عن أنس، قال: بينما نحن حول رسول ﷺ إذ قال: «أتاني جبريل وفي يده كالمرآة البيضاء في وسطها كالنّكتة السوداء، قلتُ: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا يوم الجُمُعة، يَعرضه عليك ربُّك ليكون لك عيدًا، ولأُمّتك من بعدك. قلتُ: يا جبريل، فما هذه النّكتة السوداء؟ قال: هذه الساعة، وهي تقوم يوم الجُمُعة، وهو سيّد أيام الدنيا، ونحن ندعوه في الجنة يوم المَزيد. قلتُ: يا جبريل، ولِمَ تَدْعُونه يوم المَزيد؟ قال: لأنّ الله عز وجل اتخذ في الجنة واديًا أفيحَ مِن مِسكٍ أبيض، فإذا كان يوم الجُمُعة نزل ربُّنا على كرسيّه إلى ذلك الوادي، وقد حُفَّ العرش بمنابر من ذهب مُكلَّلة بالجوهر، وقد حُفَّتْ تلك المنابر بكراسي من نور، ثم يُؤْذَن لأهل الغُرفات، فيُقبِلون يَخوضون كَثيب المِسك إلى الرُّكَب، عليهم أسورة الذّهب والفِضّة، وثياب السُّندس والحرير، حتى يَنتهوا إلى ذلك الوادي، فإذا اطمأنوا فيه جُلوسًا بَعث الله عز وجل عليهم ريحًا يُقال لها: المُثِيرة. فثارتْ يَنابيع المِسك الأبيض في وجوههم، وثيابهم، وهم يومئذ جُردٌ مُرْدٌ مُكَحَّلون، أبناء ثلاث وثلاثين، يَضرب جِمامُهم إلى سُرَرِهم، على صورة آدم يوم خَلَقه الله عز وجل، فيُنادي ربّ العزّة -تبارك وتعالى- رضوان، وهو خازن الجنة، فيقول: يا رضوان، ارفع الحُجُب بيني وبين عبادي وزُوّاري. فإذا رَفع الحُجُب بينه وبينهم فرَأوا بهاءه ونوره هبّوا له سُجودًا، فيُناديهم عز وجل بصوته: ارفعوا رؤوسكم، فإنما كانت العبادة في الدنيا، وأنتم اليوم في دار الجزاء، سَلُوني ما شئتم، فأنا ربّكم الذي صدَقتُكم وعدي، وأَتممتُ عليكم نعمتي، فهذا محلّ كرامتي، فسَلُوني ما شئتم. فيقولون: ربّنا، وأيَّ خيرٍ لَمْ تفعله بنا؟! ألستَ الذي أعنتَنا على سكرات الموت، وآنستْ منا الوَحْشة في ظُلمة القبور، وآمَنتَ روْعتنا عند النفخة في الصُّور؟! ألستَ أقلتَنا عَثراتنا، وسَترتْ علينا القبيح من فِعْلنا، وثبَّتَ على جسر جهنم أقدامنا؟! ألستَ الذي أدنيتَنا من جوارك، وأَسْمعتَنا من لَذاذة مَنطقك، وتَجلّيتَ لنا بنورك؟! فأي خيرٍ لمْ تفعله بنا؟! فيعود عز وجل فيُناديهم بصوته، فيقول: أنا ربّكم الذي صدَقتُكم وعدي، وأَتممتُ عليكم نعمتي، فسَلُوني. فيقولون: نسألك رِضاك. فيقول: برضاي عنكم أقلتُكم عَثراتكم، وسَترتُ عليكم القبيح من أموركم، وأَدنيتُ مني جواركم، وأَسمعتُكم لذاذة مَنطقي، وتَجلّيتُ لكم بنوري، فهذا محلّ كرامتي، فسَلُوني. فيسألونه حتى تنتهي مسألتهم، ثم يقول عز وجل: سَلُوني. فيسألونه حتى تنتهي رغبتهم، ثم يقول عز وجل: سَلُوني. فيقولون: رضينا ربّنا وسلّمنا. فيزيدهم من مزيد فضله وكرامته، ويزيد زهرة الجنة ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خَطر على قلب بشر، ويكون كذلك حتى مقدار متفرقهم من الجُمُعة». قال أنس: فقلتُ: بأبي وأمي يا رسول الله، وما مِقدار تفرُّقهم؟ قال: «كقدْر الجُمُعة إلى الجُمُعة». قال: «ثم يَحمل عرشَ ربّنا العِلِّيون، معهم الملائكة والنّبيّون، ثم يُؤْذَن لأهل الغُرفات فيعودون إلى غُرفهم، وهم غرفتان زُمرُّدتان خَضراوان، وليسوا إلى شيء أشوق منهم إلى يوم الجُمُعة، ليَنظروا إلى ربّهم، وليَزيدهم من مزيد فضله وكرامته». قال أنس: سمعتُه من رسول الله ﷺ وليس بيني وبينه أحد
عن عكرمة مولى ابن عباس: أنّ رسول الله ﷺ غدا يومًا إلى النَّضِير ليسألهم كيف الدِّية فيهم، فلمّا لم يروا مع رسول الله كثيرَ أحد أبْرموا بينهم على أن يقتلوه، ويأخذوا أصحابه أسارى؛ ليذهبوا بهم إلى مكة، ليبيعوهم مِن قريش. فبينما هم على ذلك جاءَ جاءٍ مِن اليهود مِن المدينة، فلمّا رأى أصحابَه يأتمرون بأمر النبي ﷺ قال لهم: ما تريدون؟ قالوا: نريد أن نقتل محمدًا، ونأخذ أصحابه. فقال لهم: وأين محمد؟ قالوا: هذا محمد قريب مِنّا. فقال لهم صاحبهم: واللهِ، لقد تركتُ محمدًا داخل المدينة. فأُسقط بأيديهم، وقالوا: قد أُخبر أنه انقطع ما بيننا وبينه مِن العهد. فانطلق منهم ستون حَبْرًا، ومنهم حُييّ بن أخطَب، والعاصي بن وائل، حتى دخلوا على كعب، وقالوا: يا كعب، أنت سيد قومك ومدحهم، احكم بيننا وبين محمد. فقال لهم كعب: أخبِروني ما عندكم. قالوا: نُعتِق الرّقاب، ونذبح الكَوْماء، وإنّ محمدًا انبتر مِن الأهل والمال. فشَرَّفهم كعبٌ على رسول الله ﷺ، فانقلبوا؛ فأنزل الله: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء:٥١-٥٢]. وأنزل الله عليه فيما أرادوا أن يقتلوه: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكُمْ أيْدِيَهُمْ﴾ الآية [المائدة:١١]. فقال رسول الله ﷺ: «مَن يَكْفِيني كعبًا؟». فقال ناسٌ من أصحابه فيهم محمد بن مَسْلَمة: نحن نكفيكه، يا رسول الله، ونَستحلّ منك شيئًا. فجاءوه، فقالوا: يا كعب، إنّ محمدًا كَلّفنا الصدقة، فبِعْنا شيئًا. -قال عكرمة: فهذا الذين استحلّوه من رسول الله ﷺ- فقال لهم كعب: ارهنوني أولادكم. فقالوا: ذاك عارٌ فينا غدًا؛ قبيح أن يقولوا: عبدُ وسْقِ شعير. قال كعب: فاللَّأْمَة -قال عكرمة: وهي السلاح-. فأصلحوا أمرهم على ذلك، فقالوا له: موعد ما بيننا وبينك القابلة. حتى إذا كانت القابلة راحوا إليه، ورسول الله ﷺ في المُصلّى يدعو لهم بالظَّفَر، فلما جاءوه نادَوه: يا كعب. وكان عروسًا، فأجابهم، فقالت امرأتُه -وهي بنت عُمير-: أين تنزل؟ قد أيقنتُ الساعة ريح الدّم. فهبط وعليه مِلْحَفة مُوَرَّسة، وله ناصية، فلمّا نزل إليهم قال القوم: ما أطيبَ ريحكَ! ففرح بذلك، فقام إليه محمد بن مَسْلَمة، فقال قائل المسلمين: أشِمُّونا من ريحه. فوضع يدَه على ثوب كعب، وقال: شُمُّوا. فشَمّوا، وهو يظن أنهم يُعجبون بريحه، ففرح بذلك، فقال محمد بن مَسْلَمة: بَقيتُ أنا أيضًا. فمضى إليه، فأخذ بناصيته، ثم قال: اجلدوا عنقه. فجلدوا عنقه، ثم إنّ رسول الله ﷺ غدا إلى النَّضِير، فقالوا: ذَرنا نبكِ سيدَنا. قال: «لا». قالوا: فحَزَّة على حَزَّة. قال: «نعم، حَزَّة على حَزَّة». فلما رَأَوا ذلك جعلوا يأخذون مِن بطون بيوتهم الشيء ليَنجُوا به، والمؤمنون يُخرِبون بيوتهم مِن خارجٍ ليدخلوا عليهم، فلولا أن كتب الله عليهم الجلاء -قال عكرمة: والجلاء يُجلَون منهم- لقَتَلهم بأيديهم. وقال عكرمة: إنّ ناسًا مِن المسلمين لَمّا دخلوا على بني النَّضِير أخذوا يَقطعون النخل، فقال بعضهم لبعض: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة:٢٠٥]. وقال قائل من المسلمين: ﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا﴾ [التوبة:١٢١]، ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ [التوبة:١٢٠]. فأنزل الله: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ﴾ وهي النخلة، ﴿أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ قال: ما قَطعتم فبإذني، وما تَركتم فبإذني
عن مالك بن أوس بن الحَدَثان، قال: بعث إليّ عمر بن الخطاب في الهاجرة، فجئتُه، فدخلتُ عليه، فإذا هو جالسٌ على سرير، ليس بينه وبين رَمْل السرير فراش، مُتّكِئ على وسادة مِن أدَم، فقال: يا مالك، إنه قدم علينا أهلُ أبيات من قومك، وإني قد أمرتُ فيهم بِرَضْخ، فخُذه، فاقسِمه بينهم. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنهم قومي، وأنا أكره أن أدخل بهذا عليهم، فمُرْ به غيري. فإني لأراجعه في ذلك إذ جاءه يَرْفَأ غلامه، فقال: هذا عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف. فأذِن لهم، فدَخلوا، ثم جاءه يَرْفَأ، فقال: هذا عليٌّ، وعباس. قال: ائذن لهما. فدخلا. فقال عباس: ألا تعدِيني على هذا؟ فقال القوم: يا أمير المؤمنين، اقضِ بين هذين، وأَرِح كلَّ واحد منهما مِن صاحبه؛ فإنّ في ذلك راحةً لك ولهما. فجلس عمر، ثم قال: اتَّئِدُوا. وحَسر عن ذراعيه، ثم قال: أنشُدُكم بالله -أيها الرّهط-، هل سمعتم رسول الله ﷺ قال: «إنّا لا نُورَث، ما تَركنا صدقة، إنّ الأنبياء لا تُورَث»؟ فقال القوم: نعم، قد سمعنا ذاك. ثم أقبل على علي، وعباس، فقال: أنشُدُكما بالله، هل سمعتما رسول الله ﷺ قال ذاك؟ قالا: نعم. فقال عمر: ألا أُحدّثكم عن هذا الأمر، إنّ الله خصّ نبيّه مِن هذا الفيء بشيء، لم يُعطه غيره -يريد: أموال بني النَّضِير، كانت نَفلًا لرسول الله ﷺ ليس لأحد فيها حقٌّ معه-، فواللهِ، ما احتواها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد قَسّمها فيكم حتى أمسك منها هذا المال، فكان رسول الله ﷺ يُدخل منه قُنْيَة أهله لسَنَتهم، ويجعل ما بقي في سُبل المال، حتى تَوفّى الله نبيّه ﷺ، فقام أبو بكر، فقال: أنا وليّ رسول الله ﷺ، أعمل بما كان يعمل، وأسير بسِيرته في حياته. فكان يُدخل من هذا المال قُنية أهل رسول الله ﷺ لسَنَتهم، ويجعل ما بقي في سُبل المال، كما كان يصنع رسول الله ﷺ، فَوَلِيها أبو بكر حياته حتى تُوفّي، فلمّا تُوفّي أبو بكر قلتُ: أنا وليّ رسول الله ﷺ، ووليّ أبي بكر، أعمل بما كانا يعملان به في هذا المال. فقبضتُها، فلما أقبلتما عليّ، وأدبرتما، وبدا لي أنْ أدفعها إليكما، أخذتُ عليكما عهد الله وميثاقه لتَعمَلان فيها بما كان رسول الله ﷺ يعمَل به فيها، وأبو بكر، وأنا، حتى دفعتُها إليكما، أنشُدُكم بالله -أيّها الرّهط- هل دفعتُها إليهما بذلك؟ قالوا: اللهم، نعم. ثم أقبلَ عليهما، فقال: أنشُدُكما بالله هل دفعتُها إليكما بذلك؟ قالا: نعم. قال: فقضاءً غير ذلك تلتمسان مِنِّي؟! فلا، واللهِ، لا أقضي فيها قضاء حتى تقوم الساعة غير ذلك، فإن كنتما عَجَزتما عنها، فأدِّياها إلَيّ. ثم قال عمر: إنّ الله قال: ﴿وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهُمْ فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فكانت لرسول الله ﷺ، ثم قال: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى﴾ إلى آخر الآية: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ثم -واللهِ- ما أعطاها هؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾، ثم -واللهِ- ما جعلها لهؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدّارَ والإيمانَ﴾ إلى ﴿المُفْلِحُونَ﴾، ثم -واللهِ- ما أعطاها لهؤلاء وحدهم حتى قال: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ إلى قوله: ﴿رَحِيمٌ﴾، فقَسَمها هذا القَسْم على هؤلاء الذين ذَكر. قال عمر: لَئِن بَقيتُ لَيَأتينّ الرُّوَيْعيَّ بصنعاء حقُّه ودمُه في وجهه
عن ابن عباس، قال: لما نزلت: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ الآية؛ قال سعد بن عبادة -وهو سيِّد الأنصار-: أهكذا أُنزِلت، يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: «يا معشر الأنصار، ألا تسمعون ما يقول سيِّدُكم؟!». قالوا: يا رسول الله، لا تُلْمُه؛ فإنّه رجل غيور، واللهِ، ما تزوَّج امرأةً قطُّ إلا بِكْرًا، وما طلَّق امرأةً له قطُّ فاجترأ رجلٌ مِنّا على أن يتزوجها مِن شدة غيرته. فقال سعد: واللهِ، يا رسول الله، إنِّي لأعلم أنها حقُّ، وأنّها من الله، ولكني تعجبتُ أنِّي لو وجدت لَكاعًا قد تَفَخَّذها رجلٌ لم يكن لي أن أهيجه ولا أُحَرِّكه حتى آتي بأربعة شهداء! فواللهِ، لا آتي بهم حتى يقضي حاجتَه. قال: فما لبثوا إلا يسيرًا حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، فجاء مِن أرضه عِشاءً، فوجد عند أهله رجلًا، فرأى بعينه، وسمع بأذنيه، فلم يُهِجْه حتى أصبح، فغدا على رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني جئتُ أهلي عِشاءً، فوجدت عندها رجلًا، فرأيت بعيني، وسمعت بأذني. فكَرِه رسول الله ﷺ ما جاء به، واشْتَدَّ عليه، واجتمعت الأنصار، فقالوا: قد ابتُلِينا بما قال سعدُ بن عبادة، الآن يضرب رسولُ الله ﷺ هلالَ بنَ أمية، وتَبْطُل شهادتُه في المسلمين. فقال هلال: واللهِ، إنِّي لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجًا. فقال: يا رسول الله، إنِّي قد أرى ما اشْتَدَّ عليك مِمّا جئت بهُ، واللهُ يعلمُ أنّي لَصادق. فواللهِ، إنّ رسول الله ﷺ يريد أن يأمر بضربه إذ نزل على رسول الله ﷺ الوحيُ، وكان إذا نزل عليه الوحيُ عرفوا ذلك في تَرَبُّد جلده، فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي، فنزلت: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ الآية، فسُرِّي عن رسول الله ﷺ، فقال: «أبشِرْ، يا هلال، قد جعل الله لك فرجًا ومخرجًا». فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربِّي. فقال رسول الله ﷺ: «أرسلوا إليها». فجاءت، فتلاها رسول الله ﷺ عليهما، وذكَّرهما، وأخبرهما أنّ عذاب الآخرة أشدُّ من عذاب الدنيا، فقال هلال: واللهِ، يا رسول الله، لقد صدقتُ عليها. فقالت: كَذَب. فقال رسول الله ﷺ: «لاعِنوا بينهما». فقيل لهلال: اشهد. فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كان في الخامسة قيل لهلال: اتَّقِ الله، فإنّ عذاب الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرة، وإنّ هذه المُوجِبَة التي تُوجِب عليك العذاب. فقال: واللهِ، لا يُعَذِّبني اللهُ عليها كما لم يجلدني عليها. فشهد في الخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان مِن الكاذبين، ثم قيل لها: اشهدي. فشهدتْ أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت في الخامسة قيل لها: اتَّقي الله، فإنّ عذاب الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة، وإنّ هذه المُوجِبة التي تُوجِب عليك العذاب. فتَلَكَّأتْ ساعةً، وقالت: واللهِ، لا أفضح قومي. فشهدت في الخامسة أنّ غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرَّق رسولُ الله ﷺ بينهما، وقضى أنّه لا يُدعى لأبٍ، ولا تُرمى ولا يُرمى ولدها مِن أجل الشهادات الخمس، وقضى رسول الله ﷺ أنّه ليس لها قوت ولا سكنى ولا عِدَّة؛ من أجل أنّهما تَفَرَّقا مِن غير طلاق، ولا مُتَوَفى عنها
عن وهب بن مُنَبِّه -من طريق عبد الصمد بن معقل- قال: لَمّا اشتملت مريمُ على الحمل كان معها قَرابَةٌ لها، يقال له: يوسف النجار، وكانا مُنطَلِقَيْن إلى المسجد الذي عند جبل صهيون، وكان ذلك المسجدُ يومئذٍ مِن أعظم مساجدهم، فكانت مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد، في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم، فرَغِبا في ذلك، فكانا يَلِيان معالجته بأنفسهما؛ تَحْبِيرَه وكُناسَتَه وطهوره وكل عمل يُعْمَل فيه، وكان لا يُعْلَم مِن أهل زمانهما أحدٌ أشدُّ اجتهادًا وعبادةً منهما، فكان أول مَن أنكر حمل مريم صاحبها يوسف، فلمّا رأى الذي بها اسْتَعْظَمَهُ، وعظم عليه، وفظع به، فلم يدرِ على ماذا يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعةً قط، وإذا أراد أن يُبَرِّئها رأى الذي ظَهَر عليها، فلمّا اشْتَدَّ عليه ذلك كَلَّمَها، فكان أول كلامه إيّاها أن قال لها: إنّه قد حَدَث في نفسي مِن أمْرِكِ أمْرٌ قد خشيته، وقد حرصت على أن أُميْتَه وأكتمه في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت الكلام فيه أشفى لصدري. قالت: فقُل قولًا جميلًا. قال: ما كنتُ لِأقول لكِ إلا ذلك، فحدِّثيني، هل ينبت زرعٌ بغير بَذْرٍ؟ قالت: نعم. قال: فهل تنبت شجرةٌ مِن غير غَيْثٍ يُصيبها؟ قالت: نعم. قال: فهل يكون ولد مِن غير ذَكَر؟ قالت: نعم؛ ألم تعلم أنّ الله -تبارك وتعالى- أنبَتَ الزَّرْعَ يوم خلقه مِن غير بِذْر، والبِذْرُ يومئذٍ إنّما صار مِن الزَّرع الذي أنبته الله مِن غير بذر؟ أوَلَم تعلم أنّ الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث، وأنّه جعل بتلك القدرة الغيثَ حياةً للشجر بعد ما خلق كلَّ واحدٍ منهما وحده، أم تقول: لن يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء، ولولا ذلك لم يقدر على إنباته؟ قال يوسف لها: لا أقول هذا، ولكنِّي أعلم أن الله -تبارك وتعالى- بقدرته على ما يشاء يقول لذلك: كن. فيكون. قالت مريم: أوَلَم تعلم أنّ الله -تبارك وتعالى- خلق آدمَ وامرأتَه من غير أنثى ولا ذَكَر؟ قال: بلى. فلمّا قالت له ذلك وقع في نفسه أنّ الذي بها شيءٌ من الله -تبارك وتعالى-، وأنّه لا يَسَعُهُ أن يسألها عنه، وذلك لِما رأى مِن كتمانها لذلك، ثُمَّ تَوَلّى يوسفُ خِدمة المسجد، وكفاها كلَّ عمل كانت تعمل فيه، وذلك لِما رأى مِن رِقَّة جِسمها، واصفرار لونها، وكَلَفِ وجهِها، ونُتُوِّ بطنِها، وضعف قوتها، ودأبِ نظرها، ولم تكن مريم قبل ذلك كذلك، فلمّا دنا نِفاسُها أوحى الله إليها أن اخرجي مِن أرض قومك، فإنّهم إن ظَفِرُوا بك عيَّروك، وقتلوا ولدك، فأفضت ذلك إلى أختها، وأختُها حينئذ حُبْلى، وقد بُشِّرَت بيحيى، فلمّا التقيا وجدت أمُّ يحيى ما في بطنها خرَّ لوجهه ساجدًا مُعْتَرِفًا بعيسى، فاحتملها يوسفُ إلى أرض مصر على حمارٍ له ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الإكافِ شيء، فانطلق يوسف بها حتى إذا كان مُتاخِمًا لأرض مصر في منقطع بلاد قومها أدرك مريمَ النفاسُ، فألجأها إلى آريِّ حمار -يعني: مِذْودَ الحمار- وأصل نخلة، وذلك في زمان بردٍ أو حَرٍّ -الشك من أبي جعفر-، فاشتد على مريم المخاض، فلمّا وجدت منه شِدَّةً التجأت إلى النخلة، فاحتضنتها، واحْتَوَشَتْها الملائكةُ، قاموا صفوفًا مُحْدِقِين بها
عن حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاني جبريلُ وفي كفِّه مِرآة كأحسن المرائي وأضوئها، وإذا في وسطها لمعة سوداء، فقلت: لِمَن هذه اللمعة التي أرى فيها؟ قال: هذه الجمعة. قلت: وما الجمعة؟ قال: يوم مِن أيام ربك تعالى عظيم، وأخبرك بفضله وشرفه في الدنيا وما يرجى فيه لأهله، وأخبرك باسمه في الآخرة؛ وأما شرفه وفضله في الدنيا فإن الله جمع فيه أمر الخلق، وأمّا ما يرجى فيه لأهله فإن فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم أو أمَة مسلمة يسألان الله فيها خيرًا إلا أعطاهما إياه، وأما شرفه وفضله في الآخرة واسمه فإن الله عز وجل إذا صير أهل الجنة إلى الجنة وأهلَ النار إلى النار جَرَت عليهم هذه الأيام وهذه الليالي ليس فيها ليل ولا نهار، فأعلم الله عز وجل مقدار ذلك وساعاته، فإذا كان يوم الجمعة -حين يخرج أهل الجمعة إلى جمعتهم- نادى أهلَ الجنة مُنادٍ: يا أهل الجنة، اخرجوا إلى وادي المزيد. قال: ووادي المزيد لا يعلم سعته وطوله وعرضه إلا الله، فيه كثبان المسك، رؤوسها في السماء، يعني الذي قال، فيخرج غلمان الأنبياء بمنابر، ويخرج غلمان المؤمنين بكراسي من ياقوت، فإذا وضعت لهم وأخذ القوم مجالسهم بعث الله عليهم ريحًا تدعى المثيرة، تثير ذلك المسك، وتدخله من تحت ثيابهم، وتخرجه من وجوههم وأشعارهم، تلك الريح أعلم كيف تصنع بذلك المسك مِن امرأة أحدكم لو دفع إليها كل طيب على وجه الأرض، فقيل لها: لا يمنعك فيه قلة. كانت تلك الريح أعلم بما تصنع بذلك المسك من تلك المرأة لو دفع إليها من ذلك الطيب. قال: ثم يوحي الله عز وجل إلى حملة عرشه، فوضعوه بين أظهرهم، فيكون أول ما يسمعون منه: أين عبادي الذين أطاعوني بالغيب ولم يروني، وصدقوا رسلي، واتبعوا أمري، فسألوني، فهذا يوم المزيد. فيجتمعون على كلمة واحدة: ربنا رضينا عنك فارض عنا. ويرجع الله إليهم: أن يا أهل الجنة، لو لم أرض عنكم لم أسكنكم دياري، فما تسألوني؟ فهذا يوم المزيد. فيجتمعون على كلمة واحدة: ربِّ، وجهك ننظر إليه. فيكشف الله عن تلك الحُجُب، فيتَجَلّى لهم، فيغشاهم من نوره شيء لولا أنه قضى أنهم لا يحترقون لاحترقوا مما يغشاهم من نوره، ثم يقول لهم: ارجعوا إلى منازلكم. فيرجعون إلى منازلهم، وقد أعطي كل واحد منهم الضعف على ما كانوا فيه، فيرجعون إلى أزواجهم، وقد خفوا عليهن وخفين عليهم مما غشيهم من نوره، فإذا رجعوا فلا يزال النور حتى يرجعوا إلى صورهم التي كانوا عليها، فيقول لهم أزواجهم: لقد خرجتم من عندنا على صورة ورجعتم في غيرها. فيقولون: ذلك أن الله عز وجل تَجَلّى لنا فنظرنا منه. قال: إنّه -واللهِ- ما أحاط به خلقٌ، ولكنه أراهم من عظمته وجلاله ما شاء أن يريهم، فذكر قوله، فنظرنا منه، قال: وهم يتقلبون في مسك الجنة ونعيمها في كل سبعة أيام الضعف على ما كانوا فيه». قال رسول الله ﷺ: «فذلك قول الله عز وجل: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾»
عن عبد الله بن عباس -من طريق يوسف بن مهران-: أنّ الشيطان عرج إلى السماء، فقال: يا ربِّ، سلِّطني على أيوب. قال الله: قد سلَّطتك على ماله وولده، ولم أسلِّطك على جسده. فنزل، فجمع جنوده، فقال لهم: قد سُلِّطت على أيوب؛ فأروني سلطانكم. فصاروا نيرانًا، ثم صاروا ماء، فبينما هم بالمشرق إذا هو بالمغرب، وبينما هم بالمغرب إذا هو بالمشرق، فأرسل طائفةً منهم إلى زرعه، وطائفة إلى إبله، وطائفة إلى بقره، وطائفة إلى غنمه، وقال: إنّه لا يعتصم منكم إلا بالمعروف. فأتَوه بالمصائب بعضها على بعض، فجاء صاحب الزرع، فقال: يا أيوب، ألم تر إلى ربك أرسل على زرعك نارًا فأحرقتْه؟! ثم جاء صاحب الإبل، فقال: يا أيوب، ألم تر إلى ربك أرسل على إبلك عدوًّا فذهب بها؟! ثم جاءه صاحب البقر، فقال: يا أيوب، ألم تر إلى ربك أرسل على بقرك عدوًّا فذهب بها؟! ثم جاءه صاحب الغنم، فقال: يا أيوب، ألم تر إلى ربك أرسل على غنمك عدوًّا فذهب بها؟! وتفرَّد هو لبنيه، فجمعهم في بيت أكبرهم، فبينما هم يأكلون ويشربون إذ هبَّت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم، فجاء الشيطان إلى أيوب بصورة غلام بأذنيه قُرْطان، فقال: يا أيوب، ألم تر إلى ربك جمع بنيك في بيت أكبرهم، فبينما هم يأكلون ويشربون إذ هبّت ريح، فأخذت بأركان البيت، فألقته عليهم؟! فلو رأيتَهم حين اختلطت دماؤهم ولحومهم بطعامهم وشرابهم. فقال له أيوب: فأين كنتَ أنت؟ قال: كنتُ معهم. قال: فكيف انفلتَّ؟! قال: انفلتُّ. قال أيوب: أنت الشيطان. ثم قال أيوب: أنا اليوم كيوم ولدتني أمي. فقام فحلق رأسه، وقام يصلي، فرنَّ إبليس رنَّة سمعها أهلُ السماء وأهل الأرض، ثم عرج إلى السماء، فقال: أي ربِّ، إنه قد اعتصم، فسلِّطني عليه؛ فإني لا أستطيعه إلا بسلطانك. قال: قد سلَّطتُك على جسده، ولم أسلِّطك على قلبه. فنزل، فنفخ تحت قدمه نفخة فَرَّج ما بين قدميه إلى قرنه، فصار فرجة واحدة، وأُلقي على الرماد حتى بدا حِجاب قَلْبِه، فكانت امرأتُه تسعى عليه، حتى قالت له: أما ترى، يا أيوب؛ قد نزل بي -واللهِ- مِن الجَهد والفاقة ما أن بِعتُ قروني برغيف فأطعمتُك، فادعُ الله أن يشفيك ويريحك. قال: ويحك! كنا في النعمة سبعين عامًا، فاصبري حتى نكون في الضُّر سبعين عامًا. فكان في البلاء سبع سنين، ودعا، فجاء جبريل ذات يوم، فأخذ بيده، ثم قال: قم. فقام، فنحاه عن مكانه، وقال: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾. فرَكَض برجله، فنبعتْ عين، فقال: اغتسِل. فاغتسلَ منها، ثم جاء أيضًا فقال: اركُض. فركض برجله، فنبعتْ عين أخرى، فقال له: اشرب منها. وهو قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وشَرابٌ﴾، وألبسه الله حُلّة من الجنة، فتنحى أيوب، فجلس في ناحية، وجاءت امرأته فلم تعرفه، فقالت: يا عبد الله، أين المُبتلى الذي كان ههنا، لعلَّ الكلاب ذهبت به أو الذئاب! وجعلت تكلِّمه ساعة، فقال: ويحكِ! أنا أيوب، قد ردَّ الله عليَّ جسدي. وردَّ عليه ماله وولده عيانًا، ومثلهم معهم، وأمطر عليهم جَرادًا من ذَهَبٍ، فجعل يأخذ الجراد بيده، ثم يجعله في ثوبه، وينشر كساءه ويأخذه، فيجعل فيه، فأوحى الله إليه: يا أيوب، أما شبعتَ؟ قال: يا رب، مَن ذا الذي يشبع مِن فضلك ورحمتك؟!
عن عبد الله بن مسعود -من طريق أبي الزّعراء- أنه ذُكر عنده الدَّجّال، فقال: يفترق الناس ثلاث فِرق؛ فرقة تَتْبعه، وفرقة تَلحق بأرض آبائها؛ مَنابتَ الشّيح، وفرقة تأخذ شَطّ الفُرات، فيُقاتلهم ويقاتلونه، حتى يجتمع المؤمنون بقُرى الشام، فيَبعثون إليه طليعة فيهم فارس على فَرسٍ أشقر أو أبْلق، فيُقتلون لا يرجع إليهم شيء، ثم إنّ المسيح ينزل فيَقتله، ثم يَخرج يأجوج ومأجوج، فيمُوجون في الأرض، فيُفسدون فيها. ثم قرأ عبد الله: ﴿وهُمْ مِن كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦]. ثم يَبعث الله عليهم دابة مثل هذه النَّغَفَة، فتَدخل في أسماعهم ومناخرهم، فيَموتون منها، فتُنتِن الأرض منهم، فيَجْأر أهلُ الأرض إلى الله، فيُرسل الله ماءً، فيُطهّر الأرض منهم، ثم يَبعث ريحًا فيها زمهرير باردة، فلا تَدعُ على وجه الأرض مؤمنًا إلا كُفِئتْ بتلك الريح، ثم تقوم الساعة على شرار الناس، ثم يقوم مَلك الصور بين السماء والأرض فيَنفخ فيه، فلا يَبقى خَلْقٌ لله في السماوات والأرض إلا مات إلا مَن شاء ربّك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من ابن آدم خَلْقٌ إلا وفي الأرض منه شيء، ثم يُرسل الله ماءً مِن تحت العرش، مَنيًّا كمنيّ الرجال، فتَنبُتُ جسمانهم ولحمانهم مِن ذلك الماء كما تَنبُتُ الأرض من الثَّرى. ثم قرأ عبد الله: ﴿واللَّهُ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحابًا فَسُقْناهُ إلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩]. ثم يقوم مَلَك بالصور بين السماء والأرض، فيَنفخ فيه، فتَنطلِق كلُّ نفسٍ إلى جسدها حتى تَدخل فيه، فيَقومون، فيَجيئون مجيئة رجل واحد قيامًا لربّ العالمين، ثم يَتمَثَّل اللهُ للخَلْق، فيَلقاهم، فليس أحدٌ مِن الخَلْق يعبد من دون الله شيئًا إلا هو مُرتفع له يَتَّبعه، فيَلقى اليهود، فيقول: ما تعبدون؟ فيقولون: نعبد عُزَيْرًا. فيقول: هل يَسُرّكم الماء؟ قالوا: نعم، فيُريهم جهنم كهيئة السّراب. ثم قرأ عبد الله: ﴿وعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف:١٠٠]. ثم يَلقى النصارى، فيقول: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: المسيح. فيقول: هل يَسُرُّكم الماء؟ قالوا: نعم. فيُريهم جهنم كهيئة السّراب، وكذلك لِمَن كان يعبد من دون الله شيئًا. ثم قرأ عبد الله: ﴿وقِفُوهُمْ إنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]. حتى يَمُرّ المسلمون، فيَلقاهم، فيقول: مَن تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله ولا نُشرك به شيئًا. فيَنتهِرهم مرة أو مرتين: مَن تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله ولا نُشرك به شيئًا. فيقول: هل تَعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحان الله، إذا اعترف لنا عَرفناه. فعند ذلك ﴿يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾، فلا يَبقى مؤمن إلا خَرّ لله ساجدًا، ويَبقى المنافقون ظهورهم طَبقٌ واحد كأنما فيها السَّفافِيدُ، فيقولون: ربّنا. فيقول: قد كنتم تُدعَون إلى السجود وأنتم سالمون. ثم يُؤمر بالصراط، فيُضرب على جهنم، فتَمُرّ الناس بأعمالهم زُمَرًا؛ أوائلهم كلمْح البصر، أو كلمْح البَرْق، ثم كمَرّ الريح، ثم كمَرّ الطير، ثم كأسرع البهائم، ثم كذلك، حتى يجيء الرجل سَعيًا، حتى يجيء الرجل مشيًا، حتى يجيء آخرهم رجل يَتكفّأ على بطنه، فيقول: يا ربّ، أبطأتَ بي. فيقول: إنما أبطأ بك عملُك. ثم يأذن الله في الشفاعة، فيكون أول شافع جبريل، ثم إبراهيم خليل الله، ثم موسى -أو قال: عيسى- ثم يقوم نبيّكم ﷺ رابعًا لا يَشفع أحد بعده فيما يَشفع فيه، وهو المقام المحمود الذي وعده الله: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]. فليس من نفسٍ إلا تَنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسْرة، فيَرى أهلُ النار البيت الذي في الجنة، فيقال: لو عَمِلتم. ويَرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال: لولا أن منّ الله عليكم. ثم يَشفع الملائكة والنّبيّون والشهداء والصالحون والمؤمنون، فيُشَفّعهم الله، ثم يقول: أنا أرحم الراحمين. فيُخرج من النار أكثر مما أخرَج من جميع الخَلْق برحمته، حتى ما يَترك فيها أحدًا فيه خير. ثم قرأ عبد الله: قل يا أيها الكفار: ﴿ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿وكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٢-٤٦]. قال: تَرون في هؤلاء أحدًا فيه خير؟ لا، وما يَترك فيها أحدًا فيه خير، فإذا أراد الله أن لا يُخرج منها أحدًا غَيّر وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل مِن المؤمنين، فيَشفع، فيقال له: مَن عرف أحدًا فليُخرجه. فيجيء الرجل، فينظر، فلا يَعرف أحدًا، فيقول الرجل للرجل: يا فلان، أنا فلان. فيقول: ما أعرفك. فيقولون: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾. فيقول: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٧، ١٠٨]. فإذا قال ذلك أُطبقتْ عليهم، فلم يَخرج منهم بشر
عن سالم أبي النضر -من طريق محمد بن إسحاق- أنّه حدث: أنّ موسى لَمّا نزل في أرض بني كنعان من أرض الشام أتى قومُ بلعم إلى بلعم، فقالوا له: يا بلعم، إنّ هذا موسى بن عمران في بني إسرائيل قد جاء يخرجنا من بلادنا، ويقتلنا، ويُحِلُّها بني إسرائيل، ويسكنها، وإنّا قومُك، وليس لنا منزل، وأنت رجلٌ مُجابُ الدعوة، فاخرج وادعُ الله عليهم. فقال: ويلَكم، نبيُّ الله معه الملائكة والمؤمنون، كيف أذهب أدعو عليهم وأنا أعلم مِن الله ما أعلم؟! قالوا: ما لنا مِن منزل. فلم يزالوا به يُرَقِّقونه، ويتَضَرَّعون إليه حتى فتنوه، فافْتُتِن. فركب حمارةً له متوجهًا إلى الجبل الذي يُطْلِعه على عسكر بني إسرائيل، وهو جبل: حُسْبانَ، فلمّا سار عليها غيرَ كثير رَبَضَتْ به، فنزل عنها، فضربها، حتى إذا أذْلَقها قامتْ، فرَكِبَها، فلم تَسِرْ به كثيرًا حتى رَبَضَتْ به، ففعل بها مثل ذلك، فقامتْ، فركبها، فلم تَسِر به كثيرًا حتى رَبَضَتْ به، فضربها حتى إذا أذلقها أذِنَ الله لها، فكلَّمَتْهُ حُجَّةً عليه، قالت: ويحك، يا بلعمُ، أين تذهب؟! أما ترى الملائكة أمامي تَرُدُّني عن وجهي هذا؟! أتذهب إلى نبيِّ الله والمؤمنين تدعو عليهم؟! فلم ينزع عنها يضربها، فخلّى اللهُ سبيلًها حين فعل بها ذلك. قال: فانطلقت به، حتى إذا أشرفت على رأس جبل حُسْبانَ، على عسكر موسى وبني إسرائيل؛ جعل يدعو عليهم، فلا يدعو عليهم بشيء إلا صرف به لسانه إلى قومه، ولا يدعو لقومه بخير إلا صرف لسانه إلى بني إسرائيل. قال: فقال له قومه: أتدري -يا بلعم- ما تصنع؟ إنما تدعو لهم، وتدعو علينا، قال: فهذا ما لا أملك، هذا شيءٌ قد غلب الله عليه. قال: واندَلَعَ لسانُه، فوقع على صدره، فقال لهم: قد ذَهَبَتِ الآنَ مِنِّي الدنيا والآخرة، فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم وأحتال، جَمِّلُوا النساء، وأعطوهن السِّلَع، ثم أرسِلُوهُنَّ إلى العسكر يَبِعْنَها فيه، ومُرُوهُنَّ فلا تمنعُ امرأةٌ نفسها من رجل أرادها، فإنهم إن زنى منهم واحدٌ كُفِيتُموهم. ففعلوا، فلمّا دخل النساءُ العسكرَ مَرَّت امرأةٌ مِن الكنعانيين -اسمها: كسى ابنة صور رأس أُمَّتِه- برجل من عظماء بني إسرائيل، وهو زمرى بن شَلُومَ، رأسُ سِبْطِ شَمْعُون بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فقام إليها، فأخذ بيدها حين أعجبه جمالها، ثم أقبل بها، حتى وقف بها على موسى عليه السلام، فقال: إنِّي أظنُّك ستقول: هذه حرام عليك؟ فقال: أجل، هي حرام عليك، لا تقربها. قال: فواللهِ، لا نطيعك في هذا، فدخل بها قُبَّتَه، فوقع عليها. وأرسل اللهُ الطاعونَ في بني إسرائيل، وكان فِنْحاصُ بن العَيْزارِ بن هارون صاحبَ أمر موسى، وكان رجلًا قد أُعْطِي بَسْطَةً في الخلق، وقُوَّةً في البطش، وكان غائبًا حين صنع زمرى بن شَلُومَ ما صنع، فجاء والطاعون يَحُوسُ في بني إسرائيل، فأُخْبِر الخبر، فأخذ حربته، وكانت من حديدٍ كلها، ثم دخل عليه القُبَّة وهما متضاجعان، فانتظمهما بحربته، ثم خرج بهما رافعهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه، واعتمد بمرفقه على خاصرته، وأسند الحربة إلى لحييه، وكان بِكْرَ العَيْزارِ، وجعل يقول: اللَّهُمَّ، هكذا نفعل بمن يعصيك. ورُفِع الطاعون، فحُسِب مَن هَلَك مِن بني إسرائيل في الطاعون فيما بين أن أصاب زمرى المرأة إلى أن قتله فِنْحاصُ، فوجدوا قد هلك منهم سبعون ألفًا، والمُقَلِّل يقول: عشرون ألفًا في ساعة من النهار. فمن هنالك يعطي بنو إسرائيل ولد فِنْحاصَ بن العَيْزارِ بن هارون مِن كل ذبيحة ذبحوها القِبَةَ والذراعَ واللَّحْيَ؛ لاعتماده بالحربة على خاصرته، وأخذه إياها بذراعه، وإسناده إياها إلى لحيته، والبِكْرَ مِن كل أموالهم وأنفسهم؛ لأنه كان بِكرَ العَيْزارِ. ففي بَلْعَمَ بن باعورا أنزل الله على محمد ﷺ: ﴿واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها﴾ يعني: بَلْعَمَ، ﴿فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين﴾ إلى قوله: ﴿لعلهم يتفكرون﴾
عن أنس بن مالك -من طريق النّضر- قال: إنّ الله إذا أسكن أهلَ الجنّةِ الجنّةَ، وأهل النارِ النارَ؛ هبط إلى مَرجٍ مِن الجنة أفْيح، فمدّ بينه وبين خلْقه حُجُبًا مِن لؤلؤ، وحُجُبًا من نور، ثم وُضِعتْ منابر النور، وسُرُر النور، وكراسي النور، ثم أُذِن لرجل على الله، بين يديه أمثال الجبال مِن النور، يُسمع دويّ تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم، فمَدّ أهلُ الجنة أعناقَهم، فقيل: مَن هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا المَجْبُول بيده، والمعلَّم الأسماء، أُمِرت الملائكة فسَجدتْ له، والذي أُبيحتْ له الجنّة؛ آدم، قد أُذن له على الله. ثم يُؤذن لرجل آخر بين يديه أمثال الجبال مِن النور، يُسمَع دويّ تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم، فمَدّ أهل الجنّة أعناقهم، فقيل: مَن هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا الذي قد اتَّخذه الله خليلًا، وجُعِلَت النار عليه بردًا وسلامًا؛ إبراهيم، قد أُذن له على الله. ثم أُذن لرجل آخر على الله بين يديه أمثال الجبال مِن النور، يُسمَع معه دويّ تسبيح الملائكة، وصَفْق أجنحتهم، فمَدّ أهلُ الجنّة أعناقهم، فقيل: مَن هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا الذي اصطفاه الله برسالته، وقرّبه نجيًّا، وكلّمه كلامًا؛ موسى، قد أُذن له على الله. ثم يُؤذن لرجل آخر معه مثل جميع مواكب النّبيّين قبله، من بين يديه أمثال الجبال مِن النور، يُسمَع دويّ تسبيح الملائكة معه، وصَفْق أجنحتهم، فمَدّ أهل الجنّة أعناقهم، فقيل: مَن هذا الذي قد أُذِن له على الله؟ فقيل: هذا أول شافع، وأول مُشفّع، وأكثر الناس واردة، وسيد ولد آدم، وأول مَن تنشقّ عن ذؤابته الأرض، وصاحب لواء الحمد، قد أُذِن له على الله. فجلس النّبيّون على منابر النور، والصِّدّيقون على سُرر النور، والشهداء على كراسي النور، وجلس سائر الناس على كُثْبان المِسْك الأذْفر الأبيض، ثم ناداهم الرّبّ تعالى مِن وراء الحُجُب: مرحبًا بعبادي وزُوّاري وجيراني ووفْدي، يا ملائكتي، انهَضُوا إلى عبادي فأطعِموهم. فقَرّبتْ إليهم مِن لحوم طيرٍ كأنها البُخْتُ، لا ريش لها ولا عَظْم، فأكَلوا، ثم ناداهم الرّبّ عز وجل مِن وراء الحُجُب: مرحبًا بعبادي وزواري وجيراني ووفدي، أكَلوا؟ اسقُوهم. فنهض إليهم غِلمانٌ كأنهم اللؤلؤ المكنون بأباريق الذهب والفِضّة بأشربةٍ مختلفة لذيذة، لذّة آخرها كلذّة أولها، لا يُصدّعون عنها ولا يُنزِفون. ثم ناداهم الرّبّ عز وجل من وراء الحُجُب: مرحبًا بعبادي وزُوّاري وجيراني ووفْدي، أكلوا وشربوا؟ فكِّهوهم. فيُقَرّب إليهم على أطباق مُكلَّلة بالياقوت والمَرْجان، مِن الرّطب الذي سمّى الله، أشدّ بياضًا من اللبن، وأطيب عذوبة من العسل. فأكلوا، ثم ناداهم الرّبّ مِن وراء الحُجُب: مرحبًا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفْدي، أكلوا وشربوا وفَكِهوا؟ اكسُوهم. ففُتِحتْ لهم ثمار الجنة بحُلَلٍ مصقُولة بنور الرحمن، فأُلبِسوها، ثم ناداهم الرّبّ عز وجل من وراء الحُجُب: مرحبًا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفْدي، أكلوا وشربوا وفَكِهوا وكُسوا؟ طيِّبوهم. فهاجتْ عليهم ريح -يُقال لها: المُثيرة- بأباريق المِسْك الأبيض الأذْفر، فنَفَحَتْ على وجوههم من غير غُبار ولا قَتامٍ، ثم ناداهم الرّبّ عز وجل من وراء الحُجُب: مرحبًا بعبادي وزوّاري وجيراني ووفْدي، أكلوا وشربوا وفَكِهوا وكُسوا وطُيّبوا، وعزّتي، لأتجلّين لهم حتى ينظروا إليّ. فذلك انتهاء العطاء، وفضْل المزيد، فتجلّى لهم الرّبّ، ثم قال: السلام عليكم عبادي، انظروا إلَيَّ، فقد رضيتُ عنكم. فتداعتْ قصور الجنّة وشجرها: سبحانك. أربع مرات، وخرّ القوم سُجّدًا، فناداهم الرّبّ: عبادي، ارفعوا رؤوسكم؛ فإنها ليست بدار عمل، ولا دار نَصب؛ إنما هي دار جزاء وثواب، وعزّتي، ما خلقتُها إلا من أجلكم، وما من ساعة ذكرتموني فيها في دار الدنيا إلا ذكرتُكم فوق عرشي