلّ ثناؤه: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) السبع (وَمَا فِي الأرْضِ) من الخلق، مُذعنين له بالألوهة والربوبية (وَهُوَ الْعَزِيزُ) في نقمته ممن عصاه منهم، فكفر به، وخالف أمره (الْحَكِيمُ) في تدبيره إياهم.
وقوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا صدّقوا الله ورسوله، لم تقولون القول الذي لا تصدّقونه بالعمل، فأعمالكم مخالفة أقوالكم (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) يقول: عظم مقتًا عند ربكم قولكم ما لا تفعلون.
واختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله أُنزلت هذه الآية، فقال بعضهم: أُنزلت توبيخًا من الله لقوم من المؤمنين، تمنوا معرفة أفضل الأعمال، فعرّفهم الله إياه، فلما عرفوا قصروا، فعوتبوا بهذه الآية.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) قال: كان
ناس من المؤمنين قبل أن يفرض الجهاد يقولون: لوددنا أن الله دلنا على أحبّ الأعمال إليه، فنعمل به، فأخبر الله نبيه أن أحب الأعمال إليه إيمان بالله لا شكّ فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يقرّوا به؛ فلما نزل الجهاد، كره ذلك أُناس من المؤمنين، وشقّ عليهم أمره، فقال الله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ)
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) قال: كان قوم يقولون: والله لو أنا نعلم ما أحب الأعمال إلى الله؟ لعملناه، فأنزل الله على نبيه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا)... إلى قوله: (بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) فدلهم على أحبّ الأعمال إليه.
حدثنا ابن حُمَيْد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن محمد بن جحادة، عن أَبي صالح، قال: قالوا: لو كنا نعلم أيّ الأعمال أحبّ إلى الله وأفضل، فنزلت: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) فكرهوا، فنزلت (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ).
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أَبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله (لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ)... إلى قوله: (مَرْصُوصٌ) فيما بين ذلك في نفر من الأنصار فيهم عبد الله بن رواحة، قالوا في مجلس: لو نعلم أيّ الأعمال أحب إلى الله لعملنا بها حتى نموت، فأنزل الله هذا فيهم، فقال عبد الله بن رواحة: لا أزال حبيسًا في سبيل الله حتى أموت، فقتل شهيدا.
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في توبيخ قوم من أصحاب رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم، كان أحدهم يفتخر بالفعل من أفعال الخير التي لم يفعلها،
فيقول فعلت كذا وكذا، فعذلهم الله على افتخارهم بما لم يفعلوا كذّبا.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة، في قوله: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) قال: بلغني أنها كانت في الجهاد، كان الرجل يقول: قاتلت وفعلت، ولم يكن فعل، فوعظهم الله في ذلك أشدّ الموعظة.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) يؤذنهم ويعلمهم كما تسمعون (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ) وكانت رجال تخبر في القتال بشيء لم يفعلوه ولم يبلغوه، فوعظهم الله في ذلك موعظة بليغة، فقال: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ).. إلى قوله: (كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ).
حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: ثنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) أنزل الله هذا في الرجل يقول في القتال ما لم يفعله من الضرب والطعن والقتل، قال الله (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ).
وقال آخرون: بل هذا توبيخ من الله لقوم من المنافقين، كانوا يَعِدُونَ المؤمنين النصر وهم كاذبون.
* ذكر من قال ذلك:
حدثنا يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال، قال ابن زيد، في قول الله (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) يقولون للنبيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم وأصحابه: لو خرجتم خرجنا معكم، وكنا في نصركم، وفي، وفي؛ فأخبرهم أنه (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ).
وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: عنى بها الذين قالوا: لو

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
تقدم الكلام على قوله :﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ غير مرة، بما أغنى عن إعادته.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، نَحْوَ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ.
قُلْتُ: وَكَذَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ كَثِيرٍ.
قُلْتُ: وَقَدْ أَخْبَرَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ الشَّيْخُ الْمُسْنِدُ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْحَجَّارُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَنَا أَبُو المُنَجَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَر بْنِ اللَّتي (١) أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَقْتِ عَبْدُ الْأَوَّلِ بْنُ عِيسَى بْنِ شُعَيب السَّجْزيّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ الدَّاوُدِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمَّوَية السرَخسِيّ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ عُمَر بْنِ عِمْرَانَ السَّمَرْقَنْدِيُّ، أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ بِجَمِيعِ مُسْنَدِهِ (٢) أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ... فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، وَتَسَلْسَلَ لَنَا قِرَاءَتُهَا إِلَى شَيْخِنَا أَبِي الْعَبَّاسِ الْحَجَّارِ، وَلَمْ يَقْرَأْهَا، لِأَنَّهُ كَانَ أُمِّيًّا، وَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ تَلْقِينِهَا إِيَّاهُ. وَلَكِنْ أَخْبَرَنِي الْحَافِظُ الْكَبِيرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الذَّهَبِيُّ، رَحِمَهُ اللَّهُ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي تَقِيُّ الدِّينِ سُلَيْمَانُ بْنُ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُنَجَّا بْنُ اللَّتي (٣) فَذَكَرَهَ بِإِسْنَادِهِ، وتَسلل (٤) لِي مِنْ طَرِيقَةٍ، وَقَرَأَهَا عَلَيَّ بِكَمَالِهَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾
تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ غَيْرَ مَرَّةٍ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ؟ إِنْكَارٌ عَلَى مَنْ يَعد عدَةً، أَوْ يَقُولُ قَوْلًا لَا يَفِي بِهِ، وَلِهَذَا اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ عُلَمَاءِ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ غُرم لِلْمَوْعُودِ أَمْ لَا. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا مِنَ السُّنَّةِ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّث كَذَبَ، إِذَا وَعَد أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ" (٥) وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي الصَّحِيحِ: "أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَة مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعها" (٦) -فَذَكَرَ مِنْهُنَّ إِخْلَافَ الْوَعْدِ. وَقَدِ اسْتَقْصَيْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فِي أَوَّلِ "شَرْحِ الْبُخَارِيِّ"، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَلِهَذَا أَكَّدَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا الْإِنْكَارَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
(١) في أ: "الليثي".
(٢) في أ: "سنده".
(٣) في أ: "الليثي".
(٤) في أ: "وتسلسل".
(٥) صحيح البخاري برقم (٣٣) وصحيح مسلم برقم (٥٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٦) صحيح البخاري برقم (٣٤) وصحيح مسلم برقم (٥٨) مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ الله عنهما.
وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أحمدُ وَأَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [فِي بَيْتِنَا] (١) وَأَنَا صَبِيٌّ قَالَ: فَذَهَبْتُ لِأَخْرُجَ لِأَلْعَبَ، فَقَالَتْ أُمِّي: يَا عَبْدَ اللَّهِ: تَعَالَ أُعْطِكَ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعطِيه؟ ". قَالَتْ: تَمْرًا. فَقَالَ: "أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تَفْعَلِي كُتِبت عَلَيْكِ كِذْبة" (٢)
وَذَهَبَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ، إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَلَّقَ بِالْوَعْدِ غُرم عَلَى الْمَوْعُودِ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِغَيْرِهِ: "تَزَوَّجْ وَلَكَ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ كَذَا". فتزوجَ، وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا دَامَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ آدَمِيٍّ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُضَايَقَةِ. وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبْ مُطْلَقًا، وَحَمَلُوا الْآيَةَ عَلَى أَنَّهَا نَزَلَتْ حِينَ تَمَنَّوْا فَرضِيَّة الْجِهَادِ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا فُرِضَ نَكَلَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النِّسَاءِ: ٧٧، ٧٨]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ الْآيَةَ [مُحَمَّدٍ: ٢٠] وَهَكَذَا هَذِهِ الْآيَةُ مَعْنَاهَا، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ قَالَ: كَانَ نَاسٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ الْجِهَادُ يَقُولُونَ: لَوَدِدْنَا أَنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ-دَلَّنَا عَلَى أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَيْهِ، فنعملَ بِهِ. فَأَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أَنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إيمانٌ بِهِ (٣) لَا شَكَّ فِيهِ، وَجِهَادُ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ الَّذِينَ خَالَفُوا الْإِيمَانَ وَلَمْ يُقِرُّوا بِهِ. فَلَمَّا نَزَلَ الْجِهَادُ كَرِهَ ذَلِكَ أُنَاسٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَشَقَّ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ، فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ؟. وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ (٤).
وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيّان: قَالَ الْمُؤْمِنُونَ: لَوْ نَعْلَمُ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ لَعَمِلْنَا بِهِ. فَدَلَّهُمُ اللَّهُ عَلَى أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ فَبَيَّنَ لَهُمْ، فَابْتُلُوا يَوْمَ أُحُدٍ بِذَلِكَ، فَوَلَّوْا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُدْبِرِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ؟ وَقَالَ: أَحَبُّكُمْ إِلَيَّ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِي.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ فِي شَأْنِ الْقِتَالِ، يَقُولُ الرَّجُلُ: "قَاتَلْتُ"، وَلَمْ يُقَاتِلْ (٥) وَطَعَنْتُ" وَلَمْ يَطْعَنْ وَ "ضَرَبْتُ"، وَلَمْ يَضْرِبْ وَ "صَبَرْتُ"، وَلَمْ يَصْبِرْ.
وَقَالَ قَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ: نَزَلَتْ (٦) تَوْبِيخًا لِقَوْمٍ كَانُوا يَقُولُونَ: "قَتَلْنَا، ضَرَبْنَا، طَعَنَّا، وَفَعَلْنَا". وَلَمْ يَكُونُوا فعلوا ذلك.
(١) زيادة من المسند.
(٢) المسند (٣/٤٤٧) وسنن أبي داود برقم (٤٩٩١).
(٣) في م: "إيمان بالله".
(٤) تفسير الطبري (٢٨/٥٦).
(٥) في م: "ولم أقاتل".
(٦) في م: "أنزلت".
وَقَالَ ابْنُ يَزِيدَ: نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، كَانُوا يَعدون الْمُسْلِمِينَ النصرَ، وَلَا يَفُون لَهُمْ بِذَلِكَ.
وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ ؟، قَالَ: فِي الْجِهَادِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيح، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ فَمَا بَيْنَ ذَلِكَ: فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، قَالُوا فِي مَجْلِسٍ: لَوْ نَعْلَمُ أَيَّ الْأَعْمَالِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ، لِعَمِلْنَا بِهَا حَتَّى نَمُوتَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِيهِمْ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: لَا أَبْرَحُ (١) حَبِيسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أَمُوتَ. فَقُتِلَ شَهِيدًا.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيِّ بْنِ مُسْهِر (٢) عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي حَرْبِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ (٣) عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَعَثَ أَبُو مُوسَى إِلَى قُرَّاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ، كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، فَقَالَ. أَنْتُمْ قُرَّاءُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَخِيَارُهُمْ. وَقَالَ: كُنَّا نَقْرَأُ سُورَةً كُنَّا نُشَبِّهُهَا بِإِحْدَى الْمُسَبِّحَاتِ، فَأُنْسِيْنَاهَا، غَيْرَ أَنِّي قَدْ حَفِظْتُ مِنْهَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ فَتُكْتَبُ شَهَادَةً فِي أَعْنَاقِكُمْ، فَتُسْأَلُونَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ فَهَذَا إِخْبَارٌ مِنْهُ تَعَالَى بِمَحَبَّةِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا اصْطَفُّوا مُوَاجِهِينَ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ فِي حَوْمَةِ الْوَغَى، يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ، لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، وَدِينُهُ هُوَ الظَّاهِرُ الْعَالِي عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا هُشَيْم، قَالَ مُجالد أَخْبَرَنَا عَنْ أَبِي الودَّاك، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ثَلَاثٌ يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَيْهِمُ: الرَّجُلُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ، وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا لِلصَّلَاةِ، وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا لِلْقِتَالِ".
وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مُجَالِدٍ، عَنْ أَبِي الوَدَّاك جَبْرِ بْنِ نَوْفٍ، بِهِ (٤).
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيم الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْن، حَدَّثَنَا الْأَسْوَدُ -يَعْنِي ابْنَ شَيْبَانَ-حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّير قَالَ: قَالَ مُطرَف: كَانَ يَبْلُغُنِي عَنْ أَبِي ذَرٍّ حَدِيثٌ كُنْتُ أَشْتَهِي لِقَاءَهُ، فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، كَانَ يَبْلُغُنِي عَنْكَ حَدِيثٌ، فَكُنْتُ أَشْتَهِي لِقَاءَكَ، فَقَالَ: لِلَّهِ أَبُوكَ! فَقَدْ لَقِيتَ، فَهَاتِ. فَقُلْتُ: كَانَ يَبْلُغُنِي عَنْكَ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَكُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ ثَلَاثَةً وَيُبْغِضُ ثَلَاثَةً؟ قَالَ: أَجَلْ، فَلَا إِخَالُنِي أَكْذِبُ عَلَى خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قُلْتُ: فَمَنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ؟ قَالَ: رَجُلٌ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، خَرَجَ مُحْتَسِبًا مُجَاهِدًا فَلَقِيَ الْعَدُوَّ فَقُتِلَ، وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْمُنَزَّلِ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ وذكر الحديث.
(١) في أ: "فما أبرح".
(٢) في أ: "شهر".
(٣) في أ: "الديلمي".
(٤) المسند (٣/٨٠) وسنن ابن ماجة برقم (٢٠٠) وقال البوصيري في الزوائد (١/٨٧) :"هذا إسناد فيه مقال، مجالد بن سعيد وإن أخرج له مسلم في صحيحه فإنما روى له مقرونًا بغيره قال ابن عدى: عامة ما يرويه غير محفوظ".
هَكَذَا أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا السِّيَاقِ، وَبِهَذَا اللَّفْظِ، وَاخْتَصَرَهُ. وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ رِبْعَي بْنِ حِرَاش، عَنْ زَيْدِ بْنِ ظَبْيان، عَنْ أَبِي ذَرّ بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ وَأَتَمَّ (١) وَقَدْ أَوْرَدْنَاهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "عَبْدَيِ الْمُتَوَكِّلُ الْمُخْتَارُ لَيْسَ بفَظّ وَلَا غَليظ وَلَا صَخَّاب فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ بِطَابَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، وَأُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ يحمَدُون اللَّهَ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَفِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، لَهُمْ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ فِي جَوِّ السَّمَاءِ بالسحَر، يُوَضّون أَطْرَافَهُمْ، وَيَأْتَزِرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، صَفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ مِثْلُ صَفِّهِمْ فِي الصَّلَاةِ". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ رُعَاةُ الشَّمْسِ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُمْ، وَلَوْ على ظهر دابة" رواه بن أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُقَاتِلُ الْعَدُوَّ إِلَّا أَنْ يُصَافَّهُمْ، وَهَذَا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: وَقَوْلُهُ: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ مُلْتَصِقٌ بَعْضُهُ فِي بَعْضٍ، مِنَ الصَّفِّ فِي الْقِتَالِ.
وَقَالَ مقاتل بن حيان: مُلْتَصِقٌ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ مُثَبّت، لَا يَزُولُ، مُلْصَقٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ أَلَمْ تَرَ إِلَى صَاحِبِ الْبُنْيَانِ، كَيْفَ لَا يُحِبُّ أَنْ يَخْتَلِفَ بُنْيَانُهُ؟ فَكَذَلِكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [يُحِبُّ أَنْ] (٢) لَا يَخْتَلِفَ أَمْرُهُ، وَإِنَّ اللَّهَ صَفَّ الْمُؤْمِنِينَ فِي قِتَالِهِمْ وَصَفَّهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ، فَعَلَيْكُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ عِصْمَةٌ لِمَنْ أَخَذَ بِهِ. أَوْرَدَ ذَلِكَ كُلَّهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمرو السَّكُونِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّة بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عَنِ يَحْيَى بْنِ جَابِرٍ الطَّائِيِّ، عَنْ أَبِي بَحْرِيَّةَ (٣) قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ الْقِتَالَ عَلَى الْخَيْلِ، وَيَسْتَحِبُّونَ الْقِتَالَ عَلَى الْأَرْضِ، لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَحْرِيَّةَ (٤) يَقُولُ: إِذَا رَأَيْتُمُونِي التفتُّ فِي الصَّفِّ فَجَثُوا في لَحيي (٥)
(١) سنن الترمذي برقم (٢٥٦٨) وسنن النسائي (٥/٨٤، ٣/٢٠٧) وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح".
(٢) زيادة من م، أ.
(٣) في أ: "عن أبي يحيى به".
(٤) في أ: "أبو بحيرة".
(٥) تفسير الطبري (٢٨/٥٧).

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
{ ١-٣ } ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وهذا بيان لعظمته تعالى وقهره، وذل جميع الخلق(١)  له تبارك وتعالى، وأن جميع من في السماوات والأرض يسبحون بحمد الله ويعبدونه ويسألونه حوائجهم، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي قهر الأشياء بعزته وسلطانه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه وأمره.
١ - في ب: الخلق له..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١-٣} ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾.
وهذا بيان لعظمته تعالى وقهره، وذل جميع الخلق (١) له تبارك وتعالى، وأن جميع من في السماوات والأرض يسبحون بحمد الله ويعبدونه ويسألونه حوائجهم، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الذي قهر الأشياء بعزته وسلطانه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه وأمره.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ أي: لم تقولون الخير وتحثون عليه، وربما تمدحتم به وأنتم لا تفعلونه، وتنهون عن الشر وربما نزهتم أنفسكم عنه، وأنتم متلوثون به ومتصفون به.
فهل تليق بالمؤمنين هذه الحالة الذميمة؟ أم من أكبر المقت عند الله أن يقول العبد ما لا يفعل؟ ولهذا ينبغي للآمر بالخير أن يكون أول الناس إليه مبادرة، وللناهي عن الشر أن يكون أبعد الناس منه، قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وقال شعيب عليه الصلاة والسلام لقومه: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾.
(١) في ب: الخلق له.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (٩٤ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني — أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد — نووي الجاوي محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المراغي — المراغي تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — دروزة التفسير الحديث — محمد عزة دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
سَبَّحَ لِلَّهِ
نَزَّهَ اللهَ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ سُبْحَانَهُ.

إعراب الآية ١ من سورة الصف

من كتاب: إعراب القرآن

٦١ شرح إعراب سورة الصف

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الصف (٦١) : آية ١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)
قال أبو جعفر: قوله سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي أذعن له وانقاد ما أراد جلّ وعزّ فهذا داخل فيه كل شيء لأن ما عامة في كلام العرب. وَهُوَ الْعَزِيزُ في انتقامه ممن عصاه. الْحَكِيمُ في تدبيره.

[سورة الصف (٦١) : آية ٢]

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢)
لِمَ الأصل لما حذف الألف لاتصال الكلمة بما قبلها وأنه استفهام.

[سورة الصف (٦١) : آية ٣]

كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣)
نصبت مَقْتاً على البيان والفاعل مضمر في كبر أي كبر ذلك القول أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ «أن» في موضع رفع بالابتداء أو على إضمار مبتدأ والذي يخرج من هذا ألّا يقول أحد شيئا إلا ما يعتقد أن يفعله، ويقول: إن شاء الله لئلا يخترم دونه.

[سورة الصف (٦١) : آية ٤]

إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ (٤)
والمحبة منه جلّ وعزّ قبول العلم والإثابة عليه. صَفًّا في موضع الحال قيل:
فدلّ بهذا على أن القتال في سبيل الله جلّ وعزّ والإنسان راجلا أفضل منه راكبا.
كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ أي قد أحكم وأتقن فليس فيه شيء يزيد على شيء، وقيل:
مرصوص مبني بالرصاص.

[سورة الصف (٦١) : آية ٥]

وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (٥)
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ أي واذكر. يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي نداء مضاف وحذفت
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١ من سورة الصف

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [١].
أخبرنا محمد بن جعفر، حدَّثنا محمد بن عبد الله بن زكريا، أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الدَّغُولي، قال: حدَّثنا محمد بن يحيى، حدَّثنا محمد بن كثير الصَّنْعاتي، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كَثِير، عن أبي سَلَمَة، عن عبد الله بن سلاَّم، قال:
قعدنا نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [فتذاكرنا] وقلنا: لو نعلم أيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله تبارك وتعالى عَمِلْناه. فأنزل الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ إلى آخر السورة، فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

آيات مشابهة للآية ١ من سورة الصف

مواضع أخرى في القرآن تشبه ألفاظ هذه الآية

جميع المتشابهات لهذه الآية ←

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٢ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

نزول الآيات

٢١ قولًا
١
عن قتادة بن دعامة -من طريق معمر- في قوله تعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾، قال: بلغني: أنها نَزَلَتْ في الجهاد، قال: كان رجل يقول: قاتلتُ وفعلتُ. ولم يكن يفعل، فوعَظهم الله في ذلك أشدَّ الموعظة١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ٢‏/‏٢٩٠.
٢
عن عبد الرحمن بن سابط -من طريق موسى بن عيسى- قال: كان عبد الله بن رَواحة يأخذ بيد النّفر من أصحابه، فيقول: تَعالَوا نذكر الله فنزداد إيمانًا، تَعالَوا نذكر الله بطاعته لعلّه يذكُرنا بمعرفته. فهشَّ القوم للذِّكر واشتاقوا، فقالوا: اللهم، لو نعلَم الذي هو أحبّ إليك فعلناه. فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾. فلما كان يوم مُؤتة، وكان ابن رَواحة أحد الأمراء، نادى في القوم: يا أهل المجلس الذي وعدتم ربكم قولكم: لو نعلَم الذي هو أحبّ إليك فَعَلنا. ثم تقدّم، فقاتل حتى قُتل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر ٢٨‏/‏٩٠. وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه.
٣
عن زيد بن أسلم، قال: نَزَلت هذه الآيةُ في نَفرٍ مِن الأنصار فيهم عبد الله بن رَواحة، قالوا في مجلس: لو نعلَم أيَّ الأعمال أحبّ إلى الله لعمِلنا به حتى نموت. فأنزل الله هذه فيهم، فقال ابن رَواحة: لا أبْرح حبيسًا في سبيل الله حتى أموت شهيدًا١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى مالك في تفسيره.
٤
قال مقاتل بن سليمان:... وذلك أنّ المؤمنين قالوا: لو نعلَم أيَّ الأعمال أحبّ إلى الله لعمِلناه. فأنزل الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ يعني في طاعته صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾... فأخبرهم اللهُ بأحبّ الأعمال إليه بعد الإيمان، فكرهوا القتال، فوعَظهم الله، وأدّبهم، فقال: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ نَزَلت هذه الآية في الأنصار في الأَوْس والخَزْرج؛ منهم عبد الله بن رَواحة وغيره١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٣١٥.
٥
عن مقاتل [بن حيّان]، قال: قال المؤمنون: لو نعلَم أحبّ الأعمال إلى الله لعمِلناه به. فدلّهم على أحبّ الأعمال إليه، فقال: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ فبيّن لهم، فابتُلوا يوم أُحُد بذلك، فوَلّوا عن النبيِّ ﷺ مُدبرين؛ فأنزل الله في ذلك: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.
٦
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ نَزَلَتْ في المنافقين، كانوا يَعِدون المؤمنين النصر وهم كاذبون١٢
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٩‏/‏٣٠٢، وتفسير البغوي ٨‏/‏١٠٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلف في سبب نزول الآية على أقوال: الأول: أنها أُنزِلَت توبيخًا من الله لقوم من المؤمنين تمنّوا معرفة أفضل الأعمال، فعرّفهم الله إياه، فلما عرفوا قصّروا، فعوتبوا بهذه الآية. الثاني: نَزَلَتْ في توبيخ قوم من أصحاب رسول الله ﷺ، كان أحدهم يفتخر بالفعل من أفعال الخير التي لم يفعلها، فيقول: فعلت كذا وكذا، فعذلهم الله على افتخارهم بما لم يفعلوا كذبًا. الثالث: أنها توبيخ من الله لقوم من المنافقين، كانوا يعِدون المؤمنين النصر وهم كاذبون. ورجَّح ابنُ جرير (٢٢/٦٠٩) -مستندًا إلى ظاهر لفظ الآية- القول الأول الذي قاله ابن عباس، من طريق علي، والعَوفيّ، وقول أبي صالح، ومجاهد، وانتقد البقية، فقال: «لأنّ الله -جلّ ثناؤه- خاطب بها المؤمنين، فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، ولو كانت نَزَلَتْ في المنافقين لم يُسمّوا ولم يوصفوا بالإيمان، ولو كانوا وصفوا أنفسهم بفعل ما لم يكونوا فعلوه كانوا قد تعمدوا قيل الكذب، ولم يكن ذلك صفة القوم، ولكنهم عندي أمّلوا بقولهم: لو علمنا أحبّ الأعمال إلى الله عمِلناه. أنهم لو علموا بذلك عملوه، فلما علموا ضعفت قُوى قوم منهم عن القيام بما أمّلوا القيام به قبل العلم، وقوي آخرون فقاموا به، وكان لهم الفضل والشرف». وكذا رجَّحه ابنُ عطية (٨/٢٩٢) مستندًا إلى السياق، فقال: «والقول الأول يترجح بما يأتي بعد مِن أمر الجهاد والقتال». ووجَّه القول الأخير الذي قاله ابن زيد، فقال: «والقول الأخير في المنافقين إنما يتوجه بأن يكونوا غير مجلّحين بالنفاق». وعلَّق (٨/٢٩١) بعد أن ذكر الأقوال بقوله: «وحكم هذه الآية باقٍ غابر الدهر، وكلّ مَن يقول ما لا يفعل فهو ممقوت مَذِق الكلام».
٧
عن عبد الله بن سلام -من طريق أبي سَلمة- قال: قعدنا نَفرٌ مِن أصحاب رسول الله ﷺ، فتذاكرنا، فقلنا: لو نعلم أيَّ الأعمال أقرب إلى الله تعالى لَعمِلناه. فأنزل الله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾. قال عبد الله بن سلام: قرأها علينا رسول الله ﷺ هكذا١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣٩‏/‏٢٠٥-٢٠٦ (٢٣٧٨٨، ٢٣٧٨٩)، والترمذي ٥‏/‏٥٠١-٥٠٢ (٣٥٩٥)، وابن حبان ١٠‏/‏٤٥٤ (٤٥٩٤)، والحاكم ٢‏/‏٧٨-٧٩ (٢٣٨٤، ٢٣٨٥، ٢٣٨٧)، ٢‏/‏٢٤٨ (٢٨٩٩)، ٢‏/‏٥٢٨ (٣٨٠٦)، وابن أبي حاتم -كما في تفسير ابن كثير ٨‏/‏١٠٤-، والثعلبي ٩‏/‏٣٠٣. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، ولم يخرجاه». ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة ٦‏/‏٢٨٦-٢٨٧ (٥٨٦١): «هذا إسناد رواته ثقات». وقال السيوطي بعد أن رواه بسنده مسلسلًا: «قال الحافظ ابن حجر: هو من أصح مسلسل يروى في الدنيا، قلّ أن وقع في المسلسلات مثله مع مزيد علوه».
٨
­­عن أبي هريرة -من طريق أبي سَلمة- قال: قال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: لو نعلَم أحبَّ الأمور إلى الله تعالى اتبعناها. فأنزل الله عز وجل: ﴿سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن الأعرابي في معجمه ٣‏/‏١١٠٧ (٢٣٢٥)، من طريق أحمد بن يحيى بن المنذر الكندي الأحول، عن أيوب بن زياد بن النجار اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به. وسنده ضعيف؛ فيه أحمد بن يحيى بن المنذر الكندي الأحول، وهو ضعيف. كما في لسان الميزان ١‏/‏٦٩٠.
٩
عن أبي هريرة، قال: قالوا: لو كُنّا نعلَم أيّ الأعمال أحبُّ إلى الله! فنزلت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿بِأَمْوالِكُمْ وأَنْفُسِكُمْ﴾. فكرهوا، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون﴾ إلى قوله: ﴿بنيان مرصوص﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٠
عن صُهيب -من طريق سعيد بن المسيّب- قال: كان رجل يوم بدر قد آذى المسلمين وأنكاهم، فقَتلته في القتال، فقال رجل: يا رسول الله، قتلتُ فلانًا. ففَرح بذلك رسول الله ﷺ، فقال عمرو بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف: بالله -يا صُهيب- أما أخبرت رسول الله ﷺ أنك قتلتَ فلانًا، فإنّ فلانًا انتحله. فقال صُهيب: إنما قتلتُه لله تعالى ولرسوله. فقال عمر وعبد الرحمن: يا رسول الله، قَتله صُهيب. قال: «أكذلك، يا أبا يحيى؟». قال: نعم، واللهِ، يا رسول الله. فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ والآية الأخرى١
التخريج
  1. ١أخرجه الثعلبي ٩‏/‏٣٠٢. إسناده ضعيف؛ فيه حصين بن حذيفة، قال عنه أبو حاتم -كما في الجرح والتعديل ٣‏/‏١٩١ (٨٢٧)-: «مجهول».
١١
عن عبد الله بن عباس، قال: كان رسول الله ﷺ يَبعث السَّرية، فإذا رجعوا كانوا يزيدون في الفعل، ويقولون: قاتَلنا كذا، وصَنعنا كذا. فأنزل الله الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن مردويه.
١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- في قوله عز وجل: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾، قال: كان الرجل يجيء إلى النبي فيقول: فعلتُ كذا وكذا. فأنزل الله عز وجل: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ١٢‏/‏١٠٥-١٠٦ (١٢٥)، وابن هامل في جزء فيه أحاديث عوال من مسموعاته ص٤٧-٤٨ (١٦).
١٣
عن عبد الله بن عباس، قال: قالوا: لو نعلَم أحبَّ الأعمال إلى الله لفعلناه. فأخبرهم الله، فقال: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾. فكَرِهوا ذلك؛ فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن مردويه.
١٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي- قال: كان ناسٌ مِن المؤمنين قبل أن يُفرض الجهاد يقولون: لودِدنا أنّ الله دلَّنا على أحبّ الأعمال فنفعل به. فأخبر الله نبيّه: أنّ أحبّ الأعمال إيمان بالله لا شكّ فيه، وجهاد أهل معصيته الذين خالفوا الإيمان ولم يُقرّوا به. فلما نزل الجهاد كَره ذلك أناسٌ من المؤمنين، وشقّ عليهم أمره؛ فقال الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٦٠٦-٦٠٧، من طريق علي بن أبي طلحة. إسناده جيد. وينظر: مقدمة الموسوعة.
١٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطية- قال: كانوا يقولون: واللهِ، لو نعلَم ما أحبّ الأعمال إلى الله لعمِلناه. فأنزل الله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾، فدلّهم على أحبّ الأعمال إليه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٦٠٧، من طريق العَوفيّين عن ابن عباس. الإسناد ضعيف، لكنها صحيفة صالحة ما لم تأت بمنكر أو مخالفة. وينظر: مقدمة الموسوعة.
١٦
عن عبد الله بن عباس، في قوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾، قال: هذه الآية في القتال وحده، وهم قوم كانوا يأتون النبيَّ ﷺ، فيقول الرجل: قاتلتُ، وضربتُ بسيفي. ولم يفعلوا؛ فنَزَلَتْ١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه.
١٧
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾، قال: نَزَلَت في نَفرٍ من الأنصار، منهم عبد الله بن رَواحة، وقالوا في مجلس لهم: لو نعلَم أيَّ عمل أحبّ إلى الله لَعمِلناه حتى نموت. فأنزل الله هذا فيهم، فقال ابن رَواحة: لا أبْرح حبيسًا في سبيل الله حتى أموت شهيدًا. فقُتل شهيدًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٦٠٧، وابن عساكر ٢٨‏/‏٩٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
١٨
عن الضَّحّاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾: أنزل الله هذا في الرجل يقول في القتال ما لم يفعله مِن الضَّرب والطَّعن والقتْل، قال الله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٦٠٩.
١٩
قال الحسن البصري: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾، يعني: المنافقين، نَسبهم إلى الإسلام الذي أظهروا، وهو الإقرار، وكانوا يقولون: نجاهد مع رسول الله، ونؤمن به، فإذا جاء الجهاد بَعدوا عنه١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ٤‏/‏٣٨٢-. وبنحوه في تفسير الثعلبي ٩‏/‏٣٠٢ مع التصريح بالنزول.
٢٠
عن أبي صالح باذام -من طريق محمد بن جُحادة- قال: قال المسلمون: لو أُمرنا بشيء نفعله. فنزلت: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾. فتباطئوا عنها؛ فنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ إلى آخر الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢٢‏/‏٦٠٧ بنحوه. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٢١
قال محمد بن كعب القُرَظيّ: لمّا أخبر الله تعالى رسولَه ﷺ بثواب شهداء بدر؛ قالت الصحابة: اللهم، اشهد، لئن لَقينا قتالًا لَنُفرغنّ فيه وُسعنا. ففرُّوا يوم أُحد، فعيّرهم الله بذلك بهذه الآية١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٩‏/‏٣٠٢، وتفسير البغوي ٨‏/‏١٠٤.

تفسير

قول واحد
١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ يعني: ذَكر الله ﴿ما فِي السَّماواتِ﴾ من الملائكة ﴿وما فِي الأَرْضِ﴾ من شيء مِن الخلْق غير كفار الجن والإنس، ﴿وهُوَ العَزِيزُ﴾ في مُلكه ﴿الحَكِيمُ﴾ في أمره١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ٤‏/‏٣١٥.
التفسير بالمأثور لسورة الصف كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١ من سورة الصف

١١ وقفةً في هذه الآية

  • تدبرات وتأملات ، سورة الصف أية 1

    — عبدالله الغفيلي

  • هي إحدى السبع المسبّحات افتتحت بالتسبيح بصيغة الماضي (سبّح) للدلالة على أن التسبيح مستقر في قلب المؤمن لا يتزعزع

    — مجالس التدبر

  • لا يزال المسلم في خير و طمأنينة قلب ما كان لسانه رطباً بذكر الله؛ تسبيحاً و تحميداً و تكبيراً.

    — مصحف تدبر المفصل

  • قوله تعالى {سبح لله} وكذلك الحشر والصف ثم {يسبح} في الجمعة 1 والتغابن 1 هذه الكلمة استأثر الله بها فبدأ بالمصدر في بني إسرائيل الإسراء لأنه الأصل ثم بالماضي لأنه أسبق الزمانين ثم بالمستقبل ثم بالأمر في سورة الأعلى استيعابا لهذه الكلمة من جميع جهاتها وهي أربع المصدر والماضي والمستقبل والأمر للمخاطب .

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • مسألة: قوله تعالى هنا: (سبح لله) وفى الحشر والصف كذلك بصيغة الماضي وفى الجمعة والتغابن: (يسبح) بصيغة المضارع؟ جوابه: لما أخبر أولا بأنه سبح له ما في السموات وما في الأرض أخبر أن ذلك التسبيح دائم لا ينقطع، وبأنه باق ببقائه، دائم بدوام صفاته الموجبات لتسبيحه.

    — كتاب كشف المعاني / لابن جماعة

  • * ما دلالة استعمال (ما) في قوله تعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)) في سورة الصف؟ وما الفرق بين استخدام (سبّح لله) بصيغة الماضي وفي بعض السور (يسبح) بصيغة المضارع فهل هذا مقصود بذاته؟ د.فاضل السامرائي : توجد ظاهرة في آيات التسبيح في القرآن كله. إذا كرّر (ما) فالكلام بعدها يكون على أهل الأرض. وإذا لم يكرر (ما) فالكلام ليس على أهل الأرض وإنما على شيء آخر. في سورة الحشر قال تعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)) بتكرار (ما) وجاء بعدها (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2)) وهذا في الأرض. وكذلك في سورة الصفّ (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2)) وفي سورة الجمعة (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1) هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2)) وفي سورة التغابن (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (2)). بينما في آية أخرى في سورة الحديد (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)) قال تعالى بعدها (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)) وليس الكلام هنا عن أهل الأرض وإنما هو عن الله تعالى. وكذلك في سورة النور (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42)). هذه قاعدة عامة في القرآن والتعبير القرآني مقصود قصداً فنياً. وهذا في مقام التسبيح ولم أتحقق من هذه القاعدة في غير مقام. نلاحظ أنه كل سورة تبدأ بـ (سبّح) بالفعل الماضي لا بد أن يجري فيها ذكر للقتال في كل القرآن أي سورة تبدأ بـ (سبّح) فيها ذكر للقتال والمبدوءة بـ (يسبح) ليس فيها ذكر للقتال أبداً. سورة الصف (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ (4)) كل التي تبدأ بـ (سبّح) لا بد أن يجري فيها ذكر القتال. هذه الآية في سورة الحديد (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)) (لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10)) ليس هنالك سورة في القرآن تبدأ بـ (سبح) إلا ويجري فيها ذكر للقتال وليس هنالك سورة في القرآن تبدأ بـ (يسبح) إلا لم يذكر فيها القتال. هذا توجيه للناس في الحاضر والمستقبل أن يتركوا القتال، أن لا يقاتلوا، الذي جرى جرى في تاريخ البشرية والله تعالى حكيم فعل ما فعل ودعا الناس يفعلون ما يشاؤون، هو التوجيه للخلق، للعقلاء، للناس، للمسلمين أنه في الحال والاستقبال عليهم أن يتركوا القتال ويعيشوا حياتهم، ينصرفوا إلى التعاون وما هو أنفع وما هو أجدى وما هو خير. هو توجيه لما يقول (يسبح) المضارع يدل على الحال والاستقبال لم يذكر القتال وكأنما هو توجيه - والله أعلم - للخلق في حاضرهم ومستقبلهم أن يتركوا القتال، أن لا يتقاتلوا فيما بينهم، أن يتفاهموا، أن يتحاوروا، أن يتحادثوا، أن تكون صدورهم رحبة، هذا أنفع لهم من القتال، الماضي ماضي ذهب لكن (يسبح) كأنه توجيه لعباده. الرابط بين القتال والتسبيح: التنزيه عما لا يليق والقتال لا يليق كما قالت الملائكة (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30) البقرة).

    — فاضل السامرائي

  • د.حسام النعيمي : القاعدة عامة ثم نعود إلى الآيات حقيقة لتثبيت هذه القاعدة العامة. هو العطف ممكن أن يكرر المعطوف عليه ويمكن أن يحذف يعني مثلاً يمكن أن تقول: يعجبني ما في إذاعتكم وفضائيتكم ويمكن أن تقول: يعجبني ما في إذاعتكم وما في فضائيتكم. لكن لو نظرت إلى الجملتين ستجد أنه في الإعادة هناك نوع من التمييز لما يقول الإنسان لشخص: ستحاسب على ما قلت وفعلت، لاحظ الجمع هما شيئان لكن ضمهما إلى بعضهما غير لما يقول: ستحاسب على ما قلت وما فعلت، ميّزهما تمييزاً. هذا قول الباري عز وجل : (سبح لله ما في السموات والأرض) جمع الكلمتين ضمّهما إلى بعضهما لكن لما يقول (سبح لله ما في السموات وما في الأرض) فصلها وخصصها. لكن يبقى السؤال لِمَ جمع هنا وفصّل هاهنا؟ القاعدة هنا وهذه تنطبق حيثما وردت في كتاب الله عندما يقول (وما في الأرض) لا بد أن سيتحدث عمن في الأرض. لمّا يقول (ما في السموات والأرض) لا يتحدث عمن في الأرض . لمّا يذكر التمييز يبدأ يتكلم عليهم لكن لما يكون التسبيح هو مجرد تمجيد لله سبحانه وتعالى فيضم السموات والأرض ممجدة لله سبحانه وتعالى بما فيهما. لاحظ في سورة الصف (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1)) ذكر ما في الأرض (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)) يعني لا تنقطع المسألة حيثما وردت. في الجمعة الكلام على أهل الأرض. يبقى المضارع والماضي: طبعاً الفعل الماضي لا يراد به المضي دائماً يعني مضى وانقضى، قد يراد به المواصلة والاستمرار. عندما تُسأل ما شأن فلان؟ تقول: سكن في حارتنا أو محلتنا. سكن فعل ماض يعني هو الآن ليس ساكناً؟ كلا بل تعني والآن ما زال ساكناً. فلما يأتي (سبح لله) يعني هذه الموجودات سبّحت لله سبحانه وتعالى نزهته وقدسته لكنها هي ماضية على ذلك. عندما يكون الحديث حديث يحتاج إلى ذكر للحاضر والمستقبل (للاستمرار للحضور) يعني فيه كلام عن الحضور يستعمل المضارع (يسبح لله). لاحظ في سورة الجمعة قال (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)) لكن انظر كيف قال (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) ) الكلام على الرسالة والرسالة حاضرة ومستقبلة. قال (يتلو) ما قال تلا فيسبح تنسجم مع يتلو ويعلّم ويزكيهم ويعلّمهم الكتاب. لما كان الكلام كلاماً على حاضر ومستقبل استعمل الفعل يسبح ولما كان الكلام مطلقاً استعمل الفعل الثابت سبّح. فيها كلام كثير لكن لا تريد أن نطيل الإجابة.

    — حسام النعيمي

  • *ما الفرق بين (ما) و (من) في الاستخدام اللغوي؟ في اللغة تستعمل (ما) لذوات غير العاقل ولصفات العقلاء (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ (29) طه) ماذا في يمينه؟ عصاه، (تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا) لذات غير العاقل ولصفات العقلاء. تقول من هذا؟ هذا فلان، تسأل ما هو؟ تسأل عن صفته فيقال مثلاً هو تاجر، (من هو؟) تسأل عن ذاته. (ما) هي تستعمل لأمرين: لذات غير العاقل ولصفات العقلاء (فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء (3) النساء) عاقل وربنا سبحانه وتعالى يستخدمها لنفسه كما جاء في سورة الشمس (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7)) يتكلم عن نفسه سبحانه. (ما) تقع على صفات أولي العلم جميعاً حتى قسم من النُحاة أدق لا يقولون العقل لأن الله تعالى لا يوصف بالعقل ولا يصف نفسه أنه العاقل وإنما العالِم، فيقول النحاة لذوي العلم وذوات غير العاقل. في سورة الليل قال تعالى (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (3)) من الخالق؟ الله سبحانه وتعالى، في سورة الكافرون (وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3)) ما أعبد هو الله تعالى، (وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4)) الأصنام غير عاقلة و(ما) تستعمل لذوات غير العاقل وتستعمل لصفات العقلاء. (من) إذا انفردت تكون لذوات العقلاء تحديداً، قد تستعمل في مواطن تخرج عن هذا الأمر مثلاً أنت تنزلَ غير العاقل منزلة العاقل، تتكلم مع حصانك يقولون لك: من تُكلِّم؟ تقول: أكلِّم من يفهمني، من يحفظني، هذا تجوّز. في الأصل أن (من) لذات غير العاقل وأحياناً يشترط العاقل مع غير العاقل فتطلق عليهم (من) فيصير تفصيل (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِن مَّاء فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) النور) من يمشي على بطنه غير العاقل، من يمشي على رجلين الإنسان، اجتمعت في عموم فصّل بـ (من) لها مواطن. أما إذا انفردت فلا تكون إلا للعاقل (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) الملك) لذي العِلم. *ما دلالة تقديم الجار والمجرور على الفاعل في قوله (سبح لله ما في السموات وما فى الأرض)؟(د.فاضل السامرائي) التقديم حسب الاهتمام في البلاغة، يتقدم المفعول على الفاعل لأغراض بلاغية. *لماذا قدم السموات على الأرض؟ أولاً من الذين كان يسبح سابقاً أهل السماء أو أهل الأرض؟ أهل السماء لأن أهل الأرض لم يكونوا موجودين أصلاً، قبل أن خلق آدم فبدأ بمن هو أسبق تسبيحاً، بمن هو أدوم تسبيحاً (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) الأنبياء) (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) فصلت) فبدأ بأهل السماء لأنهم أسبق في التسبيح قبل خلق آدم ولأنهم أدوم تسبيحاً، أدوم في هذه العبادة.

    — فاضل السامرائي

  • { من في السموات ومن في الأرض } - { من في السموات والأرض } - { ما في السموات وما في الأرض } - { ما في السموات والأرض } هذه مسألة إعادة اسم الموصول { ما ، من } في القرآن الكريم ، وذلك في ثلاثة مواطن هي : 1- إذا كان السياق يبين إحاطة علم الله بكل شيء ، وأنه لا يغيب ولا يندّ عن علمه غائبة كقوله { قل إن تخفوا ما في صدوركم يعلمه الله و يعلم ما في السموات و ما في الأرض { لله ما في السموات و ما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم ..} ، 2- إذا كان الخطاب بعد الآية موجهًا لأهل الأرض مباشرة ( سبح لله ما في السموات و ما في الأرض وهو العزيز الحكيم .. هو الذي أخرج الذين كفروا )( سبح لله ما في السموات و ما في الأرض وهو العزيز الحكيم ... يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ) ، 3- أن ينصَّ السياق على كل من في السموات و من في الأرض ، عندها يعاد اسم الموصول كقوله : { ففزع من في السموات ومن في الأرض...} { فصعق من في السموات ومن في الأرض} - { ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض } الجميع فزع وصعق وسجد ، فأعيد اسم الموصول .

    — صالح التركي / من لطائف القرآن

  • لمسات بيانية ما الفرق بين ( سبح لله ما في السموات والأرض ) و ( سبح لله ما في السموات وما في الأرض ) ؟ سورة الصف آية 1

    — دريد ابراهيم الموصلي

  • (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) التسبيح هو التنزيه فمعنى ( سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) أن هؤلاء نزهوه عما لا يليق من الصفات وأنهم ذكروا ذلك بما يليق من حالهم مما نفقه من التسبيح وبما لا نفقه. لقد ورد فعل التسبيح في القرآن الكريم معدّي بنفسه ومعدّي باللام. فمما ورد معدي بنفسه قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلً) - الأحزاب (41، 42) وقوله (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ- ) الطور (49). ومما ورد معدّي باللام هذه الآية التي افتتح بها السورة. ونظيرها في مفتتح سورة الحديد وسورة الحشر وقوله ( تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ ) الإسراء (44) وغيرها. إن معنى (سَبِّحْهُ) نزهه – كما ذكرنا – ومعنى (سَبِّحُ لَهُ) أي فعل ذلك لأجله فاللام تفيد التعليل. فالتسبيح هو الفعل. والتسبيح له هو الفعل لأجله كما تقول: صلى وصلى له ونسك ونسك له. ولا ينفع الفعل حتى يكون له سبحانه. فكل فعل أو عبادة لا تنفع حتى تكون له وحده وإلا كان ذلك ضلالاً. فكل فعل لا يكون له باطل. قال تعالى ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) - الأنعام 162. فمن سبح رياء فليس بمسبح لله ومن صلى رياء فليس بمصل له، فالتسبيح ينبغي أن يكون له تعالى خالصاً كسائر العبادات. فالتسبيح هو الفعل. والتسبيح له هو إخلاص النية والعمل له. جاء في (البحر المحيط): واللام في (لِلَّه) إما أن تكون بمنزلة اللام في (نصحت لزيد) يقال: سبح الله كما يقال: نصحت زيدا فجئ باللام لتقوية وصول الفعل إلى المفعول. وإما أن تكون لام التعليل أي أحدث التسبيح لأجل الله أي لوجهه خالصاً (1). ومن الملاحظ في هذين الاستعمالين في القرآن الكريم أي في نحو سبح لله وسبحه أنه يستعمل اللام مع العاقل وغير العاقل وأما المتعدي بنفسه فلا يستعمله إلا للعقلاء. قال تعالى (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ ) - الحديد (1) وقال (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ) الإسراء (44) فهذا لغير العاقل والعاقل. وقال (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ ) - النور (41) فهنا اختلط العقلاء بغيرهم. وقال (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ) - النور (36) وقال (فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) - فصلت (38) وهذا خاص بالعقلاء. أما المتعدي بنفسه فلم يرد إلا للعاقل قال تعالى (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلً) - الفتح (9) وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) - الأحزاب (41، 42). فتسبيح غير العقلاء لم يرد إلا باللام، أما تسبيح العقلاء فقد ورد باللام وبدونها. وثمة ملاحظة أخرى في استعمال هذين التعبيرين وهي أنه يستعمل اللام مع ما هو أعم وأشمل سواء كان ذلك من حيث المسبحون أم من حيث أوقات التسبيح. فقد قال الله إنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض. وإنه تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وهذا أعم تسبيح وأشمله في حين أنه قد يستعمل المتعدي بنفسه للواحد أو للجماعة التي لا تبلغ ذلك المبلغ في الشمول والسعة. قال تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) ق (40) وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ) الإنسان (26) وقال (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) - الأحزاب (42) ولم يرد في المتعدي بنفسه نحو ذلك الشمول في المسبحين. ويكفي ذلك بياناً أن الفعل مع اللام يستعمل للعقلاء وغيرهم أما المتعدي بنفسه فلم يستعمله إلا للعقلاء. ومثل ذلك الاتساع في الأوقات. فما ورد من الأوقات مع اللام أكثر اتساعاً وأعم وأشمل. قال تعالى مع المتعدي بنفسه (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) - الفتح (9) وقال (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) - الأحزاب (42) في حين قال مع اللام (يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ) - النور (36) فذكر ذلك بصيغة الجمع لا بصيغة المفرد، فالغدو جمع غدوة والآصال جمع أصيل. وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ) ق (40) وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) - الطور (49) وقال (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ) ا لإنسان (26) ففي كل ذلك قال (مِنَ اللَّيْلِ) بمن التبعيضية ثم ذكر وقتاً آخر ليس طويلاً وهو (أَدْبَارَ السُّجُودِ) أو ( إِدْبَارَ النُّجُومِ ) حتى أنه في آية الإنسان لم يذكر غير الليل في حين قال ( فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ ) - فصلت (38) فقال (بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) بإطلاق الليل والنهار من دون تقييد ولم يذكر (من) الدالة على البعضية بل ذكر الباء التي تفيد الظرفية. ثم قال (وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) للدلالة على مداومة التسبيح وطوله. لقد ورد التسبيح في القرآن الكريم بصور شتى فقد ورد بالفعل الماضي نحو (سَبَّحَ لِلَّهِ) وورد بالمضارع نحو (يُسَبِّحُ لِلَّهِ) وورد بالأمر نحو (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وقوله (وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) كما ورد باسم المصدر وهو (سُبْحَانَ) وذلك ليشمل الأزمنة كلها ويستغرقها. فالفعل الماضي يستغرق الزمن الماضي والمضارع يستغرق الحال والاستقبال والأمر يفيد طلب التسبيح في المستقبل. والمصدر غير مقيد بزمن أو فاعل فهو يفيد الحدث المطلق فهو يدل على حدوث التسبيح سواء كان هناك من يسبحه أم لا. فاستغرق ذلك الأوقات كلها. وأفاد أنه مستحق التسبيح على الدوام سواء كان هناك من يسبح أم لم يكن. جاء في (التفسير الكبير): ثم إنه تعالى قال في البعض من السور (سَبَّحَ لِلَّهِ) وفي البعض (يُسَبِّحُ) وفي البعض (سبّحْ) بصيغة الأمر ليعلم أن تسبيح حضرة الله تعالى دائم غير منقطع لما أن الماضي يدل عليه في الماضي من الزمان والمستقبل يدل عليه في المستقبل من الزمان والأمر يدل عليه في الحال (2). لقد افتتحت السورة بالفعل الماضي (سَبَّحَ لِلَّهِ) شأن سور أخرى وقد افتتح قسم آخر من السور بالفعل المضارع أي (يُسَبِّحُ لِلَّهِ.) ومن الملاحظ أن كل سورة تبدأ بالفعل الماضي أي (سَبَّحَ لِلَّهِ) يجرى فيها ذكر للقتال بخلاف ما يبدأ بالفعل المضارع أي (يُسَبِّحُ لِلَّهِ) فقد قال في سورة الحديد (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ ) – (10). وذكر في سورة الحشر إخراج الكافرين من حصونهم وتكرر في السورة ذكر القتال (أنظر على سبيل المثال الآيات 10، 11، 13). وقال في سورة الصف (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ ) وذكر الجهاد بقوله ( هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ۚ َ). وكل تلك السور تبدأ بالفعل الماضي (سَبَّحَ) ولم يرد مثل ذلك فيما بدأ بالفعل المضارع. ومن الملاحظ أيضاً أنه في قسم من الآيات يكرر (مَا) فيقول (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) فكرر (مَا) فقال ( وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) . وحيث كرر ( مَا) في آيات التسبيح أعقب ذلك بالكلام على أهل الأرض. وإذا لم يكرر (مَا) فإنه لا يذكر شيئاً يتعلق بأهل الأرض وبعدها. وقد ذكر بعد هذه الآية أمراً يتعلق بأهل الأرض فقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ) فكان تكرار ( مَا) هو المناسب (3). وقدم الجار والمجرور (لِلَّهِ) على الفاعل وهو (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) وذلك لأن المجرور أهم فإن السياق ليس على الفاعل وإنما هو على مستحق التسبيح وهو الله ولذا ذكر بعد ذلك قسماً من صفاته فقال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .) ثم قال بعدها (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) ثم قال (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا) ذكر ما يحبه الله وما لا يحبه. فقدم ما هو أهم وأولى. وقدم (مَا فِي السَّمَاوَاتِ) على (مَا فِي الْأَرْضِ) وذلك لأن أهل السماوات أسبق في التسبيح من أهل الأرض فإنه لما أراد الله خلق آدم قالت الملائكة (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ ) - البقرة (30) فقدم ما هو أسبق. وهناك أمر آخر وهو أنه قدم ما هو أدوم تسبيحاً. فما في السماوات أدوم تسبيحاً قال تعالى (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) - الأنبياء (20). ولا تقل: إن (مَا) لغير العاقل فلا تشمل الملائكة. فإن (مَا) كما هو معلوم تكون لذوات غير العقلاء ولصفات العقلاء. كقوله تعالى (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا) - الشمس (7، 8) فاتضح ما قلناه. (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) العزيز هو الغالب الممتنع من أن يغلبه أحد. والحكيم قد يكون فعيلاً من الحكم. وقد يكون من الحكمة. والعزيز إذا حكم كان ذلك منتهى العزة. فقد يكون العزيز حاكماً وقد يكون غير حاكم. وقد ذكر هنا أنه جمع العزة والحكم فكان ذلك غاية الكمال فيهما. وإذا كان (الْحَكِيمُ) من الحكمة فذلك منتهى الكمال أيضاً ذلك أنه يكمل عزته بالحكمة فقد يكون العزيز متهوراً فيكون ذلك نقصاً فيه. والراجح أن كلا المعنيين مراد فهو حكيم من الحكم وحكيم من الحكمة فهو العزيز الحاكم ذو الحكمة. وقال (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) بتعريف الوصفين ليدل على أنه لا عزيز في الحقيقة سواه ولا حاكم ولا حكيم في الحقيقة سواه فإن كل عز يناله غيره فمن عزته سبحانه وكل حكم أو حكمة لغيره فذلك منه سبحانه كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) - آل عمران (26) وقال (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ ۚ ) - البقرة (269). إن قوله (سَبَّحَ لِلَّهِ ) يعني أن ما في السماوات وما في الأرض نزهوه عن صفات النقص وأثبتوا له صفات الكمال. وقوله (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) يدل على الروحانية وإبطال الشرك إذ لا عزيز سواه ولا حاكم غيره، فهذه الآية تدل على توحيد الله سبحانه واتصافه بصفات الكمال وتنزيهه عن النقص. وتفيد إقرار ما في السماوات وما في الأرض له بذلك وخضوعهم له دون غيره خضوع قهر وعبادة. فإن الخضوع قد يكون خضوع قهر وغلبة لا خضوع عبادة وتقديس. أما خضوع ما في السماوات وما في الأرض فهو خضوع قهر وعبادة. فخضوع القهر يدل عليه قوله (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ويدل عليه وصف نفسه بـ (القهار). وخضوع العبادة والاستحقاق يدل عليه قوله (سَبَّحَ لِلَّهِ) فدل ذلك على الكمال المطلق له سبحانه. جاء في (التفسير الكبير): (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) أي شهد له بالربوبية والوحدانية وغيرهما من الصفات الحميدة جميع ما في السماوات والأرض، و (الْعَزِيزُ) من عز إذا غلب وهو الذي يغلب على غيره أي شيء كان ولا يمكن أن يغلب عليه غيره. و(الْحَكِيمُ) من حكم على الشيء إذا قضى عليه وهو الذي يحكم على غيره أي شيء كان ذلك الغير ولا يمكن أن يحكم عليه غيره. فقوله (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ ) يدل على الربوبية والوحدانية إذن (4). لقد ارتبط هذان الاسمان الكريمان بما ورد في السورة على العموم فقد شاع فيها جو العزة والحكم والحكمة. فقد ارتبط باسمه العزيز واسمه الحكيم من معنى الحكم قوله تعالى (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) ولا يفعل ذلك إلا العزيز الحكيم. وارتبط بهما أيضاً قوله ( لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) وقوله ( نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ ۗ ) وقوله (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ) ، فإنه لا يستطيع أن يفعل ذلك إلا العزيز الحكيم. وارتبط باسمه (الحكيم) من الحكمة قوله تعالى (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ) فإن نور الله إنما هو للهداية. والهداية من الحكمة. والذي يهدي إنما هو الحكيم. وارتبط به أيضاً قوله (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ) والهدى من الحكمة. والحق إنما يدل على الحكيم. وارتبط به أيضاً قوله تعالى (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) والذي يدل على ذلك حكيم. وقوله (ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) والذي يعلم إنما هو حكيم لأن من مقتضيات الحكمة العلم. والذي لا يعلم لا يكون حكيماً. وذلك من لطيف الارتباط. **من كتاب: على طريق التفسير البياني للدكتور فاضل السامرائي الجزء الأول من ص 199 إلى ص 205. (1) البحر المحيط 10/ 100. (2) التفسير الكبير 29/ 311. (3) أنظر معاني النحو 1/ 156 وما بعدها. (4) التفسير الكبير 29/ 311.

    — فاضل السامرائي

ترجمات معاني الآية ١ من سورة الصف

ترجمة معاني الآية إلى ٥٩ لغةً

(1) Whatever is in the heavens and whatever is on the earth exalts Allāh,[1681] and He is the Exalted in Might, the Wise.
[1681]- See footnote to 57:1.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال